غرامة لزوجين دنماركيين بسبب فنجان قهوة وتوصيل عائلةٍ سوريَّة.. ما قصَّتهما؟

تم النشر: تم التحديث:
S
s

أيدت محكمة عليا في الدنمارك حكماً بإدانة زوجين بتهمة تهريب البشر بعد أن "ساعدا" عائلة من اللاجئين السوريين بطريقة غير مشروعة بتوصليهم بسيارتهما وإعطائهم فنجاناً من القهوة.

وكانت "ليزبث زورنيغ أندرسن"، رئيسة المجلس القومي الدنماركي للطفولة سابقاً، وزوجها قد أقلَّا مجموعة من أربعة بالغين وطفلين في طريقهما من جنوب الدنمارك إلى العاصمة كوبنهاغن في سبتمبر/أيلول من العام الماضي، وفق ماجاء في صحيفة الاندبندنت

لم يظن الزوجان أنهما قد اخترقا أي قانون حينها؛ فقد استشارا الشرطة أولاً ولم يخرجا من حدود البلاد، لكن تمت محاكمتهما بموجب قانون الأجانب الدنماركي وتغريمهما 45 ألف كرونة (5200 يورو) في مارس/آذار الماضي.

وقدَّمت "زرونيغ" وزوجها "ميكيل ليندهولم" استئنافاً على العقوبة، استناداً إلى مبدأ الاستثناء القانوني عند تقديم مساعدة إنسانية، لكن المحكمة العليا لشرق الدنمارك أيَّدت الحكم ورفعت العقوبة إلى 50 ألف كرونة (5700 يورو)، الخميس الماضي.


صدمة من الحكم


وعبَّر الزوجان ومؤيدوهما عن صدمتهم من الحكم، الذي جاء بعد جلسة استماع امتدت يومين، ويفكر الزوجان الآن في تقديم استئناف آخر أمام المحكمة العليا (أعلى درجات التقاضي في الدنمارك).
وقالت السيدة "زورنيغ" لصحيفة الإندبندنت البريطانية: "لقد جرت محاكمتنا لأننا قدمنا قهوة وكعكاً لأسرة على الطريق، وأوصلناهم إلى محطة قطارات".

وأضافت: "إنه لأمر غريب بالنسبة لي لأنني كنت أعتقد أن المحاكم الدنماركية تأسست على مبادئ سليمة. أشعر بخيبة أمل في نظامنا القانوني - ليس لدي ثقة فيه بعد الآن".

وتعتقد السيدة التي لديها خمسة أطفال إن المحكمة "تُقِر سابقة قضائية" في وقت تُعرض فيه العديد من قضايا تهريب البشر أمام المحاكم الدنماركية، وتضم هذه القضايا مئات من المقيمين في الدنمارك ساعدوا اللاجئين في المرور عبر البلاد.

وقال زوجها إنه قد شعر بالصدمة إزاء تأييد الحكم بعد أن حُكم ببراءة سياسيين اثنين في قضية تكاد تماثل قضيته هو وزوجته أمام محكمة دنماركية أخرى.


ليسا الوحيدين


وأضاف: "قضيتنا هي أول قضية تخص تقديم مساعدات إنسانية للاجئين يُصدَر الحكم فيها في مرحلة الاستئناف، وما يزال المئات يُحاكَمون لمساعدة اللاجئين على الطرق الدنماركية في العام الماضي. بعضهم أُصدِر حكمٌ عليه بالفعل، وآخرون ما يزالون ينتظرون قرار الاستئناف".

وقال محامي الزوجين إنهما "يفكران بجدية" في أخذ القضية إلى المحكمة العليا في محاولة أخيرة لاستئناف العقوبة.

وأضاف إن الأحكام القانونية تسمح بالإعفاء من العقوبات في قضايا تهريب البشر في حالات المساعدة الإنسانية، وإن اللاجئين الذين ساعدهم الزوجان لم تكن إقامتهم في الدنمارك غير شرعية.
وقال المحامِي للإندبندنت: "الدنمارك هي واحدة من دول معدودة في الاتحاد الأوروبي ليس في قانونها لجرائم تهريب البشر استثناءات لأسباب إنسانية، وهذا الحكم قد يُقِر سابقة قضائية".
السيدة "زورنيغ" وزوجها كانا من بين عشرات من الدنماركيين الذين أقلوا لاجئين على الطريق في يوم 7 سبتمبر/أيلول من العام الماضي، بعد أن أوقِف قطار ألماني عند بلدة حدودية دنماركية.
وأظهرت المواد المصورة للواقعة حالة ذعر وحيرة بين طالبي اللجوء الذين حاولوا الهروب من قوات الشرطة الدنماركية على رصيف المحطة؛ ليبدأوا رحلتهم الطويلة إلى السويد عبر الطرق السريعة.


تفاصيل الحادثة


وقالت "زورنيغ" إنها كانت تقود سيارتها عبر جزيرة "لولاند" الدنماركية في طريقها إلى كوبنهاغن حين شاهدت سلسلة من المهاجرين يمشون على جانب الطريق تحت رقابة السلطات.
لم تستطع "زورنيغ" العبور قبل أن تتوقف لتتحدث إلى أسرة سورية تتكون من طفلتين توأم تبلغان من العمر خمسة أعوام، ووالدتهما، وثلاثة آخرين كانوا يحاولون الوصول إلى عائلتهم في السويد.
وفي وجود العديد من ضباط الشرطة الذين فشلوا في التدخل، أقلَّت "زورنيغ" المجموعة إلى العاصمة الدنماركية، وأعطتهم فنجاناً من القهوة في منزلها وبعض البسكويت قبل أن يوصلهم زوجها إلى محطة القطار.

لكن الزوجين قد تلقيا خطاباً في أكتوبر/تشرين الأول الماضي يبلغهما بالمحاكمة. وهما في ذلك مثل الكثير من الدنماركيين.

لكن "زورنيغ" تقول إنها ليست نادمة على ما فعلته هي وزوجها بعد أن زارا العائلة السورية نفسها في بيتهم الجديد في السويد بعد قبول طلب لجوئهم.


ليست نادمة


وقالت: "لست نادمة على ما فعلناه في ذلك اليوم، فقد كان الفِعل الصحيح حينها. لقد أعطيناهم فرصة لبدء حياة جديدة هادئة".

وأضافت: "لدي خمسة أطفال، وسأكون في مشكلة كبيرة إذا أخبرتهم بأني تركت عائلة على جانب الطريق لأنني كنت أخشى القانون".
وبموجب قانون الأجانب الدنماركي، يُحظَر "مساعدة" أو توصيل أي شخص لا يحمل تصريحاً بالإقامة في البلاد، ويُعرَّض من يقوم بذلك لغرامة أو حبس قد يصل إلى عامين.
وينص توجيه من مجلس الاتحاد الأوروبي في عام 2002 على أن أي شخص يساعد عمداً مهاجرين غير شرعيين في "دخول أو عبور" بلد خارقاً قانونها الوطني قد يتعرض للمحاكمة، ولا سيما أولئك الذين يتقاضون أموالاً نظير هذا الفعل.

لكن التوجيه ينص أيضاً على أن العقوبات قد تُرفَع في حال ما إذا كان "الغرض من الفعل هو تقديم مساعدة إنسانية".

لكن بروتوكول الأمم المتحدة بشأن تهريب المهاجرين، يُعرِف الفعل بأنه، على سبيل الحصر، ما تم مقابل "منفعة مالية أو مادية"، ولم تكن الحالة كذلك مع السيدة "زورنيغ" وزوجها.


اعتراض على الحكم


وبعد إدانتهما الأولى في مارس/آذار، بدأ دنماركيون في جمع أموال تغطي العقوبة المفروضة على الزوجين اعتراضاً على الحكم، لكن الزوجين ينويان إعطاء الأموال لمن يحتاجونها أكثر منهم، إذ تُجرَى الآن العديد من المحاكمات المماثلة.
كانت السيدة "زورنيغ"، التي شغلت منصب رئيس المجلس الوطني للطفولة في الدنمارك من عام 2010 إلى عام 2012، قد اشتهرت بعد إنتاج فيلم وثائقي يروي قصة طفولتها القاسية، وبدأت حملة لدعم ضحايا الاعتداءات والمجموعات المُهمَّشة.

ونظَّم مؤيدوها العديد من التظاهرات، وكتبوا العديد من المنشورات على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك لتأييدها.

ويسمح القانون الدنماركي المثير للجدل للسلطات بـ"مصادرة أموال طالبي اللجوء ومقتنياتهم القيمة" لـ"دفع مقابل إقامتهم"؛ مما عرض الدنمارك إلى شجب دولي، لكن دولاً أخرى قد أصدرت قوانين مماثلة في وقت تتحوَّل فيه الدول الأوروبية إلى مواقف أكثر قسوة إزاء اللاجئين.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Independent البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.