قتل أكثر من 10 ملايين إفريقي.. المسكوت عنه في تاريخ "هتلر بلجيكا"

تم النشر: تم التحديث:
LEOPOLD II
other

ليوبلد الثاني هو الابن الأكبر للملك ليوبولد الأول، أول ملوك بلجيكا، ووالدته هي ثاني زوجات الملك ليوبولد الأول ماري لويز من أورليانز. بدء خدمته في الجيش البلجيكي عام 1846، وفي عام 1853 تزوج بماريا هينريتا ابنة الأرشيدوق النمساوي، وأصبح ملك بلجيكا بعد وفاة والده في ديسمبر/كانون الأول 1865.

معظمنا لم يسمع عن هذا الملك في المدرسة ولا حتى في وسائل الإعلام فلا يتكرر ذكر هذا الرجل على مسامعنا كما يتكرر ذكر هتلر ومحرقته أثناء الحرب العالمية الثانية وموسليني وغيرهم، رغم فترة حكم هذا الملك التي كانت 23 سنة بمثابة تاريخ طويل من الرقّ والإمبريالية والعبودية والإبادة الجماعية في إفريقيا.

في البداية حاول ليوبلد الثاني استعمار أجزاء من آسيا وإفريقيا لكنه فشل. وكان هدفه التالي دولة الكونغو التي كانت مساحتها في ذلك الوقت تبلغ ضعف مساحة بلجيكا 72 مرة، وقام بحكمها بين عامي 1885 إلى 1909.

وكانت أرض الكونغو مليئة بالثروات الطبيعية خاصة المطاط، فكانت مطمعاً لذلك الملك الظالم، فمعظمها يشمل الغابات المطيرة والسافانا وأيضاً التلال البركانية والجبال المغطاة بالجليد التي كانت أحياناً أكثر ارتفاعاً من جبال الألب نفسها.


جمعية خيرية للاستعباد


أنشأ الملك ليوبلد الثاني عام 1876 منظمة خيرية تسمى المنظمة الإفريقية الدولية، لتقوم بتغطية جرائمه البشعة، فكانت هذه الجمعية في حقيقة الأمر وسيلة لاستعباد الناس وإثراء ليوبلد الثاني، لكن الهدف المعلن للناس هو الأعمال الخيرية ونشر الديانة المسيحية، ووقف تجارة الرقيق.

وتمكن الملك البلجيكي ليوبولد من الحصول على اعتراف من زعماء أوروبا بحقه الشخصي في ملكية الكونغو سنة 1885 في العاصمة الألمانية برلين.

وقام هذا الملك المستبد طوال فترة حكمه باستعباد شعب الكونغو وعامله معاملة الرقيق، فالكل يعمل لديه ويضع ثروات بلاده بين يدي هذا الملك الظالم الذي قتلهم وشردهم وعذبهم وشوّه أجسادهم واغتصب نساءهم وعاملهم معاملة الرقيق.

وعندما صار المطاط يمثل احتياجاً عالمياً لصناعة إطارات السيارات قرر ليوبلد أن يبني ثروة طائلة فقام بتعبئة شعب الكونغو وإرساله للغابات للحصول على المطاط من خلال لصق عصارة المطاط بأجسامهم، ثم بعد ذلك ينتزع المطاط من أجسامهم وقد ينتزع معه اللحم والشعر أيضاً، فكان العمل شديد الضرر بصحتهم.

وكان إذا فشل أهل القرى في إنتاج كمية المطاط المطلوبة منهم يؤخذ من أهلها رهائن، ويتم قتلهم بالإضافة لعمليات النهب والاغتصاب وقطع الأيادي والأعضاء التناسلية وأسر الأطفال، أو جلدهم بسوط كان يستخدمه الفرنسيون في ذلك العصر ورجال ليوبلد، فكانت 20 جلدة منه تكفي لفقدان الوعي و100 جلدة منه قد تسبب الموت.

وفي فترة معينة أصبح ليوبلد الثاني الرجل الأغنى في العالم بثروة تتراوح بين 100 مليون و500 مليون دولار، وبعد موته تم تسليم معظم ثروته للحكومة البلجيكية ولم يحصد هذا الظالم شيئاً من جرائمه البشعة ورحل عن عالمنا دون دولار واحد.

وعندما بدأت أفعال ليوبلد الثاني تصل إلى مسامع بريطانيا وأميركا وأوروبا خصوصاً بين عامين (1900 إلى 1908) كانت تقابل بالاستنكار الشديد، رغم أن هذه الدول في ذلك الوقت كانت ترتكب جرائم ضد الأفارقة في أماكن أخرى من القارة.

كانت بريطانيا ترتكب المذابح في السكان الأصليين في أستراليا وكانت الولايات المتحدة ترتكب الجرائم ضد الأميركيين الأصليين والفلبينيين، وكانت أنظمة العمل القسري لاستخراج المطاط لا تتم فقط في الكونغو، ولكن كانت البرتغال تفعل ذلك مع الأفارقة أثناء حكمها لأنغولا وألمانيا، وكانت تفعل هذا مع الأفارقة المساكين في الكاميرون. ولكن رغم ذلك أدان العديد من الأوروبيين علناً الملك ليوبولد والحكومة البلجيكية.

جدير بالذكر أن ليوبلد الثاني ارتكب كل هذه الجرائم والبشاعات دون أن تطأ قدمه أرض الكونغو.

وهناك رواية تدعى "رواية الظلام" لجوزيف كونراد، صدرت عام 1899، تتحدث عن فظاعة نظام ليوبلد الثاني وجرائمه، وفي عام 1909 أصدر السير آرثر كونان دويل كتاباً باسم "جريمة الكونغو" قام فيه بتسليط الضوء على محنة الكونغوليين وفي عام 1905.

وكتب مارك توين، الكاتب الأميركي الساخر الشهير، نصًا طويلاً بعنوان "ليوبولد يناجي نفسه – الدفاع عن حكمه للكونغو"، هاجم فيه أفعال ملك بلجيكا وما يقوم به من ظلم ودمار وسخر من ادعاءاته الكاذبة وأعماله الخيرية التي يتحدث عنها.

وقد كان سكان القبائل في الكونغو لا يستطيعون القراءة والكتابة. خدعهم ليوبولد ليوقعوا عقدًا يقول:

"في مقابل قطعة واحدة من الملابس في الشهر، تُقدم إلى كل من زعماء القبائل الموقعين أدناه، بالإضافة إلى هدية من الملابس لكلٍ منهم، يتخلى زعماء القبائل طوعًا ومن تلقاء أنفسهم، وورثتهم وخلفائهم للأبد… عن كافة حقوقهم في جميع أراضيهم إلى «الجمعية» (بزعامة ليوبولد)… ويلتزمون بتوفير ما يُطلب منهم من عمالة، أو غير ذلك من الأعمال أو الإصلاحات أو الحملات العسكرية التي تعلنها «الجمعية» في أي وقت، وفي أي جزء من هذه الأراضي… كل الطرق والممرات المائية التي تمر في هذا البلد، والحق في تحصيل الرسوم عنها، وجميع حقوق صيد الحيوانات والأسماك، والتعدين، والغابات، تكون ملكيةً مطلقةً للجمعية".



leopold ii


10 ضحايا بالملايين


واستخدم مرتزقة سماهم "القوة العامة" وكانوا يتلقون الأوامر ممن فوقهم من الضباط أصحاب اللون الأبيض، وكان معظمهم من أكلة لحوم البشر في القبائل أو من الأطفال الذين تم أسرهم عندما كانوا أطفالاً أثناء الغارات التي كان يتم شنها على القرى.

كان الهدف من هؤلاء مراقبة "العبيد" خلال العمل، كانت عقوبة التهاون في العمل قاسية، في حالة عدم الحصول على الحصة اليومية كانوا يضربون "العبيد" بالسياط، أحيانًا حتى الموت، أو يقطعون أيديهم تمامًا، وهناك من ماتوا بسبب إنهاك العمل لساعات طويلة دون طعام أو ماء.

وكان جنوده يجبرون الرجال على الانتقال إلى الغابات ليجمعوا عُصارة المطاط، وحين يُستهلك الشجر تمامًا في مكان ما كانوا يُجبرون على الابتعاد أكثر وسط الغابات.

قال أحد الجنود من القوة العامة: "الضابط أمرنا بقطع رؤوس الرجال وتعليق المشانق لهم وكذلك قطع الأعضاء الجنسية، وشنق النساء والأطفال".

ومن كان يرفض من الرجال يتم اختطاف زوجته وفي بعض الأحيان قتلها، وكانت النساء تتعرضن للاغتصاب والاحتجاز كرهائن لإجبار أزواجهن على العمل، وفي بعض الأحيان كانت نهايتهن الموت بسبب الجوع.

وانتشرت المجاعات بشدة في أرض الكونغو، فلم يكن يوفر لهم هذا الملك الطعام، وانتشرت الأمراض والأوبئة الخطيرة كالسل والجدري وأمراض الرئة.

وفي ظل كل هذا التعذيب فقد حوالي 10 ملايين إفريقي حياتهم وسط هذا التعذيب والجوع والتشريد، ولابد أن هذا أثر بشدة على نسبة سكان الكونغنو في ذلك الوقت ففي الفترة بين عامي 1880 ـ 1920 انخفض عدد سكان الكنغو بمقدار النصف.

قبل وفاته ليوبلد الثاني بعام واحد في عام 1908، قام ببيع مستعمرته هذه للدولة البلجيكية التي ظلت تحكمها بشكل لا يقل عن ما كان يحدث في عهد ليوبولد. وحدث الاستقلال عام 1960 ولكن ظلت الكونغو تشهد صراعات وتوترات مخيفة زمناً طويلاً بعد وفاة ليوبلد الثاني، ولكن بالتأكيد ليس كما فعل هذا الرجل في دولة الكونغو وشعبها.