سجون مصر السرية تستقبل 650 شاباً في 3 أشهر.. حالات التصفية ترعب أهالي المعتقلين

تم النشر: تم التحديث:
MSR
sm

"أنا خايف يتعلق بي".. تلك الكلمات التي دائماً ما كان علي عبد الله الفقي الباحث الاقتصادي يرددها خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عمر ابنه الوحيد، أثناء حديثه داخل بيته الصغير مع زوجته التي لم يمر على ارتباطهما سوى عام واحد، أثناء إعداده للسفر إلى دبي من أجل العمل هناك بعد أن ضاق به الحال بمصر، ولكنه لم يدرك أن يكون اسمه ضمن قائمة تحمل أسماء المختفين قسرياً بمصر بعد القبض عليه من قبل قوات الشرطة من داخل المطار.

وتروي السيدة أميرة لحظاتها الأخيرة مع زوجها علي الذي كان من المنتظر أن يكمل عامه الـ29 في ديسمبر القادم، قائلة: "في مساء يوم 27 من شهر يونيو/حزيران الماضي، ذهبت وأنا أحمل عبد الله لتوديع زوجي في مطار القاهرة الدولي، والذي كان من المقرر أن يغادر في 12.30 من صباح اليوم التالي على رحلة رقم 926 على خطوط طيران دبي، متوجهاً إلى الإمارات للعمل، ولكن بعد وداعه ودخوله إلى المطار اختفت كل أخباره، وعند معاودتي للمطار في اليوم التالي للسؤال عليه أخبرني أحد أفراد الأمن أنه تم اعتقال زوجي قبل إقلاع الطائرة".

من تلك اللحظة، كما تقول زوجة المختفي قسرياً على الفقي لـ"هافينغتون بوست عربي"، لم يعد أحد يعلم عنه شيئاً.. "لم أترك جهة أو قسم شرطة يمكن أن يتواجد بها زوجي إلا وتوجهت إليه ولكن دون جدوى، رغم ذلك أحلم أن يكون زوجي بخير وألا يكون قد قتل مثلما نسمع من قصص تحدث في مصر، ولا أردد كلمة أمام ابني عبد الله الذي بلغ 7 أشهر إلا كلمة بابا مع وضع صورة زوجي علي أمامه حتى تكون أول كلمة ينطق بها.

حالة الباحث الاقتصادي على الفقي تأتي ضمن 650 حالة اختفاء قسري وثقها أحدث تقرير حقوقي لرصد الظاهرة التي أصبحت مفردة بارزة في المشهد المصري منذ 30 يونيو 2013، ومن بداية بشكل محدود زاد التوسع بها لتشمل مئات وآلاف الحالات منذ الإطاحة بالرئيس المصري المنتخب محمد مرسي. ومع توالي السنين زادت دائرة الاختفاء وزادت حدة الإنكار الرسمي للظاهرة.


زيادة ملحوظة في 3 أشهر


التقرير الذي أصدرته المنظمة التنسيقية المصرية للحقوق والحريات، يتضمن قائمة مفصلة لأسماء 650 مختفياً قسرياً خلال الأشهر الثلاثة الماضية، تضمنت الفترة التاريخة بمصر في (يوليو/ تموز – أغسطس/آب – سبتمبر/أيلول) من عام 2016.

وفي التقرير الصادر منذ أيام قليلة، ذكرت التنسيقية أنها وثقت أسماء الـ650 مختفياً قسرياً في ثلاثة أشهور فقط، في حين أنها رصدت 2811 حالة اختفاء قسري على مدار ثلاث سنوات كاملة، من يوليو 2013 وحتى يونيو 2016.

ولفتت المنظمة إلى أن وتيرة هذا الانتهاك تتزايد "وما زالت مصر تعاني من انتشار هذه الجريمة.

وقالت "إننا نهدف من إعلان الأسماء إلى توصيل صوت أسر المختفين إلى الرأي العام وكل سلطات الدولة بعدما تبنى المجلس القومي لحقوق الإنسان رؤية الأجهزة الأمنية".
والتنسيقية هي منظمة حقوقية غير رسمية بمصر تم تدشينها في 2014، بمشاركة عدد من المنظمات الحقوقية، في مؤتمر صحفي بلجنة الحريات بنقابة الصحفيين بحضور محمد عبد القدوس رئيس لجنة الحريات بالنقابة حينها، وتتشكل من بعض كيانات المجتمع المدني المستقلة، منها "مهندسو مصر"، وحركة الحرية للبيطريين، ومرصد "حرية" لحقوق المعتقلين بسجن طرة، وحملة "اعرفوهم"، ومرصد "طلاب حرية"، و"التحالف الثورى لنساء مصر" وحملة "صيدلي معتقل"، و"المفقودين"، و"ضحايا"، وحركة "حق أولادي للطفل المعتقل"، وحركة "جامعة مستقلة".


800 حالة في الصيف


عزت غنيم، المنسق العام للتنسيقية قال في تصريحات خاصة لـ"هافينغتون بوست عربي": "إن ما دفعنا لإعادة النظر في الظاهرة وتقييمها، بدء ظهور حالات تصفية جسدية لمعتقلين كانوا مختفين قسرياً، والعدد الذي يوثقه التقرير لا يمثل كل حالات الاختفاء القسري، فهناك 150حالة أخرى وصلتنا لاحقاً، ولم يتسنَّ التحقق من تفاصيلها. "معظم الحالات التي لم ترد بالتقرير من الأقاليم، وتم اعتقالهم في ذات الفترة التاريخية التي يشملها التقرير".

وكان من المعتاد، بحسب غنيم، أن تظهر الحالات المختفية بعد أسبوع أو اثنين من القبض عليها، ولكن التقرير الجديد كشف أن أكثر من 50% من تلك الحالات لم تظهر حتى الآن، والباقون ظهروا أمام النيابة بعد فترات تخطت الشهرين في الكثير من الحالات.


حالة أحمد طاحون


تتفق معظم روايات الأهالي حول طريقة اختفاء ذويهم، حيث تبدأ بهجوم من قوة أمنية على المنزل أو مقر العمل، والقبض عليهم بالقوة مع تفتيش وتكسير لمحتويات المنزل، ثم لا يظهر المقبوض عليه في أي مكان احتجاز ولا يتم عرضه على النيابة. ولكن هناك عدة حالات كان لها قصص متفردة في تفاصيلها، سواء من حيث طريقة القبض أو عمل الشخص أو عائلته.

فمن الحالات التي تم القبض عليها ثم اختفت قسرياً، أحمد طاحون، ابن مساعد وزير الداخلية السابق اللواء نبيل طاحون، والذي أعلنت أسرته أنه تم القبض عليه 16 يوليو/تموز 2016، ولم يستطع والده المسؤول السابق بالداخلية معرفة مكانه، وظل مختفياً لمدة تزيد على الشهرين.

وبعدها ظهر أحمد بعد إعلان الداخلية أنها قبضت عليه عقب ورود عدة بلاغات تفيد تواصل المتهم مع إحدى الجماعات التي أسست على خلاف القانون، وأنه خلال القبض عليه عُثر داخل شقته على مجموعة من الكتب والمنشورات التى تحرض على العنف مثل كتب سيد قطب (أحد منظري الإخوان ويتهم بترويج مبدأ جاهلية المجتمع)، وتم عرضه على النيابة بتهم الانضمام لجماعة أسست على خلاف القانون .

وبينما ظهر أحمد أمام النيابة، نجد أن الغموض لا يزال هو السائد في حالات أخرى. فما زال مصير المحامي محمد محمود صادق، المختفي منذ 30 أغسطس/آب 2016، مجهولاً، حيث تم القبض عليه من داخل محطة قطار بالجيزة، وتم اقتياده إلى مكان غير معلوم، ولم يستطع ذووه أو المحامون تحديد مكانه حتى اللحظة.

وصادق هو أحد أعضاء هيئة الدفاع عن المعتقلين بسجن العقرب، وكان يقضي أغلب وقته في الدفاع عن ضحايا انتهاكات الأجهزة الأمنية، ولم تفلح جهود النقابة وأسرته والمنظمات الحقوقية في كشف سر اختفائه أو معرفة التهم الموجه إليه.

ومن الذين تم اعتقالهم وإخفاؤهم قسرياً شقيق طالب الهندسة الشهيد "إسلام عطيتو"، حيث قبض عليه من منزله فجر السبت 17 سبتمبر/أيلول 2016، وسط مخاوف من تصفيته كما حدث لأخيه في شهر مايو/آيار 2015، وهو لم يظهر حتى الآن داخل أماكن الاحتجاز المعروفة.

ومن المعرف أن واقعة استشهاد "إسلام عطيتو" أثارت جدلاً واسعاً بعد أن قامت قوات الأمن بالقبض عليه عقب الانتهاء من أداء الامتحان، وطارده شخصان بمجرد خروجه من الجامعة، ليعود لعائلته جثة هامدة بعد تصفيته، على حد قول أسرته.

وهناك الشاب حسين حلمي علي عبد المتجلي، والذي كان مجنداً بالقوات المسلحة -"يقضي فترة خدمته العسكرية"- ولا يزال مختفياً حتى تلك اللحظة منذ القبض عليه في يونيو/حزيران، ولم يظهر حتى الآن.

ويقول شقيقه علي حلمي في تصريحات خاصة لـ"هافينغتون بوست عربي": "إن حسين كان مجنداً على قوة بمساكن الضباط بالعمرانية في الجيزة بشرق القاهرة، وأثناء تواجده بالخدمة قام قائده بالجيش بالتحقيق معه بتهمة وجود ميول سياسية لديه، وقام بتحويله إلى قائد الجيش في مدينة نصر، وهناك تم تسليمه للأمن الوطني (أمن سياسي)، وتلك التفاصيل عرفنا بها من حسين في آخر اتصال له معنا بعد خروجه من مكتب عميد الجيش، وفشلت جميع جهودنا لمعرفة مصيره خلال الفترة الماضية”.


مجلس الحكومة يعترف: جاءتنا حالات جديدة


وعن تلك الأرقام، قال عبد الغفار شكر الأمين العام للمجلس القومي لحقوق الإنسان التابع للحكومة، إن المجلس يسعى بشكل مستمر لمواجهة تلك الظاهرة المخالفة لنصوص الدستور المصري، وجميع المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان التي صدقت عليها مصر.

وقال شكر في تصريحات خاصة لـ"هافينغتون بوست عربي"، إن المجلس تلقى العديد من الأسماء الجديدة التي أبلغ ذووهم عن اختفائهم قسرياً، موضحاً أن المجلس سيجمع تلك الأسماء -كما حدث من قبل- وسيخاطب وزارة الداخلية للكشف عن مصير هؤلاء.

وأكد أمين عام المجلس القومي لحقوق الإنسان ضرورة التزام الداخلية بالتوقف عن ممارسة تلك المخالفات، والتوقف عن احتجاز المتهمين في السجون غير المعتمدة والافصاح عن أماكن احتجاز من يتم القبض عليهم، وعليها أن تتفهم أن مواجهة الإرهاب يمكن أن يتم بتنفيذ القانون واحترام حقوق الإنسان.


والداخلية تنفي دائماً..


ورغم الكثير من التقارير الحقوقية التي تحدثت عن الظاهرة، إلا أن وزارة الداخلية المصرية نفت الأمر أكثر من مرة، آخرها في 8 أغسطس/آب 2016، حين قال اللواء علي عبد المولى، مساعد وزير الداخلية، في كلمة له أمام مجلس النواب المصري، أثناء اجتماع لجنة حقوق الإنسان: "ما الذي يجعلني ألجأ لوسائل باطلة إجرائياً ولا أستطيع تحمل نتائجها، في حين أن هناك قنوات شرعية وتعاوناً كاملاً مع جهات النيابة العامة؟"، معتبراً أن الحديث عن اختفاء قسري هدفه "تشويه صورة مصر، لا سيما من قبل جماعة الإخوان"، على حد تعبيره.

ويذكر أنه في شهر يوليو/تموز 2016 أصدرت منظمة العفو الدولية تقريرا جاء فيه أن الأجهزة الأمنية المصرية خطفت وعذبت مئات الأشخاص بينهم أطفال، وجاء بالتقرير وجود زيادة في حالات الاختفاء القسري في مصر منذ تعيين اللواء مجدي عبد الغفار وزيراً للداخلية في مارس/آذار 2015، وفي اليوم التالي لصدور التقرير، قالت وزارة الخارجية المصرية في بيان أن "مصر سبق أن أعلنت أكثر من مرة رفضها تقارير تلك المنظمة غير الحيادية التي تحركها مواقف سياسية لها مصلحة خاصة في تشويه صورة مصر"، حسب قولها.