ريتشارد كوهين: بيكاسو لو كان على قيد الحياة لرسم لوحةً لحلب وعلَّقها على البيت الأبيض

تم النشر: تم التحديث:
ALEPPO
KARAM AL-MASRI via Getty Images

شبَّه كاتب أميركي أن ما يحدث في مدينة حلب السورية من قصف بالطائرات وإلقاء للبراميل المتفجرة من قبل قوات نظام بشار الأسد وبمساعدة روسيا بالعمليات العسكرية التدميرية التي كانت تقوم بها ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية ضد الإسبان في الحرب العالمية الثانية.

ريشارد كوهين الكاتب في صحيفة الواشنطن بوست اعتبر أن الفنان الإسباني بيكاسو لو كان على قيد الحياة لقام برسم لوحة للمشاهد المروعة التي تتعرض لها المدينة السورية ولقام بتعليقها على جدران البيت الأبيض في إشارة إلى تخاذل الإدارة الأميركية تجاه ما يحدث في سوريا.

وقال كوهين في مقال له بصحيفة واشنطن بوست إن الرئيس الأميركي باراك أوباما زعم أن عدم القيام بأي حروب في ظل حكمه يعد عملاً طيباً. ولكن عدم المواجهة بحسب رأي كوهين لا يعد عملاً طيباً، بل سياسة في حد ذاته، وفي هذه الحالة تسمح بخلق محور جديد للشر يتمثل في روسيا وإيران وسوريا في ظل حكم بشار الأسد.


وإلى نص المقال


في أبريل/نيسان 1937، اختارت ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية أحد الأيام التي تزدحم بها الأسواق لقصف مدينة الباسك، وهي المرة الأولى التي تم خلالها استهداف سكان مدنيين بصفة متعمدة. وسرعان ما جاء رد فعل المواطن الإسباني بابلو بيكاسو الذي وصف المشاهد المروعة في جداريته المعروفة باسم مدينة "جيرنيكا".

وقد انتهى من تلك الجدارية خلال شهر يونيو/حزيران. ولو كان على قيد الحياة حتى يومنا هذا، لرغب في رسم جدارية تدعى "حلب" وتعليقها خارج البيت الأبيض.

حلب ليست مدينة تسوق في الأساس، بل كانت المدينة الرئيسية في سوريا ومركزاً تجارياً قديماً ومركزاً عالمياً لتجمع قوافل الجمال. وقد تمت تسويتها بالأرض حالياً جراء عمليات القصف والاستخدام المتواصل للأسلحة الكيماوية والقنابل الخارقة للتحصينات التي تستهدف الجرحى. وقد تم أيضاً استهداف سيارات الإسعاف وعمال الإغاثة. وعلى غرار جيرنيكا، يتعلم العالم من حلب درساً يبدو أنه ينساه دائماً.

يخبر الرئيس الأميركي باراك أوباما الصحفيين بحزنه على سوريا، ولكن ذلك لا يعوض الضحايا ولم يحرك الروس أو الحكومة السورية لوقف عمليات القصف. ويناشد وزير الخارجية الأميركي جون كيري الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بوقف الأعمال العدائية ويقدم له باقة من الزهور، ويتلقى بوتين الباقة ويواصل عمليات القصف. وعلى النقيض من أوباما، يعرف بوتين ما يريد؛ فهو لا يريد سوى الفوز، وفق تقرير نشرته صحيفة واشنطن بوست الأميركية، الإثنين 26 سبتمبر/أيلول 2016.

هذا ليس إخفاقاً من جانب كيري، بل من جانب أوباما، فهو يزهو بكونه على النقيض من جورج بوش. أوباما هو الرئيس الذي لم يقدنا إلى أي حروب لا ضرورة لها، على غرار حرب العراق. وكانت التبعات على سوريا خطيرة، فقد قُتل أكبر من 500 ألف شخص، بينما تحول نحو سبعة ملايين إلى لاجئين داخل البلاد، وفر ملايين إلى أوروبا. ثم تغيرت السياسة الأوروبية، حيث واجهت أنغيلا ميركل المتاعب وخرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وواجهت المجر وبولندا ماضيهما المخزي، وهناك خسائر أخرى نجمت عن هذه الحرب تتمثل في المفهوم الذي كان سائداً بأن الولايات المتحدة لن تقبل بقتل الأبرياء على مثل هذا النطاق الواسع.

ومع ذلك، زعم أوباما أن عدم القيام بأي شيء يعد عملاً طيباً، فقد تم إنقاذ الأرواح وتجنب الحروب. ولكن عدم المواجهة لا يعد عملاً طيباً، بل سياسة في حد ذاته، وفي هذه الحالة تسمح بخلق محور جديد للشر يتمثل في روسيا وإيران وسوريا في ظل حكم بشار الأسد.

ومن ثم، تصبح حلب بمثابة مذبحة مثل جيرنيكو. وتعد رمزاً للضعف الأميركي. فبوتين الذي يقصف سوريا هو نفسه الذي سرق البريد الإلكتروني الأميركي وأقحم نفسه بالانتخابات الأميركية واحتفظ بشبه جزيرة القرم وجزء من أوكرانيا وقد يقرر غداً أن جزر البلطيق التي كانت تتبع الاتحاد السوفيتي ذات يوم بحاجة إلى التحرر. فقد كان يصف أوباما منذ عهد طويل بكونه عقلاً مدبراً بدون أي عضلات.

ففي مختلف أنحاء العالم، استهان الكثيرون بالقوة الأميركية. وأطلق الرئيس الفلبيني على أوباما لقب "ابن العاهرة"، وبدلاً من إرسال أسطوله البحري، قام أوباما بإلغاء الاجتماع. وتقوم الصين ببناء جزر صناعية بالمحيط الهادي وتزعم ملكية خطوط شحن لا يمتلكها أحد، وتقترب إحدى السفن الأميركية من حين لآخر، ولكنها لا تصل إليها.

ويواصل الصينيون البناء. وتتولى كوريا الشمالية تطوير قذيفة نووية كي تصل إلى روديو درايف؛ ولا يعلم أحد سوى الله ما تعتزم إيران القيام به. فهل ينتج كل هذا عن تورط العم سام في سوريا؟ من يدري؟ ومع ذلك، أدت عدم الرغبة الأميركية في المواجهة إلى منح الآخرين المزيد من القوة.

فلم تكن هناك حاجة لأن يتدخل الأميركيون، وكان فرض منطقة حظر طيران على سوريا مثلما فعل جورج بوش بالعراق لمنع صدام حسين من ذبح الأكراد سيؤدي إلى إنقاذ الكثير من الأرواح. وربما أن الأسد بدون قواه الجوية المقاتلة كان سيتحول الآن إلى دكتور الأسد، طبيب أمراض العيون بلندن. وكان الروس سيبتعدون عن سوريا وكانت إيران وحليفها حزب الله سيهتمون بشؤونهم الداخلية، بدلاً من دعم هذا النظام الحاكم.

لا يمكن نسيان جدارية "جيرنيكا" بمجرد رؤيتها، الوجوه البالية والأجساد الملتوية والتشوهات البشعة. ولدينا الآن صورة طفل سوري في إحدى سيارات الإسعاف ووجهه مغطى بالدماء وبأتربة أطلال المباني المتهدمة، حيث يحملق في عالم لا يوجد به كبار. ومرة أخرى، لم يتم فعل شيء سوى القليل. ومرة أخرى، سوف تزداد الأمور سوءاً.

­هذا الموضوع مترجم بتصرف عن صحيفة The Washington Post الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.