قصَّة الفرمان العثماني الذي أنقذ "طابا" من أيدي إسرائيل.. كيف استعادت مصر آخر أراضيها المحتلة؟

تم النشر: تم التحديث:
TABA
سوشيال

"بعد رفع العلم إعلاناً عن استعادة مصر لطابا، اغرورقت عيناي بالدموع، وأنا أنظر إلى الوراء وأتذكر المشاكل والمتاعب التي مررت بها خلال السنوات السابقة، وقفنا جميعاً بانتظار أن يتكرم الرئيس حسني مبارك، بتحيتنا وشكرنا ولكن بعد أن حيا سيادته بعض الشخصيات غادر الاحتفال، وعدنا بعد ذلك إلى القاهرة، بعد إسدال الستار على قضية طابا".

هكذا جاءت شهادة الدبلوماسي المصري نبيل العربي الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية في مذكراته حول مفاوضات استعادة طابا، في كتابه المعروف "طابا.. كامب ديفيد.. الجدار العازل: صراع الدبلوماسية من مجلس الأمن إلى المحكمة الدولية".

كان ذلك في مثل هذا اليوم قبل 28 عاماً، بالتحديد فى 29 سبتمبر 1988، وهو اليوم الذي تحتفي فيه مصر بانتصارها في النزاع القانوني مع إسرائيل على مدينة "طابا"، بصدور قرار من هيئة التحكيم فى جنيف بسويسرا، بأحقية مصر في ممارسة سيادتها بشكل كامل على أراضيها، لينتهى بذلك النزاع الذى بدأ عام 1981م.


معركة بلا دماء


وتشكل طابا نموذجاً لانتصار عربي دبلوماسي بحت اعتماداً على حسن التعامل مع الوثائق القانونية والتاريخية والتي كان للأرشيف العثماني نصيب منها.

واعتمدت لجنة الدفاع المصرية التي ترأسها الدكتور"نبيل العربي"على الوثائق الدبلوماسية والقانونية والمخطوطات النادرة والخرائط العثمانية والإنجليزية لإثبات حق مصر في طابا، ومثلت الوثائق 61% من الأدلة المادية التي قدمها فريق التفاوض المصري، والتي كان من أهمها وثائق عرفت باسم "أزمة الفرمان العثماني".

وفي مذكراته كتب نبيل العربي أن الجهود القانونية لاسترداد طابا لم تقتصر على تجميع الخرائط والمستندات السليمة، والحجج القانونية، ولكنها ارتبطت باستغلال جميع الموارد البشرية المتاحة، لتقديم ملف مصري مُحكم الصياغة، ومدعم بالأدلة الكاملة التي تمكنت من تفنيد الحجج الإسرائيلية، والمحاولات الأميركية لاختراق عمل المحكمة الدولية.

في المقابل قدم الجانب الإسرائيلي عروضاً سياسية توفيقية رفضتها مصر على الفور، مثل أن تشترك إسرائيل مع مصر في إقامة مشروعات اقتصادية وسياحية وطبية في المنطقة، حتى انتهت المعركة بانتصار المرافعة المصرية، واستعادة طابا من الاحتلال الثاني.


"طابا".. بين العثمانيين والإنجليز


يقول الدكتور وجيه عبد الصادق، أستاذ التاريخ المعاصر بكلية الآداب جامعة القاهرة، لـ" هافينغتون بوست عربي": إن ما يُعرف بـ"أزمة الفرمان" عام 1906 سببها أن الدولة العثماني كان لديها رغبة في اقتطاع جزء من أرض سيناء، ورسم حدود مصر من جديد، لذلك حركت قواتها من العقبة حتى طابا، مما أزعج قوات الاحتلال البريطاني في مصر.

وأضاف عبد الصادق: "أن بريطانيا اعتبرت التدخل العثماني في سيناء خطراً على نفوذها في المنطقة، بعد أن قام العثمانيون بإزالة علامات الحدود في رفح، مما أحدث حالة من التوتر بينهما، وضغطت بريطانيا بقوة على السلطان العثماني من أجل الحصول على فرمان بأحقية مصر في طابا وباقي المدن التي دخلها العثمانيون.

وتابع قائلاً: "وفي عام 1906 صدر فرمان من السلطان العثماني (عبد الحميد الثاني) لينتهي بذلك صراع استمر بين شهري يناير/كانون الثاني ومايو/أيار من العام ذاته".

ويقول المؤرخ المصري الدكتور يونان لبيب رزق في كتاب"طابا قضية العصر": إن تعليم خط الحدود، استغرق خمسة أشهر من عام 1906 "يونيو/حزيران-أكتوبر/تشرين الأول".


أصل النزاع


بعدما توفي الخديوي توفيق، الحاكم الذي دخل الاحتلال الإنجليزي في عهده (عام 1882) إلى مصر، كان يتعين على الباب العالي (السلطنة العثمانية) أن يصدر فرماناً بتولي ابن الخديوي توفيق "عباس حلمي الثاني" عرش مصر، وقد صدر بالفعل عام 1892، ومع بداية توليه للحكم بدأت أزمة الحدود المصرية تشتعل.

فقد أصدر السلطان العثماني"عبد الحميد الثاني" فرماناً يحرم مصر من أي وجود على خليج العقبة مما أثار قضية عرفت باسم "أزمة الفرمان" والتي انتهت بتراجع الباب العالي وبالاتفاق على حدود واضحة لمصر من الشرق تقع من نقطة شرق العريش أو رفح إلى نقطة تقع على رأس خليج العقبة، عام 1906.

وكان السلطان عبد الحميد الثاني يهدف من ذلك لتحجيم وجود الاحتلال الإنجليزي في أراضي الدولة العثمانية (مصر كانت تابعة رسمياً للدولة العثمانية ولكن خاضعة للاحتلال الإنجليزي)، بالإضافة إلى تأمين طرق الحج بين مصر والحجاز.

في 1922، أصبحت مصر دولة مستقلة ذات سيادة عقب ما يعرف بتصريح 28 فبراير/شباط، الذي أعلنته إنجلترا وفيه أعطيت الحدود المصرية طابعاً دولياً، كما أن الانتداب البريطاني عزز تلك الحدود برسم ما يُعرف بـ"الحد الفاصل" بين مصر وفلسطين.

وفي 1956 وبعد خروج العدوان الثلاثي الذي شنته إنجلترا وفرنسا وإسرائيل، على مصر تم توقيع اتفاقيات للهدنة بين مصر وإسرائيل ووافقت إسرائيل على خط الهدنة الذي حدد خارج أراضي طابا والجزء المطل على البحر.

وفي 5 يونيو 1967، احتلت إسرائيل كل سيناء بما فيها طابا وبعد حرب 6 أكتوبر 1973 وانتصار مصر فيها وبعد مباحثات السلام بين مصر وإسرائيل، وفي 1979 وقع الرئيس السادات معاهدة “كامب ديفيد” التي تطالب إسرائيل بالخروج من كل سيناء.

وفي 25 أبريل 1982 خرجت إسرائيل من كل سيناء ما عدا “طابا”، حيث جاء أول إعلان عن مشكلة طابا في مارس 1982 قبل شهر واحد من إتمام الانسحاب الإسرائيلي من سيناء، عندما أعلن رئيس الجانب العسكري المصري في اللجنة المصرية الإسرائيلية أن هناك خلافاً جذرياً حول بعض النقاط الحدودية خاصة العلامة 91، وحرصاً من مصر على إتمام الانسحاب الإسرائيلي، اتفق الجانبان على تأجيل الانسحاب من طابا وحل النزاع طبقًا لقواعد القانون الدولي وبنود اتفاقية السلام، تحديدًا “المادة السابعة” والتي تنص على أن تحل الخلافات بشأن تطبيق أو تفسير المعاهدة عن طريق المفاوضات، وإذا لم يتيسر حل الخلاف يتجه للتوفيق أو التحكيم.

وظلت إسرائيل تماطل في عملية التفاوض والتحكيم لمدة أربع سنوات، إلى أن وافقت في نهاية الأمر وبعد الضغط من الجانب المصري ووافقت على التحكيم في يناير عام 1986، ودخل الجانبان في مفاوضات لصياغة مشارطة التحكيم، إلى أن خرجت منها بعد جولات من المباحثات والتحكيم الدولي وتم جلاء الإسرائيليين عنها في 19 مارس/آذار 1989، وقام الرئيس الأسبق “حسني مبارك” برفع العلم عليها، واعتبر هذا اليوم “عيد تحرير طابا”


في ذاكرة السلطان العثماني


يقول السلطاني عبد الحميد الثاني في كتاب"مذكرات السلطان عبد الحميد": "عندما علمت أن إنجلترا تريد السيطرة على المدخل الشمالي الشرقي للبحر الأحمر، أرسلت فرقة من الجنود الأتراك للسيطرة على منطقة طابا وإخلائها من الضباط المصريين (الخاضعين وقتها لسلطة الاحتلال البريطاني)، ليفاجأ الإنجليز بالأمر الواقع".

وعن الفرمان الخاص برسم الحدود، قال السلطان في مذكراته: "إن إنجلترا قدمت للباب العالي إنذاراً باحتلال العقبة وطابا في مدة 10 أيام إذا لم تنسحب القوات العثمانية منها.

وقالت بريطانيا في إنذارها: إن من حقها الدخول في حرب مع الدولة العثمانية إذا لم يحدث صدى إيجابي للإنذار"، حيث رد الخليفة العثماني عليهم قائلًا: "إن مصر جزء من الدولة العثمانية رسميًا، وليس لإنجلترا حق فيما تريد" متابعًا: "إن مشاكل الحدود المصرية العثمانية لا يحلها إلا ضباط من مصر والدولة العثمانية"وهذا ما حدث في الأول من أكتوبر 1906، وعينت الحدود بتحديد خط إداري فاصل بين ولاية الحجاز ومتصرفية القدس وشبه جزيرة سيناء جعل كل شبه جزيرة سيناء ملكاً لمصر بما في ذلك طابا.

alatfaqyh


نص اتفاق تعيين الحدود بين مصر والدولة العثمانية 1906


هذه الوثيقة تم توقيعها وتبادلها فى رفح في 13 شعبان 1324، 18 سبتمبر 1322، الأول من أكتوبر 1906، بين مفوضية السلطان التركي والخديوي المصرى، بشأن تعديل الحدود والفصل فى السلطات بين حكومة الحجاز وحكومة القدس وشبه جزيرة سيناء، وذلك بحضور الأدميرالاي أحمد منزافور بك، والبكباشي محمد فهيم بك، كممثلين عن السلطنة العثمانية، والأمير اللواء إبراهيم فتحي باشا والأدميرالاي أر سي أر أوين كمندوبين عن الخديوي المصري، وقد اتفق الطرفان على الفصل بين حدود الحجاز ومصر على النحو التالي:

1-الفصل بين الحدود الإدارية كما يتضح على الخريطة المرفقة مع هذا الاتفاق، الذى يبدأ في رأس طابا إلى غرب الساحل فى خليج العقبة ويمتد بطول الخط الشرقي في وادي طابا وحتى أعلى جبل فوبت.

2-الخط الفاصل المذكور في البند الأول يتم رسمه على هيئة خط أسود متقطع على الخريطة ذات النسختين المرفقة مع الاتفاق، ويتم تبادلها بين الطرفين بالتساوي مع الاتفاق.

3- الحدود سيتم إقرارها في وجود اللجنة المشتركة على النقط الموضحة على طول الخط الفاصل بداية من النقطة الموجودة على شاطئ البحر المتوسط إلى النقطة الموجودة في خليج العقبة.

4-هذه الحدود ستكون خاضعة إلى حماية كل من السلطنة العثمانية والخديوية المصرية.

5-في حالة الحاجة إلى تجديد هذه الحدود في المستقبل أو زيادتها، فإن كل طرف سيكون عليه أن يرسل ممثلاً لخدمة هذا الغرض، على أن يتم وضع الحدود الجديدة بخطوط فاصلة يتم رسمها على الخريطة.

6-جميع الرحلات التي تتم من الجانبين يحقُّ لأفرادها الاستفادة من المياه هناك، ويجب احترام حقهم في ذلك، كما سيتم وضع الضمانات الضرورية لمرور الرحلات العربية من البلاد المذكورة أعلاه، إضافة إلى حق الجنود الأتراك والسكان الأصليين وحراس الدرك ممن يحق لهم الاستفادة من المياه أيضاً.

7-القوات التركية المسلحة وحراس الدرك لن يتم السماح لهم بالعبور إلى غرب الخط الفاصل.

8-السكان الأصليون والعرب من الجانبين سيتمتعون بحقوقهم نفسها في ملكية المياه والحقول والأراضي الموجودة على الجانبين كما يحدد الوضع الرسمي.