متى أدرك هتلر أنه مدمن للكوكايين؟.. الزعيم النازي أوصى طبيبه بعمل منشط للجنود الألمان

تم النشر: تم التحديث:
S
s

رصد الكاتب الألماني نورمان أوهلر أحداثاً مذهلة عن إدمان الميثامفيتامين في الرايخ الثالث، وهو ما يغير كل ما نعرفه عن الحرب العالمية الثانية

يعيش الكاتب الألماني نورمان أوهلر في الطابق الأعلى من بناية سكنية ترجع للقرن التاسع عشر، وتقع على الضفة الجنوبية لنهر شبريه في كروزبيرج ببرلين.
تعد زيارته في حد ذاتها شيئاً مذهلاً، إذ يحب أوهلر أن يعمل ويستضيف زواره في المكان المخصص للكتابة، والذي يطلق عليه اسم "برج الكتابة"، وهو عبارة عن برج زجاجي على أقصى الحافة اليمنى لسطح المبنى، وإذ ا جرؤت على النظر إلى أسفل ذلك البرج، فسترى قاربه الصغير الراسي أسفل منك، وفق ما ذكرته الغارديان.

كما أن بإمكان هذا المكان العتيق أن يريك صورتين لبرلين، إحداهما برلين القوية المبتهجة، والأخرى صورة طيفية رمادية، على يسارنا جسر أوبربام المزدحم مرورياً، حيث وُجدت في وقت سابق إحدى نقاط التفتيش خلال الحرب الباردة، وخلفه يقع الجزء الأطول مما تبقى من جدار برلين، بينما تقطع إحدى بنايات الشقق السكنية الفاخرة التي بنيت في 2013 ذلك المشهد الكئيب.


مخزن البيض


في الوجهة المقابلة مباشرةً يقع مبنى ضخم تستخدمه هذه الأيام " Universal Music"، والذي كانت تستخدمه جمهورية ألمانيا الديمقراطية (ألمانيا الشرقية) كمخزن للبيض منذ وقت ليس ببعيد.
وعند سؤاله "هل يضغط كل هذا المشهد على أوهلر بينما يجلس على هذا المكتب أمام حاسبه المحمول؟ ألا يبدو ذلك مخيف أحياناً؟"
أجاب أوهلر مبتسماً بسبب حماسي المفرط "نعم، إنه غريب بعض الشيء".
لطالما آمن أوهلر بنوع من السفر خلال الزمن، إذ يقول "أتذكر فترة التسعينات بعد انهيار جدار برلين مباشرةً، كنت أختبر المخدرات المنتشرة في الحفلات مثل " ecstasy" و" LSD"، وقد بدأت الاحتفالات، وكانت كل المباني جهة الشرق فارغة، حيث التقى الشباب من الجهتين الشرقية والغربية للمرة الأولى، كان الشباب متشدداً بعض الشيء، لم يكن لدى بعض هؤلاء القادمين من الجهة الشرقية خبرة سابقة في التعامل مع الأجانب على الإطلاق، وقد ساعدتهم تلك المخدرات على تخفيف حدة الكراهية والارتياب، في بعض الأحيان تدخل غرفة فيكون بإمكانك أن تستعرض الماضي، وبالطبع لم يعد الأمر كذلك الآن، فأنا لا أتعاطى المخدرات الآن، ولكني أتذكر تأثيرها، وهو ما قد يكون السبب وراء قدرتي على كتابة هذا الكتاب".


علاقة الرايخ الثالث بالمخدرات


يكشف الكتاب محل التحقيق، بعنوان " The Total Rush" أو باللغة الإنجليزية الأسمى " Blitzed " عن قصة مذهلة لم تتضح جوانبها كاملة حتى الآن، القصة المذهلة غير المروية لعلاقة الرايخ الثالث بالمخدرات كالكوكايين والمورفين والهروين، فضلاً عن الميثامفيتامين أو كما يطلق عليه "الكريستال ميث"، وكذلك تأثيراتها لا على أيام هتلر الأخيرة فحسب -فوفقاً لأوهلر، كان الفوهرر شديد الإدمان للمخدرات، وكان يتعاطاها وريدياً بحلول أيام تقهقره إلى المخابئ- بل أيضاً على اجتياح الجيش الألماني لفرنسا عام 1940.

نُشر الكتاب في ألمانيا العام الماضي، ليصبح أحد أكثر الكتب مبيعاً، وتُرجم إلى 18 لغة بعد ذلك، وهو ما أذهل أوهلر وأثلج صدره.
لا يقتصر الأمر فقط على ما أشارت إليه مجلة ديرشبيجل حول أن أوهلر ليس كاتباً تاريخياً (ألف أوهلر 3 روايات وشارك فيم فيندرز في كتابة فيلم " Palermo Shooting"، ويعد هذا الكتاب أول عمل غير قصصي له) بل يمتد أيضاً إلى وجود جديد يُذكر بالنازية، فبعد كل الكتب التي أُلفت عن النازية، يمكنك رصها جنباً إلى جنب وستفوق نهر سبري طولاً.

قال أوهلر إنه "يعتقد أن المخدرات ليست أولوية بالنسبة للمؤرخين"، وأنه كرجل مجنون، ساير الوضع، لكن بغض النظر أكان مجنوناً أم لا، فقد قام بعمل بارز، فلم يكن " Blitzed " رائعاً فحسب، بل كان مقنعاً.

وصف إيان كيرشو (مؤرخ بريطاني يعد الأكثر إلماماً على مستوى العالم بما يخص هتلر وألمانيا النازية) كتاب أوهلر بأنه "نص معرفي رائع".

على غير المتوقع كان الملهم لأوهلر بفكرة كتابه، صديقه ألكسانر كرامر (منسق موسيقي في برلين) والذي قال عنه أوهلر أنه كان وسيلة للتعرف على تلك الحقبة.
أضاف أوهلر أن كرامر لديه مكتبة ضخمة، بالإضافة لدرايته بكافة أنواع الموسيقى منذ العشرينات، وأنه سأله ذات ليلة "هل تعلم الدور الضخم الذي لعبته المخدرات في الاشتراكية الوطنية؟"، وكان رده أنه لم يكن يعلم شيئاً عن هذا الموضوع، لكنه بدا صحيحاً، عرف اوهلر حينها عما سيدور كتابه القادم.
خطط أوهلر في البداية لكتابة رواية، إلا أنه بعد زيارته الأولى لأرشيف المحفوظات، غير رأيه تماماً.

عثر أوهلر على أوراق الدكتور تيودور موريل الطبيب الشخصي لهتلر، والذي لم تهتم به معظم الدراسات عن الفوهرر، أدرك أوهلر حينها أنه عثر على كنز من المعلومات.
خلال الأشهر التالية لذلك وبتشجيع من الراحل هانز مومسن (المؤرخ الألماني الكبير للرايخ الثالث)، سافر أوهلر من أرشيف لآخر كي يجمع مادة كتابه بعناية، وبالرغم من كم المعلومات التي جمعها، إلا أنه لم يستخدم نصف ما جمع.


ألمانيا أحد أكبر المصدرين للمورفين والكوكايين


يشير أوهلر إلى نسخة رسالة وقعت في يديه من مارتن بورمان (السكرتير الخاص لهتلر) والذي يشير فيها إلى أن الدواء الذي أعطاه موريل للفوهرر يجب أن ينظم بطريقة صحيحة، خاصة مع التقلب المستمر في صحة هتلر.

ترجع القصة التي يرويها أوهلر إلى أيام جمهورية فايمار (الجمهورية التي نشأت في ألمانيا في الفترة من 1919 إلى 1933 كنتيجة الحرب العالمية الأولى)، إذ كانت صناعة الأدوية مزدهرة في ألمانيا حينها، وكانت ألمانيا أحد أكبر المصدرين للأدوية المخدرة كالمورفين والكوكايين، وكانت تلك الأدوية متاحة في كل مكان.
رسمت الدائرة الداخلية خلال تلك الفترة صورة لهتلر على أنه شخصية غير عادية، وكان على استعداد للعمل بلا كلل لصالح بلاده، وما كان ليسمح أن تدخل جسده أي مادة سامة ولو كانت القهوة.


هتلر لا يقرب النساء


ذكر أحد رفاق هتلر في 1930 أنه يملك العبقرية والقوة، وأضاف أنه يكبح رغباته الجسدية بطريقة قد تصدم أناس مثلنا، فهو لا يشرب الكحوليات ولا يأكل إلا الخضروات ولا يقرب النساء.

لا عجب إذن أنه عندما استولى النازيون على السلطة في 1933 تم حظر المواد المخدرة على الفور، وأُعتبر متعاطي المخدرات بعد ذلك خطراً جنائياً، وحكم على بعضهم بالإعدام بحقنة سامة، وأرسل آخرون إلى معسكرات الاعتقال.

كان استخدام بعض العقاقير ضرورياً، خاصةً في ظل الجحيم الذي يحياه المجتمع كي يواكب حيوية هتلر، فقد أمر النازيون ألمانيا بالاستيقاظ، ولم يكن أمام الأمة خيار سوى الانتباه، لذا من الجائز السماح بأي مادة يمكنها دفع كل متهرب أو متمارض أو متخاذل أو متوجع إلى سوق العمل.


أول منشط ألماني


بدأ الدكتور فريتز هاوسشيلد (رئيس الكيميائيين في شركة تيملر ببرلين) بمحاولات تطوير مخدر عجيب، كان قد استوحى فكرته من نجاح استخدام منشطات البنزيدرين الأميركية في دورة الألعاب الأوليمبية عام 1936، وبعد عام حاز على براءة اختراع أول منشط ميثيلي ألماني.

عرف ذلك المنشط باسم "Pervitin"، وسرعان ما أحدث ضجة كبيرة، إذ استخدمه جميع أطياف المجتمع كأمناء السر والممثلين وحتى سائقي القطارات لتعزيز الثقة ولتحسين الأداء، وكان شراؤه في البداية بدون وصفة طبية.


الاشتراكية الوطنية في قرص


وجدت تلك المادة طريقها أيضاً إلى الحلويات، وظهرت مثل هذه الشعارات "شكولاتة هيلدبراند دائمة البهجة"، ونُصحت النساء حينها بتناول قطعتين إلى ثلاث كي تستطعن أداء مهامهن المنزلية أفضل من أي وقت مضى، بالإضافة لإمكانية خسرانهن الوزن كميزة إضافية نظراً لتأثير البرفتين الضار على الشهية. وهو ما وصفه أوهلر بأنه الاشتراكية الوطنية في قرص.

بطبيعة الحال لم يمض الكثير من الوقت حتى أصبح الجنود يعتمدون على ذلك العقار، وقد نسخ أوهلر في كتابه بعض الرسائل التي أرسلها هاينرش بول (الحاصل على جائزة نوبل للآداب فيما بعد) سنة 1939 إلى والده من خط المواجهة الأمامي، والذي توسل فيه كي يرسلوا له البرفتين لأنه الوحيد الذي يساعده على مقاومة عدوة اللدود وهو النوم.


جنود الجيش أدمنوا البرفتين


كانت وظيفة الدكتور أوتو رانك (مدير معهد علم وظائف الأعضاء) حماية جنود الجيش الألماني من الإنهاك، وبعد إجراء العديد من الاختبارات، توصل إلى أن البرفتين هو العقار المميز لمواجهة الإجهاد الذي يشعر به الجنود، ليس فقط بسبب عدم شعور الجنود بالنعاس، ولكن أيضاً عدم شعورهم بالضغط أثناء المعركة مما يسهل المهام القتالية ويجعل العدو أكثر رعباً، جدير بالذكر أن رانك نفسه أصبح مدمناً للبرفتين، إذ لاحظ أنه يمكنه العمل لمدة 50 ساعة بدون الشعور بالإرهاق.

في عام 1940 مثلما تم وضع خطة اجتياح فرنسا عبر جبال أردين، أُرسل مرسوم المنشطات لأطباء الجيش، وكان يوصي بإعطاء حبة واحدة للجندي خلال اليوم، وحبتين خلال الليل بالتتابع، ثم حبة واحدة أو حبتين بعد ساعتين أو ثلاث إذا لزم الأمر.

أمر الجيش الألماني بإعطاء 35 مليون قرصاَ لجنود الجيش وسلاح الجو، مما أدى إلى زيادة إنتاج مصنع تيملر، أما عن أمثال بول، فلم يعودوا بحاجة لسؤال آبائهم من أجل إحضار البرفتين مرة أخرى.

هل كان شروع الجيش الألماني في العمليات العسكرية الخاطفة " Blitzkreig" نتيجة اعتماده على الكريستال ميث؟ وإلى أي مدى سيتعمق أوهلر في هذا الموضوع؟

صرح أوهلر أن مومسن قال له "ليس هناك سبب أحادي على الإطلاق، إلا أن اجتياح فرنسا كان ممكناً بفضل المخدرات، وبدونها لم تكن لتُغزى، وعندما سمع هتلر بخطة الاجتياح من خلال جبال آردين، أُعجب بذلك، وحشد الحلفاء قواتهم في شمال بلجيكا، إلا أن القيادة العليا قالت أن الاجتياح خلال الليل غير ممكن وأنهم بحاجة إلى الراحة أثناء الليل، سيتراجع الحلفاء، وسنبقى عالقين في الجبال.

صدر عقب ذلك مرسوم المنشطات، ما مكنهم من البقاء مستيقظين لمدة ثلاث أيام وثلاث ليال. كان روميل الذي قاد إحدى فرق دبابات البانزر، منتشياً جراء استخدام المخدرات هو وكل قادة الدبابات، ولولا الدبابات لما كان النصر ليتحقق.


علكة الكوكايين


بدأت القيادة العليا بالنظر إلى المخدرات كسلاح فعال يمكن استخدامه في المواقف الحرجة، ففي عام 1944-1945 على سبيل المثال، عندما اتضح أن النصر على الحلفاء أمر شبه مستحيل، استخدمت البحرية الألمانية غواصة تسع رجلاً واحداً، وكانت فكرة رائعة، إذ أن غواصة بهذا الحجم من السهل أن تشق طريقها بسهولة حتى مصب نهر التايمز، ولكن ذلك لم يكن ممكناً إلا في حالة بقاء ذلك الرجل مستيقظاً لعدة أيام متواصلة.

لم يكن لدى الدكتور جيرهارد أورسيخوسكي (رئيس قسم العقاقير في القيادة العليا البحرية ببحر البلطيق) خيار سوى البدء في تطوير دواء خارق جديد، وهو علكة الكوكايين، والتي قد تكون أصعب أنواع المخدرات التي تعاطاها الجنود الألمان على الإطلاق، وقد تم اختبار ذلك المخدر في معسكر اعتقال ساكسنهاوزن، إذ طلب من المعتقلين المشي دون توقف حتى سقطوا من الإرهاق.


7 أيام بلا نوم


يقول أوهلر "ياله من جنون مرعب"، حتى مومسن صُدم من ذلك وقال أنه لم يسمع عنه أبداً من قبل. لم يعد جنود البحرية اليافعون قادرين على الحركة مع حمل الصناديق المعدنية، بالإضافة لمعاناتهم من نوبات الاضطراب العقلي التي تسببها تلك العقاقير، وكثيراً ما تطور الأمر إلى انفصالهم عن الواقع بعد قضاء فترات تصل إلى 7 أيام بلا نوم.

يقول أوهلر أن الأمر تخطى الواقع، فإذا أُجبرت على مواجهة عدو أكبر من قدراتك، سيكون عليك تجاوز قوتك الذاتية، ولذا يستخدم الإرهابيون الانتحاريين، وهو سلاح ظالم، إذ لابد لك أن تحقق النجاح إذا فجرت قنبلة وسط حشد من المدنيين.

في ذلك الوقت في برلين، كان هتلر يواجه حقيقته المتخيلة وبجانبه صديقه الوحيد في العالم دكتور موريل، طبيبه الشخصي.


المريض A


بنى موريل سمعة عيادته التي ازدهرت في أواخر العشرينات على حقن فيتامين عصري تعود أن يعطيها لمرضاه، وقد قابل هتلر بعد أن عالج هاينرش هوفمان (مصور الرايخ الرسمي)، إذ وجد الفرصة مواتيه لتقديم نفسه للفوهرر الذي عانى مراراً من آلام معوية حادة.

شخص موريل حالة هتلر ووصف له "Mutaflor"، تركيبة تعتمد على البكتيريا، وبدأ علاج المريض A وهو المسمى الذي أطلقه على هتلر، وبعدما بدأت حالة هتلر بالتحسن بدأت علاقتهما بالتوطد، ازدادت ثقة هتلر في طبيبه، بينما اعتمد موريل على الفوهرر للحفاظ على مكانته.

عندما أُصيب هتلر بمرض خطير في 1941، لم تنفعه حقن الفيتامين التى كان يعول عليها موريل في إحداث تقدم لحالته الصحية، وهكذا بدأت الامور في الانحدار، إذ بدأ موريل بحقنه بهرمونات حيوانية كان لها أثر شديد السوء، ومن ثم إعطائه مجموعات من الأدوية ذات التأثير القوي جداً، وفي النهاية بدأ بإعطائه مخدراً غريباً اسمه " Eukodal"، وهو خليطٌ من الأفيون ومواد قريبة من الهيرويين، والذي كان له الأثر البالغ في حالة الرئيس المنتشية طوال الوقت، والمعروفة حالياً بـ" oxycodone".

لم يمض الكثير من الوقت حتى بدأ موريل بحقن هتلر بالـ Eukodal عدة مرات في اليوم، وتطور الأمر إلى دمج ذلك العقار مع جرعات كبيرة من الكوكايين مرتين يومياً، وتزامن ذلك مع تجدد مشكلة قديمة في أذنيه نتيجة وقوع انفجار في مقر قيادته "عرين الذئاب" على الجبهة الشرقية.

هل تعمد موريل تحويل هتلر إلى مدمن؟ أم أنه لم يستطع مقاومة شخصية الفوهرر المائلة للإدمان؟

يقول أوهلر أنه لا يعتقد أن موريل تعمد تحويل هتلر إلى مدمن، إذ كان يثق فيه بشدة، وتصدى هتلر لمحاولات إبعاد موريل عنه في خريف 1944، وكان يعتقد أن ابتعاد موريل عنه، سيتسبب في القضاء عليه، فقد عرف كل منهم ماذا يريد من الآخر، رغب موريل في حقن هتلر، وكان هتلر يريد ذلك.

لم يحبذ هتلر تعاطي الحبوب بسبب مرض معدته، بالإضافة لرغبته في الحصول على التأثير السريع، فكان واقعاً تحت ضغط الوقت الذي يراه ينفذ منه، إذ كان يعتقد بشدة أنه سيموت في سن مبكرة.


متى أدرك هتلر أنه مدمن؟


أدرك هتلر أنه مدمن في وقت متأخر جداً، إذ أخبره أحد الأشخاص كما أخبر موريل كذلك، أنه تم إعطاؤه مواد مخدرة طوال الوقت، ومن المرجح أنهم تحدثوا حول هذا الموضوع بشكل غير مباشر، فقد كان هتلر لا يحب الحديث حول عقار Eukodal، وربما كان يحاول وقف نشاط ذلك العقار في عقله.

أما موريل مثله مثل أي مروج للمخدرات، لم يكن ليقول: نعم أنت مدمن ، ولدي ما سيسعدك، لذا فقد كان دائم الاستخدام لمفردات الصحة بدلاً من الإدمان.

قد يبدو تأثير المخدرات للناظرين كأمر خارق، في دقيقة يبدو الفوهرر ضعيفاً وبالكاد يستطيع الوقوف، وبعد ذلك، يتحدث إلى موسوليني بصخب ولا يمكنك إيقافه. آه، نعم، موسوليني.

في إيطاليا -سيعرض كتاب Blitzed (الثمل) بفصل إضافي، "وجدت أن موسوليني كان أحد مرضى موريل، فبعد أن وضعه الألمان قائداً دمية لجمهورية إيطاليا عام 1943، أمروه بأن يكون تحت أعين الطبيب".

ينهض أوهلر ثانية ويعود مع وثيقة في يده: "لا توجد وثائق كافية تثبت أنه كان مدمناً. لكنه كان يُعطى الأدوية نفسها التي كان يتناولها هتلر، وكان هناك تقرير طبي أسبوعي". أخذ يمرر إصبعه على سطور المطبوعة ويترجم لي وهو يقرأ، "تحسنت حالته، أصبح يلعب التنس، وكبده المتورم أصبح طبيعياً، كما لو أنه أصبح حصان سباق".

لكن هتلر كان يواجه كارثة قادمة، عندما قصف مصنع "بيرفيتين" و"إيوكودال" نفدت إمدادات عقاراته المفضلة، وبحلول فبراير/شباط عام 1945 كان يعاني من أعراض الانسحاب.

كان محني الظهر، سائل اللعاب، يوخز نفسه بملقط ذهبي وهيئته بائسة. يقول أوهلر: "يصف الجميع حالة هتلر السيئة في أيامه الأخيرة -في مخبأ الفوهرر ببرلين-". لكن لم يكن هناك تفسير واضح لها، وإن كان يُقال أنه كان مُصاب بمتلازمة باركنسون". يبتسم ابتسامة عريضة ويقول "وإنْ كان واضحاً لي أنها جزئياً بسبب أعراض الانسحاب". "نعم، لا بد أن الأمر كان مُريعاً، فقد كان يخسر حرباً عالمية، وفي الوقت نفسه يتوقف عن تعاطي المخدرات".

وبعد شهرين، وكما يعلم الجميع، انتحر هتلر وزوجته الجديدة إيفا براون (مثلما فعل ليني ريفينستال، أحد مرضى موريل). ماذا حدث لموريل؟ نعلم أنه نجا، لكن هل نجا سالماً؟

قال أوهلر "أعتقد أن كثيراً من النازيين نجوا بفعلتهم، لكن ليس هو، لم يكن قادراً على تغيير شكله، أو تغيير عمله، أو أن يثرى من كتابة مذكراته، بالرغم من أنه كان يستطيع القول -بحق- أنه لم يرتكب جرائم حرب. فقد عقله، وأصبح مفككاً ضعيفاً. إنه شخصية تراجيدية، لم يكن شخصاً شريراً، لكنه كان انتهازياً".

وفي عام 1947، عندما يأس الأميركيون من الحصول على معلومات منه أودعوه في ميونخ. تولت أمره ممرضة تابعة للصليب الأحمر نصف يهودية، فأشفقت على هذا الأشعث الذي لا يرتدي حذاءً. فأوصلته إلى المستشفى في تيجرنسي، حيث مات بعد ذلك بسنة.

يبدو أن كتاب Blitzed سيغير مفاهيم كثيرة عن الرايخ الثالث في المستقبل، لكن بحث أوهلر -بالطبع- لن يجعل الاشتراكية الوطنية تبدو مفهومة، وبالنسبة له، ربما يوجد خيبة أمل في ذلك، لأنه سعى وراء فهم ذلك منذ أن كان صبياً (كان ابن قاضٍ، وترعرع على الحدود الفرنسية). وقال "كان ذلك سبب رغبتي في الكتابة"، "اعتقدت أنك بالكتابة ستقاوم البروباجاندا".

عمل جدّه لأمه مهندساً في السكة الحديد أثناء الحرب، فكان مسؤول محطة صغيرة في بوهيميا المحتلة. "شاهدنا يوماً في المدرسة فيلماً عن تحرير معسكر اعتقالٍ، وكان صادماً جداً لي".

في اليوم ذاته، سألتُه عن القطارات الذاهبة إلى المخيّمات. أخبرني أنّه رأى واحداً في الشتاء قادماً من الغرب، وأنّه قال لنفسه: أولئك هم أسرى الحرب الرّوس. ولكن نظراً لأنّه قادمٌ من الغرب، وبعد سماعه لأصوات الأطفال، ولأنّه كان قطار ماشية، أدرك أنّ ثمّة شيئٌ غريبٌ يحدث.

"لم يكن عمري حينها يتجاوز العاشرة، وكنتُ أحاول إدراك الأمور، من هو هذا الشخص، أي جدّي؟ لانّه استمرّ في كونه مهندساً للسكك الحديديّة. لم ينضمّ إلى المقاومة. قال أنّ وحدة إس إس تحرس القطار، وأنّه كان خائفاً، ولهذا فقد عاد إلى مكتبه الصغير لاستكمال العمل في لوحه. وقال أيضاً أن هتلر لم يكن سيّئاُ جداً. في الثمانينات، اعتدنا كثيراً على سماع عباراتٍ مثل: إنّ الأمر مبالغٌ فيه، هتلر لم يكن يعلم الكثير عن الأمور السيئة التي قام بها نظامه.

يتوقّف قليلاً. "تعتقدون أنّ النازيّة كانت منظمة. ولكنّها كانت فوضى عارمة. أعتقد أنّ عملي في Blitzed ساعدني في إدراك ذلك على الأقل. لقد أبقى الميث -المُخدر- الناس في النظام، بلا حاجة إلى التفكير في ذلك". أمله أن يقرأ جيل الشباب من الألمان كتابه، أولئك الذين سيتطلّعون إلى المستقبل، بدلاً من الالتفات إلى الماضي. هل يظهر الحقّ مرًّة أخرى؟ هل لهذا السبب يريدهم أن يقرؤوا الكتاب؟ "إنّه زمنٌ شديد الخطورة. إنّني أكره هذا الهجوم على الأجانب، ولكن حكوماتنا تفعل ذلك أيضاً في العراق وفي أماكن أخرى. لم تبلِ ديموقراطيّتنا بلاءاً حسناً في هذا العالم".

قال أنّه لا يظنّ أنّ الحزب اليميني الجديد (البديل من أجل ألمانيا) سيشكّل تهديداً كما يبدو (في انتخابات أوّل هذا الشهر، تفوّق على الحزب المسيحي الديمقراطي لأنجيلا ميركل). يقول "لم يكن لحزب اليمين الكثير من الدعم هنا (بعد الحرب) بسبب تاريخنا. عندما كنتُ صغيراً، كان من المستحيل أن أرى حتى علم ألمانيا. كانت المرة الأولى التي رأيت فيها علم ألمانيا عام 1990، حين فازت ألمانيا بكأس العالم".

قبل أن أتوجّه إلى المطار، يوافق أوهلر على اصطحابي لرؤية ما تبقى من مصنع تيملر، لذا فقد قضينا يومنا في البحث فيما تبقّى من مختبر الدكتور هاوسشايلد المزيّن بالبلاط، والواقع في جزء من المدينة كان في الشرق قديماً، الشرق الذي اعتادت الأفلام تصويره دائماً بأنه بارد ورمادي اللون. بعد ذلك بعشرين دقيقة، وصلنا إلى شارعٍ سكني، كانت جميع النوافذ فيه هادئة مثل المقابر. "يا إلهي، لقد اختفت تماماً" قالها وهو يُخرج ساقه الطوية والنحيلة من السيارة.

لبرهةٍ من الزمن، حدّقنا بتعجّبٍ في سلسلةٍ متصلة بالسياج، في بقعةٍ جرداء ملآى بالغبار والخرسانة، وفي البيت الأحمر والأبيض الجميل خلفه. ولكن ليس هناك ما يمكن القيام به، حاولت قدر ما أستطيع، لكني لم أتمكن من تركيب الصور أحادية اللون الغريبة التي رأيتها للمصنع من قبل، مع هذا المشهد الحي في الضاحية. الأمر الذي تخيلته منذ أقل من نصف ساعة على سطح أوهلر، يبدو الآن مثل حلم غير حقيقي، أو ربما، مجرّد رحلة شديدة السوء.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.