فيسك: "لن أنسى رؤوس الأطفال المقطوعة في قانا".. فكيف يكون بيريز صانع سلام؟!

تم النشر: تم التحديث:
SOCIAL MEDIA
Social Media

كان هناك أطفال رضع دون رؤوسهم، ورؤوس رجال مسنين دون أجسادهم. رأيت جسد رجلاً مقسوماً نصفين ومعلقاً على شجرة محترقة. ما تبقى منه كانت تلتهمه النيران.
هذه شهادة الكاتب الشهير روبورت فيسك في مقال في صحيفة الإندبندنت البريطانية الذي حضر لمكان مجزرة قانا بعد القصف الإسرائيلي.

يتساءل فيسك كيف يمكن اعتبار شيمون بيريز صانع سلام؟ هو المسؤول عن هذه المذبحة، عارضاً أدلة تؤكد أن إسرائيل كانت تعلم موقع معسكر الأمم المتحدة وأنه يأوي مدنيين، مؤكداً أنه بعدد ما ستذكر كلمة السلام في الجنازة فإنه سيتذكر قانا.

إليك نص المقال

عندما عرف العالم أن شيمون بيريز قد مات، صرخوا "ها قد مات صانع السلام!" لكن عندما عرفت أنا أن بيريز قد مات، لم أفكر سوى في الدماء والنار والمذبحة.
لقد رأيت نتائج المذبحة: أطفال رضع ممزقين، لاجئون يصرخون، وأجساد مشتعلة. كان ذلك في مكان يدعى قانا. حالياً، يقبع معظم الضحايا الـ106، ونصفهم من الأطفال، تحت معسكر الأمم المتحدة في المكان الذي مزقتهم فيه القذائف الإسرائيلية إلى أشلاء. كنت حينها في قافلة مساعدة تابعة للأمم المتحدة خارج تلك القرية الواقعة في جنوب لبنان. مرت تلك القذائف فوق رؤوسنا مباشرة وصولاً للمعسكر المزدحم باللاجئين، واستمر إطلاق القذائف سبع عشرة دقيقة.
قرر شيمون بيريز، الذي كان حينها يخوض انتخابات رئاسة الوزراء، وهو المنصب الذي ورثه بعد اغتيال سلفه إسحاق رابين، أن يزيد من أوراق اعتماده العسكرية قبل الانتخابات عن طريق الهجوم على لبنان.
واستخدم بيريز، الحاصل على جائزة نوبل للسلام مناصفة، حجة إطلاق صواريخ الكاتيوشا من الحدود اللبنانية على يد حزب الله. في الحقيقة، كانت تلك الصواريخ انتقاماً من قتل ولد لبناني صغير عن طريق مفخخة اعتُقد أن دورية إسرائيلية قد تركتها. لكن كل ذلك لم يكن مهماً.
بعد ذلك بأيام قلائل، تعرضت قوات إسرائيلية داخل لبنان لهجوم قريب من قانا وردت على ذلك بإطلاق القذائف على القرية.
ضربت القذيفة الأولى مقبرة يستخدمها حزب الله، أما باقي القذائف فقد طارت مباشرة إلى معسكر فيجاني الحربي التابع للأمم المتحدة، حيث كان مئات المدنيين يتخذونه ملجأً لهم. صرح بيريز: "لم نكن نعلم أن عدة مئات من الناس كانوا في ذلك المعسكر. لقد كان الأمر مفاجأة مرة لنا".
كان ذلك كذباً. فالإسرائيليون قد احتلوا قانا لسنوات بعد اجتياح سنة 1982، وكان بحوزتهم أفلام فيديو للمعسكر، بل كانوا قد أرسلوا طائرة دون طيار تحلق فوق المعسكر أثناء المذبحة، وهي حقيقة ظلوا ينكرونها حتى أرسل لي جندي من جنود الأمم المتحدة فيديو التقطه بنفسه للطائرة. وقد نشرنا مقاطع منها في الإندبندنت. أضف إلى ذلك أن الأمم المتحدة كانت قد أخبرت إسرائيل مراراً وتكراراً أن المعسكر مليء باللاجئين.
كانت تلك مشاركة بيريز لإحلال السلام في لبنان. وخسر الانتخابات، وربما لم يفكر بعد ذلك أبداً في قانا. لكنني لم أنسها قط.


أنهار الدماء


عندما وصلت لبوابات الأمم المتحدة، كان الدم يتدفق خلالها أنهاراً. كان بإمكاني شم رائحة تلك الدماء التي اجتاحت أحذيتنا والتصقت بها كالغراء. رأيت أرجلاً وأذرعاً.
كان هناك أطفال رضع دون رؤوسهم، ورؤوس رجال مسنين دون أجسادهم. رأيت جسد رجلاً مقسوماً نصفين ومعلقاً على شجرة محترقة. ما تبقى منه كانت تلتهمه النيران.
على سلالم الثكنة، كانت فتاة تحتضن رجلاً أبيض الشعر، واضعة يديها حول كتفه، بينما تهز جسده بين ذراعيها. كانت عينا الرجل محدقتين بها. كانت تبكي وتنتحب وهي تقول: "أبي، أبي". لو كانت تلك الفتاة لا تزال حية، ذلك أن مذبحة أخرى وقعت في قانا بعد ذلك بسنوات، هذه المرة على يد القوات الجوية الإسرائيلية، فإنني أشك أن الكلمات التي سوف تقولها هي: "صانع سلام".
قامت الأمم المتحدة بتحقيق قالت فيها بطريقة مداهنة إنها لا تصدق أن المذبحة كانت حادثة.


مجرد عرب


ووجه اتهام لتقرير الأمم المتحدة ذاك بأنه معادٍ للسامية. وبعد ذلك بوقت كثير، نشرت مجلة إسرائيلية شجاعة حواراً صحافياً مع جنود المدفعية الذين أطلقوا القذائف على قانا. وأشار أحد الضباط إلى سكان القرية بأنهم "مجرد حفنة من العرب" (عرابوشيم بالعبرية). ونقلت المجلة عن الضابط قوله: "مات بعض العرابوشيم، لا ضير في ذلك". كان كبير موظفي بيريز على نفس القدر من الاستخفاف حين قال: "لا أعرف أي قواعد أخرى للعبة، سواء للجيش الإسرائيلي أو للمدنيين..".
وسمى بيريز اجتياحه للبنان بـ"عملية عناقيد الغضب"، وهي التسمية التي، إن لم تكن مستوحاة من جون شتاينبك، فلابد أنها جاءت من سفر التثنية، الإصحاح الـ32، الذي جاء فيه: "من خارج السيف يثكل، ومن داخل الخدور المرعبة. الفتى مع الفتاة والرضيع مع الأشيب". هل يمكن أن يكون ثمة وصف أفضل لهذه الدقائق الـ17 في قانا؟
نعم، بالطبع، لقد تغير بيريز في السنوات التالية. لقد ادعوا أن آريل شارول، الذي شاهد جنوده مذبحة معسكري صابرا وشاتيلا عام 1982 على يد حلفائه المسيحيين اللبنانيين، كان أيضاً "صانع سلام" عند موته. لكنه، على الأقل، لم يتلقَ جائزة نوبل للسلام.
أصبح بيريز لاحقاً داعية لحل الدولتين، حتى عندما كانت المستعمرات اليهودية في الأراضي الفلسطينية تكبر، وهو الأمر الذي كان في وقت ما يؤيده بحماس.
الآن يتوجب علينا أن ندعوه بـ"صانع السلام". وأحصِ، لو استطعت، عدد المرات التي سوف تأتي فيها كلمة "سلام" في تأبينه خلال الأيام القليلة القادمة. ثم احسب عدد المرات التي سوف تذكر فيها كلمة قانا.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Independent البريطانية. للاطلاع على النص الأصلي، اضغط هنا.