أريد وظيفة لأبي وأمي.. هل يستجيب السيسي لطفلة أفطر في بيتها؟

تم النشر: تم التحديث:

تحت رقابة صارمة تعيش الأسرة المصرية البسيطة التي زارها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي وتناول معها إفطاراً أثار الجدل على الشبكات الاجتماعية.. لماذا اختار الرئيس تلك الأسرة لإفطاره؟ وكم تكلّف الإفطار الذي لا يتناوله عموم المصريين؟ وغيرها من الأسئلة.

رغم تلك الرقابة تمكنت "هافينغتون بوست عربي" من الوصول إلى أحد أفراد هذه الأسرة: وهي طفلة لم تملك إلا مطالبة الرئيس بأن يوفر لأبيها وأمها عملاً، حيث لا يزيد دخل الأسرة على 30 جنيهاً يومياً. بينما تكلف إفطار الرئيس ومن معه نحو 100 جنيه، بحسب بعض المواقع.

اللقاء كان خارج أسوار مشروع "بشاير الخير" الذي افتتحه السيسي في منطقة غيط العنب بالإسكندرية، وبعيداً عن مراقبة عناصر الأمن التي تمنع أفراد الأسرة من الحديث للإعلام، التقينا إحدى بنات الأسرة، وهي طالبة في المرحلة الإعدادية، كانت تخشى الحديث بسبب التنبيهات الشديدة التي تم توجيهها للأسرة. لكنها كشفت لنا رغم ذلك تفاصيل عديدة حول ملابسات الزيارة الرئاسية، فيما كانت تتلفت يمنةً ويسرةً بعد كل جملة تنطق بها.

خلال اللقاء عرفنا مثلاً أن الإفطار - الذي يتكلف نصف ميزانية الأسرة في شهر - لم يتم إعداده في بيتهم، بل أدخلته جارتهم، وأن زجاجات المياه وزعها الجيش في المنطقة صباح يوم الزيارة، والإفطار على ما يبدو كان محتملَ الإلغاء.

ولنبدأ بسرد تفاصيل الرحلة..


المشهد في المنطقة المحيطة بالمشروع لبيوت مهدمة، وأشخاص كساهم الهمّ بالشيب، روائح كريهة وأكوام قمامة، كل ذلك على بعد خطوات من قسم شرطة "كرموز"، نقطة البداية لمشروع التطوير العمراني الذي افتتحه السيسي.


"بنات الحاجة نادية ونظرة الرعب"


على بعد أمتار من مشروع غيط العنب يجلس رجلا أمن تابعان لوزارة الداخلية على بوابة المدينة الجديدة، سألنا أحدهما عن سبب زيارة المشروع، وأخذ بيانات الهُوية، وسألناه عن رقم شقة "الحاجة نادية" التي تناول معها السيسي الإفطار، وإذ ببنتيها تعبران البوابة أمامنا، توجهت نحوهما طلباً للحديث فرفعت الابنة الكبرى عينيها إلى رجل الأمن متسائلة إن كان مسموحاً لها بالكلام، وحينما تغافل عن النظر إليها، اعتذرت في هدوء بأنها "لا تريد أن تتأخر عن موعد المدرسة"، ثم غادرتني وهي ممسكة بإحدى يديها أختها الصغرى وباليد الأخرى حقيبة بلاستيكية وضعت فيها كراسات المدرسة.

عبرت البوابة للداخل، كان الهدوء يسيطر على المنطقة، وجدت رجلاً خمسينياً يتناول كوب الشاي - رفض ذكر اسمه - وقال إنه يعمل في المقاولات بالمشروع في فرش الحجر، وإنه يعمل مع إحدى الشركات التي تأخذ مشاريع الجيش؛ لأن هذه الشركات - التي رفض ذكر اسمها - تقدم أفضل العروض. الرجل الذي أنكر معرفته بأي شيء عن السكان أو المشروع وتحفظ في كل إجاباته معنا، قال إنه يأخذ أجراً يومياً 150 جنيهاً (أي حوالي 12 دولاراً)، واعتبر أن ذلك المبلغ يكفي لحياة أي أسرة في مستوى تحت المتوسط بمصر في ظل غلاء الأسعار، خاصة أنه يعمل في عمل لم يعد ينقطع الآن كما كان يحدث من قبل؛ لأن "مشاريع الجيش لا تتوقف"، على حد قوله.


"طلب إذن من المخابرات"


وفجأة قاطع حديثنا شاب عشريني سألنا عن هويتنا وسبب وجودنا، وعندما أخبرته بأننا حصلنا على تصريح من الأمن بزيارة المنطقة، قال: "هذا أمن مدني ونحن أمن حربي"، وطلب منا الانتظار ليسأل "الباشا الضابط"، على حد قوله.

وبالفعل أجرى اتصالاً هاتفياً سأل فيه أحد المسؤولين عن السماح لنا بالتصوير وزيارة "الحاجة نادية" من عدمه، وأنهى مكالمته وطلب منا الانتظار حتى تصل الموافقة.

خلال فترة الانتظار أخبرنا فرد الأمن الحربي بأنه يحمل شهادة فوق متوسطة (سنتين من الدراسة بعد الثانوية) وأن هذه المنطقة تابعة للجيش وأي دخول أو تصوير يكون بإذن من قائد المنطقة.

وقال إنه لم ير الرئيس السيسي يوم الزيارة لأن الحرس الجمهوري تكفل بتأمين المكان، أما هو ومن معه فكانوا مسؤولين عن إجراءات التأمين في نهاية المباني. وأوضح أن شققاً معدودة هي التي تم تسكينها حتى الآن تشغلها نحو 10 أسر، في حين أن المشروع يحوي تقريباً 1630 شقة.. وقطع حديثه رنين هاتفه حيث أفادنا بأن المسؤول رفض دخولنا، وقام باصطحابنا للخارج ليتأكد من خروجنا من المدينة الجديدة.


مع ابنة الحاجة نادية


تركنا العمارات الجديدة والأمن الموجود في كل شبر بالمنطقة، وبدأنا التجول في منطقة "غيط العنب" المحيطة بالمشروع، وللمرة الثانية تجمعنا الصدفة بسلمى، ابنة "الحاجة نادية" التي تناول السيسي الإفطار في منزلهم، في طريق عودتها للمنزل بعد أن كنا صادفناها عند بوابة الخروج. سألتها عن سبب نظرتها للأمن في الصباح فقالت: "هم أكدوا علينا ألا نتكلم إلا لما يسمحوا لنا، فلما لم يسمح لي بأن أتكلم مشيت"، وأضافت: "هم قالوا لنا إنهم يعملون هذا لحمايتنا".

وأوضحت الفتاة أنه تم تسكينهم في الشقة يوم زيارة الرئيس وأخبروهم بألا يغادروا مكانهم، وعندما سألتها عن الإفطار ومن أحضره تلعثمت وروت روايات متضاربة، فمرة قالت إن جارتهم أعدت ذلك الإفطار، وثانية قالت إنهم من أعدوه، ومرة ثالثة قالت "ناس عملوا الفطار بس ما ينفعش أقول من هم".

أما المياه المعدنية "صافي" (إنتاج أحد مصانع الجيش) فقالت إن الجيش وزعها عليهم قبل أن يصعدوا للشقة. وقالت إن السيدة التي ظهرت معهم في صور اللقاء هي جارتهم، أما والدها فكان يتسلم عقد الشقة في ذلك التوقيت.


دخل الأسرة دولاران يومياً


"سلمى" قالت لنا إن أمها هي التي تعرف حقيقة ما حدث.. وأخبرتنا بأن والدها يعمل "أرزقياً على باب الله" - وهو تعبير شعبي يطلقه المصريون على صاحب العمل المتقطع - موضحة أنه يحصل من عمله على ما لا يزيد على 30 جنيهاً في اليوم، تأخذ منه هي وأختها 15 جنيهاً للذهاب للمدرسة، وما يتبقى تصنع منه الأم طعام الأسرة.


أحلام سلمى المعلقة


وحكت لنا سلمى أن هناك بعض الأمنيات الخاصة كانت تتمنى أن تقولها للرئيس، منها أن يحصل والدها على عمل ثابت، وأن تحصل والدتها على أي عمل أيضاً، بحيث يرتفع دخلهم إلى 200 جنيه يومياً، مشيرة إلى أن والدتها التي تبحث عن أي فرصة عمل عندما سألها الرئيس عن طلباتها قالت له: "مركز تدريب مهني وفرن عيش بداخل المدينة" فقط، ولم تخبره بأي رغبة خاصة بها.

سلمى تتمنى أن تصبح مهندسة ديكور؛ لأنها تحب الرسم جداً كما أخبرتنا، ولكن حين سألها الرئيس عن أمنيتها قالت له أتمنى أن أصبح "معلمة". سألتها: لماذا لم تقولي للرئيس أمنيتك الحقيقية فابتسمت قائلة: "لا أعرف".


سيدة المخابرات


طلبت من سلمى أن تصحبني إلى منزلهم كزائرة كي أتمكن من الدخول، فطلبت محادثة والدتها عبر الهاتف، لكن الهاتف كان مغلقاً فتحركنا في طريقنا نحو المنزل، لتظهر مفاجأة جديدة.

كانت هناك مجموعة من النسوة يجلسن بينهن امرأة أربعينية تتشح بالسواد، وترتدي ملابس رثة، ذات صوت جهوري جذبت "سلمى" قائلة لها: "أنتم هتدخلوا صحفيين تاني.. ولا علشان جبنا السيسي عندكم خلاص؟! أنا اتخصم لي يومين من مرتبي من المخابرات الحربية بسببكم".

وبدا أن عمل السيدة مع المخابرات الحربية - على حد قولها - مدعاة للتفاخر، لأنها كانت تؤكد عليه في كل كلامها لتلتفت إلى إحدى النسوة الجالسات قائلة: "معلش أصل هي شغالة معاهم وهيدوها شقة".

وتعاود السيدة تهديدها لسلمى: "مفيش صحفيين ولا قنوات من غير إذن"، فترد الطفلة التي بدأت ترتعش من الخوف.. "والله هم من كانوا يدخلوهم ولم نكن نعمل غير ما اتفقنا عليه"، لتعاود السيدة التشديد: "بلغي أمك وأبوك هذا الكلام"، مهددة أنها لن تقبل أن يخصم لها من الراتب مرة أخرى أو تتعرض للتعنيف بسببهم.
ثم علت ضحكتها فجأة وهي تقول: "أنا أصلاً رقمي راح للصحفيين على إني أمك ولي يومين أرد عليهم وأقول أنا نادية وأتكلم الكلام المفروض يقال".

(ولا تستطيع "هافينغتون بوست عربي" التأكد من صدق رواية السيدة عن عملها بالطبع، ولكن نقلنا ما قالته بدقة).

انصرفت عن حديث "سيدة المخابرات" وسألت من كن يجلسن معها هل تم نقلهن إلى الشقق الجديدة، فقلن إن الدور عليهن في المرحلة القادمة مع أنهن أحق لأنهن من أقدم سكان المنطقة، وقالت إحداهن التي تتجاوز العقد الخامس: "تراب الهدم في المنطقة قطع أنفاسنا، كان الأحسن ينقلوا السكان أولاً وبعدها يبدأوا الهدم.. صحتنا على قدها".

الشكوى من أتربة الهدم عبر عنها أيضاً شاب عشريني - رفض ذكر اسمه - قائلاً إن شجاراً حدث بين أحد السكان والمسؤولين عن هدم البيوت بسبب الأتربة، وإن السيدات المسنات لا يتحملن كل ذلك الغبار فكانت النتيجة أنه تلقى ضرباً مبرحاً من رجال الأمن، وقال: "نريد الشقق ولكن ليس بهذه بالطريقة".

الشاب الذي لم يكمل تعليمه ويعمل "أرزقياً" - يوم عمل ويوم بدون - قال: "الناس هنا غلابة لا يعرفون الأكل الذي كان أمام السيسي في التلفزيون.. أقصى إمكانياتهم 5 جنيهات للإفطار ولا أحد هنا يعرف الجبن الرومي".


"غيط العنب التي لم يرها السيسي"


سور شائك يفصل بين المشروع الذي افتتحه السيسي وتلال من القمامة، ومياه تسبح فوقها عدة عمارات تنشر رائحة كريهة، وأشلاء كلاب تم قتلها، تلك أمور لم يرها الرئيس، كما قال رجل ستيني، أصر على اصطحابنا لرؤية ما وراء المشروع ولم تتم إزالته، وقال: "الإعلام هدّ الدنيا لأجل كلب قتل كانوا شافوا الداخلية وهي تقتل أكثر من 10 كلاب خوفاً من أن يمشوا أمام موكب السيسي".

ووجه الرجل استغاثة للرئيس بإنقاذ عشرات الأسر من احتمال انهيار العمارات التي يسكنونها إذا لم يتم حل مشكلة المياه الجوفية التي تخرج من باطن الأرض.

الرجل الستيني قال لنا إن أهالي المنطقة في أغلبهم لم يتلقوا تعليماً جامعياً وأعلى شهادة حصلوا عليها هي "الدبلوم" (شهادة متوسطة)، ومعظمهم يعملون على باب الله ولا تستطيع أسرة تقديم الإفطار الذي تناوله الرئيس فهنا لا نتناول إلا "الفول والطعمية".