الغارديان: تطوّر جديد في قضية مقتل ريجيني بمصر

تم النشر: تم التحديث:
RYJNY
ASSOCIATED PRESS

منذ 6 أشهر، بدأ إبراهيم فاروق، الطالب الجامعي والذي كان يبلغ من العمر 21 عاماً ويقود حافلة صغيرة لجني بعض المال الإضافي، يومه المعتاد، مُقِلاً أربعة رجال بالكاد يعرفهم من الحي الذي يسكن به إلى مكان آخر بالقاهرة.

كان الأشخاص الذين يركبون معه ذلك اليوم –وهم ثلاثة أفراد من عائلة واحدة وصديق مقرب للعائلة – معروفين بكونهم من صغار المجرمين وأن لديهم حوادث سابقة مع السلطات بالدولة. فقد قضى اثنان منهم فترة بالسجن لسرقتهما محفظة عام 2001، وأحدهم أيضاً كان مدمناً للمخدرات. يقول أقارب هؤلاء الرجال أنهم كانوا متجهين للعمل بديكور أحد المنازل بحي التجمع الخامس، ولكن المجموعة لم تصل لمقصدها، بحسب تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية

إذ قُتِلَ هؤلاء الرجال جميعاً بوابل من رصاص قوات الشرطة. وبعد ساعات من مقتلهم، اتهمتهم السلطات المصرية بأنهم جزء من عصابة من اللصوص تستهدف الأجانب، وربطتهم المداهمة المزعومة التي قامت بها قوات الأمن على إحدى منازلهم بعمل شنيع سابق وهو تعذيب وقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني. تم العثور على جثة ريجيني –طالب الدكتوراة بجامعة كامبريدج والذي كان يبلغ من العمر 28 عاماً، وكان يبحث بإحدى القضايا الحساسة بمصر– مشوهة وتبدو عليها آثار الضرب في حفرة على جانب الطريق في الطريق بين القاهرة والإسكندرية، وذلك قبل حادثة قتل هؤلاء الرجال بسبعة أسابيع.

وسرعان ما نشرت وسائل الإعلام المؤيدة للحكومة صوراً للحادث وللجثث المحاطة بالدماء للقتلى الخمسة، وهم طارق سعد عبد الفتاح ويبلغ من العمر 52 عاماً، وابنه سعد طارق سعد ويبلغ 26 عاماً، وصهره صلاح علي سيد ويبلغ 40 عاماً، ومصطفى بكر ويبلغ 60 عاماً، وإبراهيم فاروق.

صرحت حينها وزارة الداخلية المصرية بأن الرجال قد قُتِلوا في تبادل لإطلاق النار مع الشرطة، وذلك مع أن الصور التي تم نشرها لا تحتوي على أسلحة أو بنادق بداخل الحافلة أو حولها، وهو التصريح الذي جاء أيضاً مخالفاً لشهادات شهود العيان الذين قالوا بأن الرجال حاولوا الهرب عندما أطلقت عليهم الشرطة النيران. كان إطلاق النيران كثيفاً لدرجة أن الرصاصات قد شوهت وجه فاروق، مما صَعَّبَ على خطيبته التعرف عليه في البداية.

بعد ذلك بقليل، أعلنت وزارة الداخلية أن ممتلكات ريجيني –ومن ضمنها جواز سفره ومحفظته– قد تم العثور عليها بمنزل أحد المتهمين، والذي لم يتمكن من الدفاع عن نفسه بسبب موته.


الخبراء الإيطاليون متشككون


ss

ربما كان لدى المسئولين المصريين من الأسباب ما يدفعهم لأن يأملوا في أن ينهي التعرف على قتلة ريجيني المزعومين قضية مقتله. فالخبراء والمسئولون الإيطاليون كانوا يشكون منذ البداية في تورط عناصر من أجهزة الدولة المصرية في تنفيذ جريمة قتل ريجيني، وذلك مع الإنكار الشديد للحكومة المصرية لذلك الأمر. وسببت هذه الجريمة أزمة دبلوماسية كبيرة بين البلدين.

طبقاً لأحد المسئولين الإيطاليين، بدا ادعاء السلطات المصرية أن الرجال بالحافلة هم من قاموا بقتل ريجيني محاولة للتستر على الفاعل الحقيقي، وعلى الفور تم تجاهل هذا الادعاء. والآن، وبعد شهور من الأزمة بين المسئولين الإيطاليين والمصريين بخصوص جريمة قتل ريجيني التي لم يتم حلها، أصبحت حادثة قتل الرجال بالحافلة مجرد حاشية على هامش المأساة الأصلية.

إذ اعترف المسئولون المصريون أن المجموعة بالحافلة في الغالب ليست متورطة بمقتل ريجيني. وصرح النائب العام المصري المستشار نبيل صادق مبكراً هذا الشهر بأنه مع أن القضية ما زالت قيد التحقيق إلا أنه لا توجد أدلة قوية على ارتباط هؤلاء الرجال الخمسة بمقتل ريجيني.

وقد أعلنت إيطاليا تعيين سفير آخر بدلاً من سفيرها الذي استدعته من مصر في البداية أثناء ذروة الأزمة الدبلوماسية بين البلدين، إلا أن السفير الجديد لم يصل مصر حتى الآن، وهى إشارة إلى أن العلاقات بين البلدين مازالت متأزمة.

وعلق رافائيل مارتشيتي – أستاذ العلاقات الدولية بجامعة لويس بروما، والذي يتابع قضية ريجيني – أن إيطاليا كانت قد لاحظت تطوراً طفيفاً في تعاون المسئولين المصريين في التحقيقات الجارية بشأن مقتل ريجيني، وأنه كان هناك اعتقاد بأن مصر ستقوم باعتقال أحد المسئولين، وسيكون غالباً أحد الضباط منخفضي الرتبة، مما سيعد اعترافاً بتحمل أجهزة الدولة لبعض المسئولية عن الجريمة.

وقال مارتشيتي بإنَّه "ليس الأمر رسمياً بعد بالطبع، ولكن إن قمت بتجميع كل المعلومات والأحداث التي جرت في الفترة الأخيرة، ستجد أن الأمور تشير إلى أن السلطات المصرية على وشك الاعتراف بالمسئولية الرسمية عما حدث".

وفي الوقت نفسه، فعائلات الرجال الخمس بالحافلة يجمعها نفس الواقع الأليم. فهي لا تملك المال أو العلاقات الكافية لتتمكن من السعي في تحقيق العدالة في مصر. هذا وقد تم القبض أيضاً على أربعة أقارب للضحايا بدون أي ضمانات للإفراج عنهم في المستقبل.


واقع مرير


تعيش العائلة الآن واقعاً مريراً مقارنةً بتجمع العائلة الأخير في الثاني من مارس/آذار، حينما اجتمع أعضاء العائلة للاحتفال بعيد ميلاد مبروكة، زوجة طارق. إذ يظهر أفراد العائلة في مقطع مصور لحفلة عيد الميلاد وهم يغنون ويصفقون، وصلاح يقوم بعمل تعبيرات مضحكة بوجهه أمام الكاميرا، وتضيء ابتساماتهم الشموع في كعكة عيد الميلاد، ويقف سامح -صهر صلاح الأصغر والذي قام فيما بعد بالتعرف على جثته– بالزاوية ممتعضاً. ليصبح ثلاثة من أفراد العائلة مستلقين بمشرحة زينهم في القاهرة بعد أقل من أسبوعين، ويتم القبض على اثنين آخرين.

كان صلاح وطارق قد أصبحا صديقين مقربين بسبب عملهما سوياً لأكثر من 15 عام في طلاء المنازل وبيع وتأجير السيارات، ليتزوج بعدها صلاح من رشا –ابنة طارق– وهي في الرابعة عشرة من عمرها.

قالت رشا –التي غالباً ما تبكي أثناء الحديث عن عائلتها- عن والدها وزوجها أنهما كانا مقربين للغاية، وكانا معاً بشكل مستمر. وقالت عن اتهام السلطات المصرية لعائلتها بتشكيل عصابة إجرامية بأن الأمور يعود إلى حادثة في عام 2001، حين تم إيقاف صلاح وطارق في نقطة للشرطة بعد عثورهم على محفظة تنتمي لأحد الأشخاص بوزارة الداخلية، وعلى إثر ذلك تم الحكم على صلاح بالسجن لمدة سنتين، وعلى طارق بالسجن لمدة ثلاث سنوات.

ss

وقالت أم ياسر –زوجة مصطفى بكر، أحد الضحايا بالحافلة– إنَّه "حتى والدة ريجيني تظن أن هؤلاء القتلى الخمسة لم يكونوا هم من قتلوا ريجيني. لماذا إذن لم يُبقِ ضباط الشرطة أحدهم حياً ليسألونه هذا السؤال؟".

كان بكر صديقاً لعائلة عبد الفتاح، ويعمل في بيع السيارات. وكان من عادته التجول خارج شقته في منطقة بها بعض الأشجار. تم تجريد شقة بكر من محتوياتها كلها تقريباً بعد مداهمة لقوات الشرطة، لتبقى صور أبنائه وبنته على الجدران هي العلامات الوحيدة على الدفء الذي تمتعت به شقته الصغيرة مزروعة الجدران.

تعرف طارق على بكر من عدة سنوات من خلال صديق مشترك بينهما، وأصبح بكر صديقاً للعائلة منذ ذلك الوقت. وكان بكر كصلاح وطارق لديه مخالفة قانونية سابقاً، إذ أمضى بكر 12 عاماً من زواجه في السجن بعد إدانته في قضية مخدرات.

كان ابن بكر –الذي رفض ذكر اسمه خوفاً على حياته– هو من تعرف على جثة أبيه، ليأخذ من يد جثة والده بالمشرحة خاتماً فضياً فيروزياً. وتذكر بعينين مغلقتين وقشعريرة تسري في جسده كيف أن ذراع والده اليمنى قد كُسِرَت بسبب رصاصة أصابته في الجزء الأعلى من مرفقه الأيمن، كما حطمت رصاصتان أخريان الجزء الأمامي من جبهته.

وتقول عائلة بكر إنَّ يديه كان لونهما أحمر، كما لو كان قد تم تكبيله. وعلق سامح أيضاً بأن جثة صلاح قد تلقت العديد من الرصاصات بمختلف أنحاء الجسم وبكاحله الأيمن، وأن وجه سعد تبدو عليه علامات للكشط وبعض الندوب، كما لو كان قد تم جره على الأرض
.
هذا وقد داهمت قوات الشرطة منزل بكر في العاشرة من صباح يوم حادثة إطلاق النار.


مداهمات للشرطة


وداهمت الشرطة المصرية أيضاً منزل مبروكة –زوجة طارق– في نفس اليوم، لتعلن بعدها أنها قد وجدت مقتنيات ريجيني ووثائقه في المنزل، ومن ثم قامت بالقبض على مبروكة وأيضاً أخت طارق، والتي تُدعَى رشا كابنته. ومازالت الشرطة تحتجز مبروكة ورشا منذ شهر مارس/آذار، متهمةً كليهما بالاتجار في البضائع المسروقة.

وقالت العائلة بأن معظم المقتنيات بالصور التي صورتها الشرطة أثناء المداهمة وقالت بأنها ملك ريجيني هي في الحقيقة تخص أفراد العائلة. فالمحفظة التي تزينها كلمة "love" تعود إلى مبروكة، والساعة ملك لسامح، والمحفظة تخص صلاح، والهاتف والسماعات والنظارات الشمسية كلها ممتلكات سعد.

ومازال الأمر غامضاً –وخصوصاً بعد تصريح المسئولين المصريين بأن القتلى الخمسة في الغالب ليسوا مرتبطين بمقتل ريجيني– بخصوص كيفية وصول جواز سفر ريجيني وبطاقة البنك ووثائق الهوية الخاصة به إلى شقة شقيقات طارق. إذ لم يتم سحب أي أموال من حساب ريجيني بالبنك، ولم يتم العثور على هاتفه مطلقاً طبقاً للمسئولين الإيطاليين.
ويقول سامح "لا أعرف لماذا تم جرنا إلى هذا الوضع".

ووصف سعيد يوسف –محامي الدفاع الذي يمثل مبروكة، شقيقة طارق، وفردين آخرين بالعائلة، والذين مازالوا محتجزين ليتم محاكمتهم– التصريح الأخير للنائب العام المصري بالإهانة.

أما فاروق –سائق الحافلة– فقد ارتبط بخطيبته آية خالد لمدة ثماني سنوات، وكانا مخطوبين لما يقارب السنتين. وبعد احتراق الكشك الذي يعمل به فاروق العام الماضي، أعطاه والد خطيبته الحافلة ليكسب عيشه. وعن علاقة فاروق بالرجال الأربعة الآخرين، يقول خالد أنهم كانوا يسكنون بنفس الحي لا أكثر. ولم تكن خطيبته آية قد اختارت فستان الزفاف بعد حينما تم قتله، فقد أرادت أن تُبقِي تفاصيله حتى النهاية حتى يشاركها فاروق في الاختيار.

تقول عائلة فاروق أن جثته فقدت تقريباً النصف الأيمن من وجهه، وأن رجليه بهما علامات لكدمات وضرب مبرح. وتقول خطيبته إنَّه "لم يخف عني شيئاً أبداً، أعلم جيداً أنه لم يكن يعمل مع هؤلاء الرجال، سواءً كانوا مجرمين أم لا. هذه كانت المرة الأولى التي يتعامل فيها معهم".

وتقول آية أنها تمنت لو استطاعت أن توجه الاتهامات ضد ضابط الشرطة المسئول عن القضية، ولكن هذا سيضعها في مواجهة مع أجهزة الدولة. هذا ويُعرَف هذا الضابط المذكور باسم "الجَلَّاد".

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.