كيف أصبحت تونس بعد عام على فوزها بجائزة نوبل للسلام؟ سياسيون: "ديمقراطية مغشوشة ومهددة ولا يزال الظلم سائداً"

تم النشر: تم التحديث:
SOCIAL MEDIA
Social Media

حرصت لجنة نوبل النرويجية لدى منحها جائزة نوبل ذات القيمة الاعتبارية الفائقة لرباعي الحوار التونسي العام الماضي، على أن تجعل من تونس نموذجاً لنجاح ثورات "الربيع العربي" الذي كانت تونس مهده، لكن الحياة كانت صعبة على أولئك الذين اشتركوا في الثورة.

"الشيء الوحيد الأسوأ من الموت أن تعيش عندما تريد الموت، خصوصاً عندما لا يتغير شيء.. عندما تجد البلاد لا تزال نائمة"، هذا ما قاله حسيني كالاي (39 عاماً) الذي يخبرك أنه ليس كل من يحرق نفسه يموت، وفقاً لتقرير نشرته مجلة تايم.

فالأمر لا يستغرق وقتاً طويلاً، كما قد تعتقد، قبل أن تموت محترقاً. تبدأ الصدمة والاختناق في الحال تقريباً. تكوي حروق الدرجة الثالثة نهاياتك العصبية. ثم ينهار جسدك بعد ذلك بوقت قليل.
"لم نجن شيئاً"

حدث ذلك منذ خمس سنين تقريباً، بعد وقت قصير من قيام البائع المتجول ذي الـ24 ربيعاً، محمد بوعزيزي بإحراق نفسه، ما أدى إلى إشعال فتيل ما سوف يسمى لاحقاً بالربيع العربي.

كان عمر حسيني في ذلك الوقت 34 عاماً، عندما صب الجازولين على نفسه أمام ضابط كان يضطهده في مسقط رأسه، بلدة قصرين. أشعل حسيني عود ثقاب، ليستيقظ بعد ذلك بسبعة أشهر في المستشفى. وقبضتا يديّه مضمومتان حالياً بشكل دائم وشديد إلى درجة أنه بالكاد يستطيع استخدامهما. أما وجهه فهو خليط من الندوب المتفحمة وأذناه تحولتا بالكاد إلى مجرد شحمتين صغيرتين مشوهتين.

يعرف حسيني في قصرين، التي كانت مركزاً للمعارضة قبل أن تتردد أصداء الاحتجاجات التي عمت تونس في كل المنطقة بأنه "بوعزيزي الحقيقي" الذي يقول كثير من التونسيين إن دوره قد بولغ فيه من قبل الإعلام الغربي. لم يتلق حسيني قط نفس الاهتمام العالمي الذي تلقاه بوعزيزي، لكن إحراقه لنفسه في السابع من يناير عام 2011 كان قد أشعل المظاهرات في قصرين. بعد ذلك بأسبوع أجبر الرئيس زين العابدين بن علي على الهروب من تونس بعد 23 عاماً في الحكم.

حسيني لا يشعر بأي فخر، ويقول بأن تونس لم تجنِ شيئاً من تحديه المدمر لذاته، هو وآخرين غيره، وأنه لو عاد به الزمن لما فعل الشيء ذاته. وقال حسيني "أظن أنني كنت ساذجاً. كنت ساذجاً في اعتقادي أنني، أو أي شخص غيري، بإمكانه أن يؤثر أو يغير من ذلك الظلم الموروث".

لكن الأمر الأكثر إثارة للحزن من إدراك أنه فقد نفسه وخسر معركة بلاده من أجل الكرامة، هو إدراك أن أخاه الصغير، صابر، قد سار على نفس خطاه. حين خسر أخوه (33 عاماً) وظيفته في مستشفى محلي، في أكتوبر الماضي، بعد حوالي 5 أعوام من بدء الربيع العربي، بدأ في السقوط في دوامة من الاكتئاب العميق.

في الـ15 من أكتوبر العام الماضي، أخذ واحدة من سجائره وأشعل النار في نفسه في حديقة الحي الصغيرة، في المكان الذي اعتاد فيه هو وحسيني أن يلعبا عندما كانا صغيرين. حين أحرق نفسه، شاهدته حفنة من الأطفال كانوا يلعبون قريباً منه وهو يموت.

خمس سنوات من النضال تركت الأسرة بلا شيء سوى الرماد.


"ديمقراطية مغشوشة"


على الرغم من أن تونس ينظر لها باعتبارها من قصص نجاح الربيع العربي، بعد إجرائها انتخابات برلمانية ورئاسية، ينظر لها البعض على أنها "ديمقراطية مغشوشة ومهددة" كما كان قد صرح الرئيس التونسي السابق ورئيس حزب حراك تونس الإرادة المعارض محمد المنصف المرزوقي.

وما يعزز ذلك هو اعتقاد بعض التونسيين الذين نزلوا إلى الشوارع للتظاهر في 2011 يعتقدون أن الأمور تغيرت حقاً. فقد فشلت الحكومة، التي يقودها حالياً حليف ثمانيني للرئيس المخلوع بن علي، في تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية التي كانت في القلب من مطالب الانتفاضة التونسية. ولا تزال البيروقراطية والمحسوبية والفساد متفشية في البلاد. وكشف استطلاع للرأي قامت به مؤسسة الجمهورية العالمية في يناير 2016 أن 83٪ من الذين أجروا الاستطلاع يعتقدون أن تونس تسير في الاتجاه الخطأ، مع بلوغ المخاوف المتعلقة بالاقتصاد لأقصى درجاتها منذ انتفاضة عام 2011.

وقالت لاريسا شومايك، متخصصة العلوم السياسية ومديرة مركز الدراسات المغربية، وهو مركز بحثي مقره تونس: "إن الحكومات المختلفة منذ الانتفاضة واجهتها صعوبات في وضع العدالة الاجتماعية كأولوية، وهو مطلب أساسي للثورة. أن مشروع بن علي الذي كان قائماً على استبعاد الناس من الفرص الاقتصادية، خصوصاً داخل البلاد، لا يزال قائماً إلى حد كبير".


الغضب يزداد


ويزداد الغضب اشتعالاً لا سيما في المدن الداخلية، مثل مدينة قصرين، مسقط رأس حسيني. فقد ركزت تونس، خلال حكم بن علي الذي استمر 23 عاماً، كل مشاريعها الاستثمارية تقريباً في الأقاليم الساحلية، تاركة المناطق الداخلية بلا تطوير بشكل غير متناسب مع باقي البلاد. وبحسب صندوق النقد الدولي فإن معدلات البطالة والفقر في الداخل أعلى ثلاث مرات من المناطق الساحلية. وأكثر من ذلك، فإن شباب البلاد، المستفيدين المفترضين من الثورة، يواجهون معدلات بطالة تقترب من 40%. إن معدل البطالة أقل من ذلك حتى في مصر، التي أصبحت ظروف ما بعد الانتفاضة فيها أسوأ بكثير مما كان عليه الحال تحت حكم الرئيس المخلوع حسني مبارك.

ويقول عدنان حاجي، البرلماني اليساري المعروف بـ"تشي جيفارا الجنوب" من مدينة قفصة الداخلية، إنه إن لم تتحسن الظروف، فمن المرجح أن تقوم انتفاضة أخرى، وأضاف "ما زلنا نفتقد الكرامة، والاقتصاد أصبح أسوأ حالاً، ورجال النظام القديم لا يزالون موجودين، ولا يزال الظلم سائداً.. لن يعود بإمكان الناس الانتظار لوقت أطول".

ويخشى بعض العاملين في مجال حقوق الإنسان مثل سهام بن سدرين، رئيسة لجنة الكرامة والحقيقة التونسية، المنوط بها جلب المستفيدين من النظام السلطوي إلى العدالة، من أن الغضب سوف يتزايد بين الشباب. وقالت: "لقد حان الوقت لإحداث تغيير، فقد وصلنا إلى القاع. وللأسف، فإن النافذة لا تزال تضيق. هناك الكثير من حقول الألغام في تونس، وإن لم نتخلص منها، فسوف تنفجر".

ومع أن تونس في وضع أفضل من باقي جيرانها من دول الربيع العربي، إلا أنه يُعتقد أن 6 آلاف تونسي قد سافروا إلى العراق وسوريا ليقاتلوا مع الجهاديين، وهو عدد يفوق كل دول العالم، وذلك على الرغم من عدد السكان القليل لتونس والبالغ 11 مليون شخص. كان محمد لحويج بوهلال، عامل التوصيل ذو الـ31 عاماً، الذي دهس وقتل 85 شخصاً في مدينة نيس بفرنسا، من أصل تونسي. تلك هي التركة المرة للربيع العربي.

يقول محمد إقبال، العامل بمجال الاتصالات اللاسلكية ومؤسس منظمة تساعد العائلات التونسية التي سافر أقرباؤها للقتال في سوريا: "هذا مد يصعب إيقافه". تحول أخو إقبال عام 2013 للتطرف في مسجد محلي ليسافر بعد ذلك بوقت قصير للقتال مع داعش في سوريا. عاد أخوه بعد أسابيع قليلة، لكن إقبال رفض الإدلاء بأية تفاصيل عما حدث لأخيه في سوريا، أو لماذا عاد.

ويقول إقبال إنه لا يمر يوم دون أن يتلقى اتصالاً محموماً من أسرة تريد إرجاع ابنها. لكنه يتفهم الشعور بالإحباط الذي يدفع هؤلاء الشباب ويقول: "لو كنت أصغر بعشر سنوات، لربما كنت في سوريا أنا الآخر".


بطالة مرتفعة


في مقهى قريب من بيت سيف الدين بمدينة قعفور، كان عشرات من الشباب يمضون يومهم متكاسلين، مرتدين الجينز وسترات جلدية بلا أي مكان يذهبون إليه. أصبحت المقاهي نوعاً من غرف الانتظار للعاطلين التونسيين. في مدينة فقيرة مثل قعفور، ببنيتها التحتية الفقيرة وأماكنها العامة القليلة، ليس هناك الكثير من الأشياء لفعلها غير الجلوس على المقاهي.

قصص كثيرة تتحدث عن معاناة الشباب بسبب البطالة، فمنذ 4 سنوات ودّع الشاب التونسي معز الرياحي أبواب الجامعة بعد أن نال شهادته العليا في الهندسة المدنية، لكن فرحته سرعان ما تحوّلت لحزن وشعور عميق بالقهر بعد رحلة بحث مضنية عن شغل في اختصاصه قضاها متنقلاً بين ريف "البطرية" بمحافظة زغوان شمالاً وتونس العاصمة، لينتهي به المطاف كراعٍ للغنم في الجبال براتب شهري لا يتجاوز 150 دولاراً حتى يعيل نفسه وعائلته المكونة من 5 أفراد.

بحسرة يروي معز لـ"هافينغتون بوست عربي" دوافع امتهانه رعي الماشية وتخليه عن حلم الهندسة قائلاً: "الفقر كافر والجوع كافر، كنت مجبراً على التخلي عن كبرياء أي شاب في عمري وتعليمي الجامعي، وأن أطوي صفحة من عمري قضيتها في دراسة الهندسة وأبحث عن أي مصدر للرزق، فالخيارات تقريباً منعدمة والنشاط الوحيد المتاح في بلدتي الريفية هو الرعي".

ورغم أن الدولة كانت قد أعلنت عن توفير الآلاف من الوظائف والانتدابات بشكل مستعجل، إثر احتجاجات شعبية لأصحاب الشهادات العليا المعطلين عن العمل بجهة القصرين، إلا أن أغلب الإحساس السائد عند الشباب أنها مجرد مسكنات ووعود سياسية زائفة.