"ثلاجة الموت" تحتجز 200 ضحية كانوا داخل المركب.. آلام الساعات الأخيرة قبل غرق المركب يرويها الناجون

تم النشر: تم التحديث:
EGYPT
Mohamed Abd El Ghany / Reuters

"ذنب الناس اللي ماتت في رقبة الجيش" هذه الكلمات كانت بداية شهادة عما حدث في الساعات الأخيرة كما رواها رشاد - 17 عاماً- من مدينة كفر الزيات التابعة لمحافظة الغربية وسط دلتا مصر، وأحد الناجين من "موكب الرسول1"، مركب الهجرة غير الشرعية الذي غرق الأربعاء الماضي قبالة سواحل مدينة رشيد المصرية، والذي وصل عدد ضحاياه حتى الآن إلى حوالي 150 ضحية بحسب إحصاءات غير رسمية، والعدد مرشح للزيادة.


البداية


وقال رشاد لـ"هافنغتون بوست عربي" إنه كان مع شقيقه وابن خاله وابن عمه على متن المركب وأنه الناجي الوحيد من الأسرة، حيث لم يخرج أقاربه الثلاثة حتى الآن من البحر. وواصل المتحدث سرده قائلاً "حقيقة ما حدث معنا في الساعات الأخيرة تكشف معاناة 650 شخصاً ظلوا يصارعون الغرق لمدة 3 ساعات داخل البحر قبل أن يغرق المركب".

ويروي المراهق تفاصيل الساعات الأخيرة ومراحل غرق السفينة، قائلاً إن البداية كانت في الثالثة من عصر الأربعاء، ومع بدء إنزال ركاب المركب الثاني الذي قرر قائده عدم إكمال الرحلة لاختلافه مع منظميها، أصبح العدد على المركب الذي غرق 650 شخصاً.

"كنا ممنوعين من الكلام أو الاعتراض على زيادة العدد طوال الرحلة وبعد نصف ساعة من إنزال الركاب فوجئنا بأحدهم يقفز من المركب صائحاً المركب بتغرق" يقول رشاد.

وقال الناجي من الغرق إن منظمي الرحلة الذين كانوا على متن المركب قاموا بإعطاء بعض الهواتف المحمولة التي كانت معهم إلى المهاجرين من قرى الجزيرة الخضراء التابعة لمحافظة كفر الشيخ، وذلك من أجل الاتصال بأقاربهم الصيادين حتى يحضرون لإنقاذهم من الغرق.

وهنا بدأ الجميع يتساءل عن إشارات الاستغاثة التي يطلقها المركب طلباً للنجدة فكانت الإجابة من منظمي الرحلة أنه بالفعل تم إطلاق استغاثة على موجة الراديو الموجودة في كل مركب بالبحر ومنها اللانش الحربي المنوط به مراقبة السواحل المصرية في تلك المنطقة والذي أبلغنا أنه لن يستطيع التدخل لعدم وجود تعليمات بذلك.

ويتذكر رشاد مشاهد الغرق المؤلمة قائلاً "على مدار الساعات الثلاث التي بقيت بها المركب على وجه الماء سمعنا زملاء لنا يقولون إن السلطات الأمنية تمنع الصيادين من النزول للماء وهنا بدأ الجميع يشعر باقتراب الموت".

ومع تمايل السفينة وسقوط البعض داخل المياه، يضيف المتحدث، بدأ الموت يزحف نحونا. شاهدت صرخات وآلام لن أنساها.. أطفال يعجز والدهم عن إنقاذهم وأمهات يصرخن على أولادهن وهم يغرقون أمامهن وشعور باليأس تملك نفوس الجميع واستمر المشهد لساعات حتى حضر مركب الصيد الذي أنقذ الناجين.


الجيش ودوره


وفي شهادة أخرى يروي محمد فتحي -وهو ناج آخر من كارثة السفينة- لـ"هافينغتون بوست عربي" قصته قائلاً "أنا من قرية تسمى الجزيرة الخضراء وهي قرية لا يفصل بينها وبين موقع غرق السفينة سوى أقل من ساعة فالمسافة كلها لا تتخطى 12 كيلو متراً وعلى الرغم من ذلك فإن الجيش منع الصيادين من النزول".

"وبعد خروجي من المياه ذكر لي أحد الصيادين أنه علم أن السفينة تغرق قبل الرابعة عصر الأربعاء – بعد بدء الغرق بأقل من ساعة"، يضيف فتحي.

وأوضح المتحدث أن الحمولة كانت أضعاف ما يمكن أن يتحمله مثل هذا المركب، وأشار فتحي أن بداية ترنح السفينة تعود إلى المشاجرة التي نشبت بين عدد من المهاجرين الأفارقة المتواجدين في ثلاجة المركب الواقعة في بدرومها الأمر الذي أدى إلى اهتزاز المركب وميله يميناً ويساراً حتى تساقط بعض الذين كانوا على سطحه.

وعن كيفية خروجه من المياه قال "ليس صحيحاً أن القوات البحرية هي التي أنقذتنا لأننا خرجنا على ظهر مراكب صيد يمتلكه الأهالي في هذه المدينة".

ظللنا في المياه حوالي 3 ساعات إلى أن وصل أول مركب صيد من مراكب الأهلي، يوضح المتحدث.


الجارية 2 .. سفينة نوح


بدأنا في البحث عن المركب الذي كان بمثابة "سفينة نوح" بعد أن أنقذ 163 شخصاً من ركاب السفينة بعد بدء غرقها. وكشف لنا عنها علاء عمر أحد الصيادين بقرية برج رشيد، حيث قال إن السفينة التي أنقذت الناس في أول يوم هي "الجارية 2" التي يمتلكها الشيخ أحمد حميدة من برج رشيد.

وذكر عمر في حديثه لـ"هافينغتون بوست عربي" أن السفينة كانت تصطاد في البحر منذ السادسة صباحاً من يوم الأربعاء وهو الموعد الوحيد لنزول المراكب للبحر "وما علمته من الصيادين -الذين كانوا على متنها- أنه أثناء عودتهم مروا بالصدفة في موقع الحادث وكان ذلك في السادسة مساء تقريباً وقاموا بإنقاذ كل من رأوه على قيد الحياة في المياه، وكذلك أحضروا معهم 10 جثث من الضحايا"، يقول المتحدث.


مقبرة الثلاجة!


واكتشف صياد برج رشيد عن مأساة جديدة داخل السفينة علم بها أثناء مشاركته في انتشال الضحايا على مدار الأيام الماضية، حيث قال إن "سفينة الصيد التي كان على متنها الركاب يوجد بها 3 عنابر الأول هو العنبر الأمامي وهو العنبر التي تم فتحه صباح أمس وتم استخراج أكثر من 100 جثة منه ولكن الكارثة في الثلاجة التي توجد في منتصف المركب والتي أكد الناجون أنه كان بها حوالي 200 من الهاربين من شباب السودان، ومازالت جثثهم داخل المركب الغارق فلم يتم فتح عنبرهم حتى الآن".

وعن رفض الجيش لنزول المراكب كما روى بعض الناجين قال عمر إن التعليمات لدى حرس الحدود هي نزول مراكب الصيد في السادسة صباحاً وحتى السادسة مساء وممنوع نهائياً خروج أي مركب بعد هذا الموعد.

وبالفعل تم منع الكثير من المراكب خصوصاً التي خرجت من قرية الجزيرة الخضرة والبعض عرض ترك بطاقته والسماح لهم بالإبحار إلا أن هذا تم رفضه من عناصر حرس الحدود، على حد قول عمر.

ولم تتمكن هافنغتون بوست عربي من الحصول على تصريح من قوات حرس الحدود حول ما يتعلق بمنع الصيادين من النزول بمراكبهم لإنقاذ الضحايا بعد السادسة مساء ثلاجة الموتى مقبرة الأفارقة ورغم مرور ثلاثة أيام على الحادث، إلا أنها لم تكن كافية لتنتشل السلطات المعنية ثلاجة سفينة الموت التي ضمت بين حوالي 200 شخص من أصحاب البشرة السمراء أغلبهم من السودانيين وفقاً لروايات الناجين.

وقال أحد الناجين -الذي رفض الإفصاح عن اسمه- إن المركب هو مركب صيد يتكون من ثلاثة طوابق، الأول كان به مهاجرون مصريون مع ركاب من جنسيات أخرى والبدروم أو الثلاجة وتحوي وحدها حوالي 200 شخص آخرين ولا تزال مُغلقة قابعة في قاع البحر، إضافة إلى آخرين كانوا على سطح المركب، ويجمع كل من قابلناهم وخاصة من الصيادين على أن الثلاجة تنتظر من يفتحها الآن.


أسر الشرقية


من الظواهر التي كشفتها كارثة المركب الغارق، هو سفر أسر كاملة من محافظة الشرقية على وجه التحديد، حيث ذكر محمد حسين أحد مسئولي نقطة شرطة مستشفى رشيد، أن هناك أكثر من 10 أسر كاملة يبحث ذووهم عن جثثهم منذ غرق المركب.

وتضم أسرة عشرة تتألف من الأب والأم وأبناءهما الصغار الذين لا تتخطى أعمارهم ثماني سنوات.

وروى حسين في تصريحات خاصة قصة الحاج أحمد الذي قال في المحضر إنه يبحث عن جثامين عائلته بالكامل اثنان من الأبناء ومعهما زوجتاهما وأبناؤهما الخمسة ولم أجد أحداً منهم بين الأحياء حتى الآن.

وتابع حسين "وجدنا من بين الناجين بدر محمد عبد الحافظ من محافظة الشرقية وبعد إعطائه جرعات من العقاقير المهدئة أخبرنا عن وجود زوجته وبناته الثلاث الصغيرات على المركب وكذلك جاره الذين كان يسافر أيضاً مع أبنائه الصغار".

الحاج جمال علي الذي لا يزال يبحث عن أسرة ابنه علي وزوجته غادة وأبنائهما الثلاثة -جمال 6 سنوات وميادة سنتان وأحمد4 سنوات- ومعهم خال الأولاد، قال إنه منذ حضوره مساء أمس لم يجد إلا جثة غادة داخل مشرحة رشيد ثم وجد جثة حفيدته ميادة بأحد مستشفيات البحيرة.

وقال الحاج جمال في تصريحات خاصة، إن "الكثير من أبناء قريتنا بالشرقية سافروا إلى إيطاليا ومعهم أولادهم أملاً في الحصول على الإقامة، وابني عمره تخطى الثلاثين عاماً، ومنذ عام يمر بضائقة مالية ولا يستطيع الإنفاق على أولاده وكنت أنا أصرف عليهم وعندما رفضت سفره قال لي يا أبويا أنا كده كده ميت يبقى أسافر أحسن".


أم علي: وقعت شيكات موت ابني


ووسط صرخات الألم كانت والدة علي تستجمع أنفاسها لتقول "أنا اللي كتبت شهادة وفاة ابني وعياله.. أنا اللي رحت ومضيت على الشيكات حتى يسافر ولم أقدر على منعه بعد أن عجز على توفير مصاريف أسرته منذ أكثر من سنة فهو يعمل نقاشا والحال وقف معاه وخفت على زعله لحد ما مات".

وروت أم علي تفاصيل ظاهرة هجرة الأسر في الشرقية قائلة إن "المندوبين في محافظتنا يبلغون الراغبين في الهجرة أن يصطحبوا ذويهم معهم حتى لا يتم ترحيلهم مرة أخرى إلى مصر وهناك الكثير من أقاربي يعيشون الآن في إيطاليا بعد أن هاجروا إليها عبر البحر"

وتابعت الأم المكلومة "علي ابني لم يدفع إلا 5 آلاف جنيه وأنا وقعت على شيكات لحين تسديد 30 ألف جنيه أخرى بعد وصوله إلى إيطاليا، وهناك أسر دفعت أكثر من 50 ألف جنيه".

Close
"ثلاجة الموت" تحتجز 200 ضحية كانوا داخل المركب
لـ
مشاركة
تغريدة
شارك هذا
إغلاق
الشريحة الحالية