تخفيض رواتب الوزراء.. مظهرٌ لأزمةٍ سعودية مزمنة أم بدايةٌ لإصلاحٍ حقيقي؟

تم النشر: تم التحديث:
SHSB
sm

أصدرت الحكومة السعودية يوم الإثنين 26 سبتمبر/أيلول 2016 أوامر ملكية تقضي بخفض رواتب الوزراء بنحو 20%، بالإضافة إلى تخفيض قيمة المكافأة والإعانات الممنوحة لأعضاء مجلس الشورى.

وطالت القرارات الموظفين السعوديين في الدوائر الحكومية، وتضمنت تعديلات حول نظام الإجازات والمكافآت والبدلات

غير أن هذه الخطوة أثارت جدلاً على الشبكات الاجتماعية، حيث أطلق المغردون هاشتاغ #الراتب_مايكفي_الحاجة من جديد، والذي تصدر الترند السعودي، منذ الساعات الأولى من إصدار القرار، حيث رفض بعضهم قرارات خفض الرواتب، فيما أكد البعض أن الدولة السعودية "تهمها مصلحة المواطن".


كلنا اليوم عيال سلمان


كما دشَّن السعوديون هاشتاغاً آخر "#كلنا_اليوم_عيال_الملك_سلمان " معبّرين عن "تفهُّمهم للظروف الاقتصادية التي تمرُّ بها السعودية".


تقنين النفقات وتقليص الدعم الحكومي


القرارات طرحت تساؤلات؛ هل تمرُّ المملكة بأزمة اقتصادية قد تستمر طويلاً أم أن هذه الخطوات بداية لإصلاح مالي حقيقي؟

رأى المحلل الاقتصادي خالد الربيش أن القرارات الصادرة ما هي إلا تقنين للنفقات وتقليص للدعم الحكومي المباشر لعدد من القطاعات، إذ إنها تأتي تأكيداً لبيان وزارة المالية الخاص بموازنة العام المالي 2017، الذي تحدث عن تقليل من حجم الإنفاق في الباب الأول للميزانية (الخاص برواتب ومكافآت موظفي الدولة) البالغة 450 ملياراً والتي تشكل 50٪ من حجم المصروفات، وهذه القرارات هي ترجمة لهذا التوجه.


تراجع أسعار النفط


وأكد الربيش في حديثه لـ"هافينغتون بوست عربي" أن تراجع أسعار النفط يعد السبب الأول في خطوات تقليص النفقات، وكذلك رؤية المملكة 2030 التي تستهدف تقليص الاعتماد على النفط كدخل قومي، وتقوم على سن عدد من الرسوم في قطاع الخدمات والأراضي البيضاء.

ويرى الربيش بأن السعودية تعمل على إعادة هيكلة القطاعات الحكومية، ورفع إنتاجية القطاع الخاص كونه المستوعب الأول للتوظيف للجنسين، كما يعتقد أن جميع المراقبين والمؤسسات الدولية المتخصصة مطمئنة لهذه التوجهات، خاصة وأن الركود الاقتصادي واضح في عموم المشهد العالمي.


اللجوء للاحتياطات النقدية


واتفق العضو في الجمعية الاقتصادية السعودية عاصم سعيد مع زميله الربيش، إذ يرى بأن الهبوط الأخير في أسعار النفط منتصف عام 2014م ، واستمرار الأسعار تحت مستويات 50 دولاراً للبرميل لفترة طويلة، جعل المملكة العربية السعودية تضطر إلى اللجوء إلى احتياطاتها النقدية ولذلك لدعم النمو الاقتصادي والذي تباطأ إلى 1.5% وهو الأسوأ في عشر سنوات وذلك بحسب بيانات مؤسسة بلومبرج.

وأوضح سعيد لـ "هافينغتون بوست عربي" أن إعلان الميزانية العامة للدولة لعام 2015 أظهر الحجم الحقيقي للأزمة التي يمر بها الاقتصاد المحلي حيث سجلت الدولة عجزاً قدره 367 مليار ريال، وتوقعت المالية أن يكون العجز للعام المالي الحالي 2016 بقيمة 326 مليار ريال، نظراً لأن إيرادات الدولة التقديرية ستكون منخفضة بسبب انخفاض أسعار النفط لتسجل 514 مليار ريال مقابل المصروفات التقديرية البالغة 840 مليار ريال.


السعودية لا تمرّ بأزمة مالية


إلا أن مدير الاستثمار أحمد الرشيد يخالف هذا الرأي حيث يؤكد بأن السعودية لا تمر بأزمة مالية، وذلك لوجود تدفقات نقدية مستمرة جراء بيع النفط، والذي يولد كذلك عملات أجنبية تدعم المركز المالي للمملكة.

وأوضح الرشيد أن السعودية تمتلك ثالث أكبر احتياطي نقدي أجنبي بعد الصين واليابان، وترتكز الميزانية العامة للحكومة على الإيرادات النفطية، والتي تعد أهم سلعة في العالم ولايزال الطلب عليها مستمراً، إلا أن الأسعار تقل عن السنوات الماضية وذلك لظروف الاقتصاد العالمي وعوامل أخرى.


أين تتجه أسعار النفط؟


ويقول الرشيد لا يمكن التأكد من مسار أسعار النفط في المستقبل، حيث تشير بعض التوقعات إلى إمكانية ارتفاعها، نظراً لانخفاض الاستثمار في قطاع التنقيب عن النفط والذي سيؤثر بشكل سلبي على المعروض في النفط في الأعوام القليلة القادمة، مما سيجعل هناك عجزاً في تلبية الطلب، وسينعكس هذا على الأسعار بالارتفاع.

وفي المقابل البعض يتوقع استمرار الأسعار المنخفضة خاصة مع عودة الإنتاج من الدول المصدرة للنفط، والتي تعاني من توتر سياسي مثل العراق وليبيا".


التحديات المالية


ورأى الرشيد أن السعودية لديها خبرة طويلة في مواجهة التحديات المالية، مستعرضاً الفترة 1983-2002 والتي عانت بها الميزانية العامة من عجز مستمر حتى بلغ حجم الدين العام مستوى يعادل الناتج المحلي، وبالرغم من ذلك استطاع الناتج المحلي النمو في فترة العجز وبدأ بالنمو في 1989م.

واعتبر الرشيد أن الوضع المالي للسعودية أفضل بمراحل من تلك الفترة، حيث أن حجم الدين العام لا يزال ضمن الأقل في العالم، بالإضافة إلى أن السعودية تمتلك احتياطيات مالية توازي حجم الاقتصاد تقريباً، بجانب تمتعها بتصنيف ائتماني مرتفع، مشيراً إلى أن تلك العوامل تجعل الخيارات الحكومية السعودية متعددة لمواجهة التحديات المالية الواسعة، ولجأت المملكة للمزج بين اللجوء للدين المحلي والاحتياطي النقدي في سد العجز.

إلا أن زيادة طرح سندات حكومية في السوق المحلي رفع الفائدة بين البنوك، مما جعل مؤسسة النقد السعودي "ساما" تتدخل بإجراءات تحد من استمرار ارتفاعه، وفي ذات الوقت تستعد لطرح سندات لمستثمرين أجانب لتخفيف الضغوط على النقد المحلي.


المؤشرات النقدية لا تشير إلى وجود أزمة


ويؤكد الرشيد أن المؤشرات النقدية والاقتصادية لا تشير إلى أزمة، حيث لا يزال الائتمان المصرفي في نمو مستمر، والطلب الحكومي على النقد لم يؤثر على الائتمان المصرفي الممنوح للقطاع الخاص والذي يستأثر بالحصة الأكبر من تمويل المصارف ومستمر في النمو.

ويقول: "الناتج المحلي ارتفع في الربع الأول 1.5% وتتوقع مؤسسة النقد أن ينمو الناتج المحلي غير النفطي للقطاع الخاص خلال هذا العام 2.8%. النظام المصرفي لا يزال قوياً حيث الديون المتعثرة عند 1.3% وتمت تغطيتها بأكثر من 100%، كما أجرت مؤسسة النقد (البنك المركزي السعودي) اختبارات جهد، وفي أسوأ سيناريو والذي يفترض انخفاض الانفاق الحكومي 20%و10%و5% خلال الأعوام 2016 و2017 و2018 على التوالي، وارتفاع الفائدة بين البنوك 100% وتراجع المؤشر العام 10% أظهرت النتيجة أن الديون المتعثرة سترتفع 3% وتغطيتها 100%".


القرارات الأخيرة تحقق رؤية 2030


أوضح أن الإجراءات التي تم اتخاذها 26 سبتمبر/أيلول 2016 تأتي ضمن المخطط له منذ مطلع عام 2016 ،حيث جاء في بيان الميزانية العامة الأخير ضرورة الحد من النفقات الجارية وتمثل الرواتب والأجور والبدلات أكثر من 50% من الميزانية العامة. وتخفيض نسبتها من الميزانية مهم لضمان استمرارية الحكومة في الايفاء بالتزاماتها، وبعض تلك الإجراءات التي تحد من الإنفاق مؤقتاً.

ويقول "تلك الإجراءات وغيرها من تعديل الدعم وإعادة النظر في الرسوم وتطبيق رسوم جديدة تأتي ضمن المخطط والمعلن عنه في بيان الميزانية العامة المنشور في مطلع عام 2016 ، كما أن المرحلة الحالية تعد إعادة هيكلة، لضمان استدامة نمو الاقتصاد في المستقبل وتحقيق الرؤية 2030 والتي تتضمن عدة أهداف من بينها رفع الناتج المحلي ومستوى دخل الفرد، بمعنى أن مستوى الدخول سوف يتحسن في المستقبل".

وعن تأثيرات الحرب التي تخوضها السعودية ضمن قوات التحالف في اليمن، يقول الرشيد "السعودية تمارس دوراً مسانداً للحكومة الشرعية اليمنية والقوات العسكرية التابعة لها.
وتابع قائلاً "وبحسب ما أعلن عنه، لا تمثل نفقات الحرب نسبة مؤثرة في الميزانية، وبالتالي تمتلك المملكة القدرة على مواصلة عملياتها العسكرية حتى تعود السيطرة للحكومة الشرعية في اليمن على كافة أراضيها".