بأنامل صغيرة ومصنع.. هكذا تغلب 75 ألف "قزم" في مصر على ندرة ملابسهم

تم النشر: تم التحديث:
DWARFS
ALFREDO ESTRELLA via Getty Images

رغم التهميش والتهكم، لم يستسلم قصار القامة "الأقزام" في مصر لأوضاع ظَلمتهم، فسعوا إلى بناء المؤسسات التي تعوضهم عن الإهمال الذي تعرضوا له من المجتمع، وواحدة من أهم هذه المؤسسات كان إنشاء أول مشغل لحياكة ملابسهم بعد طول معاناة بسبب هذه المسألة؟

وجاءت هذه الخطوة بعد تأسيس نقابة الأقزام التي تعد الأولى من نوعها في مدينة الإسكندرية، إضافة إلى تعديل مادة في الدستور الجديد تضمهم إلى ذوي الاحتياجات الخاصة.

المصنع الذي يبعد بضع كيلومترات عن فندق سان ستيفانو الشهير بشرق الإسكندرية، تحديداً بمنطقة باكوس، بدأت فكرته قبل عام، بينما بدأ تنفيذه قبل 7 أشهر، حيث تبرع نادي "روتاري" لإمداد المصنع الصغير بـ7 ماكينات خياطة، فضلاً عن عمل بروتوكول تعاون مع طلاب الجامعة الفرنسية لتمويل المشروع خلال مدة التدريب 15 يوماً، والذي سبقه 4 أشهر، تأهيل العاملين (وأغلبهم من النساء والفتيات ) نفسياً لخوض التجربة؛ نظراً لأنهن يتعاملن برهبة مع ماكينات الخياطة وأدوات التفصيل، وباتت المتدربات يشعرن بفرحة وإقبال على التفصيل، ولا يرغبن في العودة لمنازلهن.


فاق التوقعات


وعلى الرغم من أن المشغل لا يعمل فيه سوى 10 أشخاص فقط، جميعهم من الأقزام، بدءاً من المشرفة عليهم حتى العاملين على مختلف المراحل والماكينات، فإن الإنتاج فاق توقعاتهم، حيث بيع منه بالفعل نحو 100 بيجامة و700 قميص، وعدد ليس بالقليل من قمصان الأطفال وملابس منزلية للنساء، غالبيتها كان مخصصاً للأقزام فقط .

ولم يقتصر تصنيع ملابس المصنع على مقاسات الأقزام فقط؛ بل أنتجوا أيضاً ملابس للأشخاص ذوي القامة العادية، بيع منها لبعض أقربائهم وجيرانهم .

تقول نسرين حامد، مسؤولة المرأة والطفل، لـ"هافينغتون بوست عربي"، إن مراحل الإنتاج تبدأ من البترونات (مخططات الخياطة) ثم القص ثم الخياطة والتقفيل، موضحة أن المصنع يقوم بجميع المراحل.

وأكدت أن الأقمشة المستعملة أغلبها قطنية؛ لأنهم يعانون صعوبة إيجاد الملابس القطنية بالسوق بالمقاسات التي تناسبهم.


يحميهم من التهكم


وعن اختيار الموديلات، تقول نسرين إن "الاختيار بالنسبة للأقزام بسيط، فهم من ينتجون الملابس التي تروق لهم بالمقاسات التي تناسبهم، فللمرة الأولى بعد إنشاء المصنع نجد ملابسنا دون عناء"، وأردفت قائلة: "كما أن المنتجات التي ننتجها في المصنع سترحمنا من تهكم العاملين في أسواق الملابس".

ورغم فرحة العاملين بالمصنع، فإن المشكلة التي تواجههم تتمثل في عدم وجود دعم مادي كافٍ لتشغيل المصنع بكل طاقته، حيث إن الملابس التي أنتجوها لم يُبَعْ منها إلا القليل، كما أنهم يحتاجون لتوفير رواتب مجدية للعاملين بالمشغل.

عصام شحاتة، نقيب الأقزام بمحافظة الإسكندرية، يقول إن الدافع وراء هذا المشغل أو المصنع تمثل في اضطرارهم إلى شراء ملابس لا تناسبهم في الطول أو شراء ملابس أطفال، ومن ثم تحملهم تكاليف مالية إضافية نظير إعادة حياكة تلك الملابس من جديد لتناسب أجسادهم الصغيرة، مؤكداً أن هذا العمل هو الأول من نوعه.

ويحكي شحاته عن رحلة إنشاء المصنع: "بدأنا في التنفيذ بإحضار مدربين لتعليم المتطوعين فنون الخياطة بعدما حصلنا على 7 ماكينات تبرع بها نادي الرمل (روتاري) بالإسكندرية، وبدأنا بالفعل فترة التدريب ثم افتتاح المصنع والإنتاج".

وعن المشاكل التي تواجههم، حسب شحاته، فإنها تتمثل في عدم وجود دعم مادي كافٍ لتشغيل المصنع بكل طاقته، حيث إن الملابس التي أنتجوها لم يبع منها إلا القليل، كما أنهم يحتاجون لتوفير رواتب مجدية للعاملين.

فؤاد مصطفي إسماعيل أحد العاملين بمصنع جمعية الأقزام، يقول: "انا بشتغل في المصنع.. وعاملين كمان فرقة استعراض فنون شعبية، بحلم أن المشروع (المصنع) يكبر جدا ونفتح مصنع أكبر منه بإمكانيات أفضل".

ويتابع إسماعيل: "نحن نتعامل مع ماكينات الخياطة ونقوم بكل خطوات القص والخياطة والتفصيل كأي إنسان عادي، لكن معاناتنا تكون فقط في نظرة الناس لنا وفي عدم توافر إمكانات تساعدنا".


الفن أكبر مشكلة


نسمة محمد، أحد العاملات بالمصنع، تقول لـ"هافينغتون بوست عربي": "إحساس جميل أننا نصنع حاجاتنا بأنفسنا وبأيدينا، وبمقاسات تناسبنا، هذا أفضل من الذهاب للخياط".

هالة حمدي، المسؤول الإداري بجمعية رعاية الأقزام بالإسكندرية، وإحدى المشرفات بالمصنع، تقول: "اشتغلت فى أماكن كثيرة، ولكن لم يكن هناك عمل سهل عليّ، وسبق أن عملت فى محل خياطة وكنت أضطر أن أضع كرسياً صغيراً فوق الكرسي الأساسي الذي أجلس عليه حتى أستطيع أن أتعامل مع القماش" (لأن المكان لم يكن مجهزاً للأقزام).

ولا تقتصر اهتمامات هالة على صناعة الملابس؛ بل لها اهتمامات فنية أيضاً، فهي تقول: "أحب وأعشق التمثيل منذ صغري، وعندما تُرض عليَّ أدوار تمثيل تتطلب أقزاماً أشارك فوراً"، موضحة أن تلك الأدوار التي تقوم بتمثيلها مبنية على احتياج المخرج لفتاة قزمة لكي يسخر منها الجمهور كنوع من الكوميديا والضحك، مما يجعلها تشعر بمدى إهانة المجتمع.

ويطالب الأقزام في مصر، من خلال نقابتهم، بترشيح ممثل لهم في البرلمان وتوفير فرص عمل للأقزام في إطار الـ5% التي حددها القانون 39 لسنة 1975 للمعاقين بالتعيين في الوظائف الحكومية، وسط تجاهل الدولة لمطالبهم، مؤكدين جميعهم أن الحكومة لا بد أن تراعي حقوق المعاقين ولا تهمّشهم.

وبموجب النص الذي أدخل في آخر دستور، أصبح من حق الأشخاص الأقزام التعيين في الوظائف العامة والخاصة، وذلك ضمن نسبة الـ5%، من الأشخاص ذوي الإعاقة، إلا أن ذلك لم يطبق بشكل فعَّال حتى الآن.

ولا يوجد إحصائية مؤكدة عن عدد الأقزام في مصر، بحسب مسح سكاني أجرته وزارة الصحة المصرية في ديسمبر/كانون الأول 2015، فمن بين كل 3 أطفال دون سن الخامسة يعاني طفل التقزم، بسبب سوء التغذية، إلا أن بحثاً آخر أجرته الوزارة قبل 5 سنوات يشير إلى أن 29% من الأطفال المصريين من سن يوم وحتى 4 سنوات مصابون بالتقزم، للسبب نفسه.