4 هواجس تخيف الغرب من المستقبل.. الدين من بينها

تم النشر: تم التحديث:
SOCIAL MEDIA
Social Media

ضربت موجة من اللاجئين والمهاجرين، هي الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية أوروبا فوترت نسيج مجتمعاتها. كما أن الانتخابات الرئاسية الأميركية قد لفتت أنظار العالم المترقب، إلى التوترات القائمة في أميركا، بسبب الحملة غير الاعتيادية للمرشح الجمهوري دونالد ترامب.
وقد ضيقت دول مثل بولندا والمجر الخناق على الصحفيين والقضاة بدرجات متفاوتة. وجاهدت الحكومات للاستجابة لتحديات التطرف الديني والفجوات المتزايدة في الثروة والدخل.
سخر السيد ترامب، في الولايات المتحدة الأميركية، من التقاليد الديمقراطية مجادلاً بأن الاستعانة بمصادر خارجية من الوظائف إلى جانب الهجرة والإرهاب كل ذلك أدى إلى حدوث فوضى وتعهد قائلاً: "أنا وحدي من يستطيع إصلاح هذه الفوضى".
كان المزاج العام كئيباً، إن لم يكن باعثاً على اليأس، بين المسؤولين الحكوميين والعلماء والناشطين والصحفيين وآخرين من الذين اجتمعوا، الأسبوع الماضي، في منتدى أثينا الرابع للديمقراطية، الذي نظمته صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية. اتفق الحضور على أن الديمقراطية في خطر، بل إن الليبرالية، والحقوق المدنية وحكم القانون، وحماية الأقليات في خطر أكبر.


الشياطين الداخلية


وقال ديميتريس أفراموبولوس، مفوض الاتحاد الأوروبي للهجرة والشؤون الداخلية والمواطنة: "إن الأزمة التي نحن بصددها في الوقت الراهن، أننا بدأنا في التشكيك في الأسس التي قامت عليها ديمقراطياتنا، ألا وهي قيمنا الأخلاقية من الانفتاح والمساواة والحريات الأساسية، ومرونتنا وأهم من كل ذلك، ما يوحدنا ويربطنا معاً".
وقال السيد أفراموبولوس، الذي كان وزيراً سابقاً للخارجية والدفاع في اليونان، إن أعظم تهديد يواجه أوروبا ليس المهاجرين أو الإرهاب، وإنما الشياطين الداخلية. وقال: "إن ما أؤمن أن بإمكانه أن يضعفنا، هو ما يأتي من داخلنا: صعود القومية، والشعبوية والديماغوغية، ورهاب الأجانب.. أي عودة الأشباح المظلمة من ماضينا الحديث".
وقال روجر كوهين، وهو أحد كتاب الأعمدة في "نيويورك تايمز"، والذي ألقى كلمة الافتتاح، إن المؤتمر نفسه كان ينظر إليه على أنه "احتفال واثق بالديمقراطية، لكنه بدلاً من ذلك صار "استجواباً قلقاً" لها.
وأضاف كوهين: "إنني متشائم على المدى القصير، لكنني أشعر بالتفاؤل على المدى البعيد، خصوصاً وأنني لن أكون حينها على قيد الحياة لأرى ما إذا كنتُ مخطئاً". وقال إنه متشائم لأن "المشكلة عميقة، ولم يعد من الممكن تجاهلها، كما لا يمكن إصلاحها في وقت قصير".
وقال كوهين إن هناك بعض الحقيقة في النقد القائل إن النخب السياسية والاقتصادية قد خذلت مواطنيها بعمق. إن التجارة الحرة والهجرة واسعة النطاق قد وفرتا مكاسب ضخمة للنخبة، لكن الازدهار الذي قد يصل إلى الطبقات الوسطى والدُنيا هو أمر بعيد المنال.
من نتائج كل ذلك: القلق الذي أدى إلى قرار بريطانيا، في استفتاء الـ23 من يونيو، بالخروج من الاتحاد الأوروبي، وصعود السياسيين القادمين من خارج المؤسسات الحزبية الراسخة مثل دونالد ترامب، وزعيمة اليمين المتطرف في فرنسا مارين لوبان.
أما فيما يتعلق بالمدى الطويل، فإن السيد كوهين متفائل، إذ يقول: "إن فكرة الديمقراطية راسخة".
كانت هناك أربع لجان مناقشة في قلب المؤتمر في الـ15 من سبتمبر/أيلول، تناقش التقاطع بين الديمقراطية والهجرة، والسلطوية والرأسمالية والدين. فيما يلي أبرز النقاط:


الهجرة


هل المجتمعات الديمقراطية مؤهلة للتعامل مع حركات واسعة النطاق من البشر الفارين من الاضطهاد والعنف؟
يقول سترافوس لامبرينيديس، الممثل الخاص للاتحاد الأوروبي لحقوق الإنسان، ووزير الخارجية اليوناني السابق: "لا يجوز أبداً تحت أي ظرف أن تغلق بابك أمام شخص جريمته الوحيدة هي أنه ولد في إقليم فقير أو بلد مزقته الحرب. وفي الوقت ذاته، لا بد أن تتأكد من معالجتك للأسباب الجذرية لهذه المشكلات".
وعبَّر ماريو مونتي، رئيس الوزراء الإيطالي السابق، والعضو السابق في المفوضية الأوروبية، الذراع التنفيذية للاتحاد الأوروبي، عن أسفه من أن "طبيعة الخطاب السياسي قصيرة المدى" قد جعلت من الصعب، على نحو متزايد، الانخراط في هذا النوع من المناقشات السياسية العاقلة الدقيقة والضرورية للتعامل مع الموضوعات الشائكة.
وقال لوكاس باباديموس، الخبير الاقتصادي ورئيس الوزراء اليوناني السابق إنه "ليس من الواقعي فتح الأبواب بشكل مطلق" لكنه حث على الاعتراف بالفوائد طويلة المدى للهجرة وهي: تجديد قوة العمل اليونانية المسنة، ودعم أنظمة الرعاية الاجتماعية والتقاعد، ومساعدة الأعمال الناشئة.
وقال السيد لامبرينيديس، إن حقوق المهاجرين ينبغي موازنتها مع حاجات الحفاظ على أمان المجتمعات التي تستقبلهم، بنفس القدر من الجهد الذي ينبغي به الموازنة بين الجهود المبذولة لرفع الناس من الفقر وأثر ذلك على البيئة. وأضاف: "إن الأمن المستدام، مثله مثل التنمية المستدامة، ينبغي أن يصبح النموذج الجديد".
وقد عبر السيد باباديموس عن قلقه حيال مستقبل المشروع الأوروبي، قائلاً إن النزاعات خارج أوروبا، والهجرة الناشئة عنها، "يهددان التماسك" الأوروبي ويهددان بتحويل "حجر الأساس" من القيم التي بني عليها الاتحاد الأوروبي إلى "رمال متحركة".
ويرى السيد مونتي دلائل على أن "التكامل الدولي يرجع إلى الوراء، بسبب أن المجتمعات بدأت تنقلب على مبدئي حرية الحركة للبضائع والأشخاص".
وأشار إلى فقدان القيادة في أوروبا قائلاً: "بينما كانت الدول الأعضاء في الماضي تعتبر أوروبا استثمارا ضخما يصب في مصلحتها على المدى البعيد، فإن معظم القادة الآن يرون أوروبا بضاعة استهلاكية مفيدة يمكن الضغط عليها من أجل توليد المزيد من التوافق السياسي الداخلي على المدى القصير".


السلطوية



نجح المرشحون، الذين يعِدون بإصلاحات سريعة من خلال القوة المحضة لشخصياتهم، في ظل تعثر الديمقراطية، في أسر مخيلة الناخبين. أدارت أليسون سميل، مديرة مكتب "نيويرك تايمز" في برلين، النقاش حول جاذبية "الرجل القوي" (دائماً ما يكون هذا النوع من المرشحين ذكوراً).
وتذكرت إيليني تساكوبولوس كونالاكيس، التي كانت سفيرة للولايات المتحدة في المجر من 2010 إلى 2013، صعود فيكتور أوربان، الذي أصبح رئيساً للوزراء بعد وصول كولاناكيس إلى بودابست بشهور قليلة.
وقالت إن الحكومة السابقة له، تحت قيادة الاشتراكيين، كانت قد فقدت مصداقيتها بشكل واسع بعد الأزمة المالية العالمية، واكتسح السيد أوربان وصولاً إلى السلطة بعد أن حض الناخبين على إعطاء حزبه القومي المحافظ (فيدسز) الغالبية العظمى في البرلمان.
وبمجرد وصول السيد أوربان إلى السلطة أصدر تشريعاً يستنكر معاهدة تريانون، التي رسمت حدود المجرد عام 1920، بعد الحرب العالمية الأولى، في الوقت الذي قام فيه بتعزيز سيطرة الحكومة على وسائل الإعلام، والقضاء، والجامعات والحكومات المحلية، حتى أن السيد أوربان قد اعتنق مصطلح "الديمقراطية غير الليبرالية" مجادلاً بأن تفويضه من قبل الناخبين (أعيد انتخابه 2014) يبرر القيود التي وضعها على الحقوق والحريات المدنية.
وقالت كونالاكيس إن السيد أوربان قدم مثالاً قلدته حكومة أقصى اليمين التي وصلت إلى السلطة في بولندا، العام الماضي.
ووصفت كريستيان أمانبور، الصحافية بشبكة سي إن إن، خبرتها في محاورة "الرجال الأقوياء" مثل روبرت موغابي، رئيس زيمبابوي لوقت طويل، وحسني مبارك، الرئيس المصري الذي أطيح به عام 2011، والعقيد معمر القذافي، الزعيم الليبي الذي قتل على يد الغوغاء عام 2011، والرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، الذي قاد تحولاً سلطوياً في تركيا.
وقالت أمانبور: "لقد تحاورت مع العديد من هؤلاء الناس الذين وصلوا للسلطة بصفتهم ديمقراطيين ثم تحولوا إلى سلطويين، وحكام دائمين" ووصفت غضب السيد أردوغان عند سؤاله عن طلبه أن تقوم ألمانيا بمقاضاة كاتب سخر منه قائلة: "كان مصدوماً من أنني تجرأت وسألته سؤالاً كهذا".
وقالت السيدة أمانبور، التي نشأت في إيران عندما كان يحكمها شاه مستبد، إن التحكم في وسائل الإعلام كان النقطة الأولى على جدول الأعمال السلطوي. وأضافت: "لم يكن لأحد من أولئك السلطويين أن يحصل على ما يسمى نجاحاً دون مساعدة وسائل إعلام مطواعة" وأشارت إلى تضييق الخناق على الصحافة في روسيا وبولندا وتركيا وأماكن أخرى.


الرأسمالية



إن المخاوف حول قدرة الحكومات على كبح جماح الرأسمالية قد ظهرت إلى الواجهة أثناء الأزمة الاقتصادية العالمية في 2008، ولا تزال تتردد أصداؤها في الغرب حتى الآن.
وقال ياشينغ هوانغ، أستاذ الاقتصاد العاملي بمدرسة سلون للإدارة بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، متحدثا في اللجنة التي أدارها بول كروغمان، الكاتب في "نيويورك تايمز"، والحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد، إن إغراء رجل الأعمال القوي لم يكن مفاجئاً لأن العديد من المدراء التنفيذيين "يحكمون شركاتهم" بطريقة حكم الزعماء الذين لا يُرّد قولهم.
وقال يانيس فاروفاكيس، وزير المالية اليوناني السابق، وأحد أشهر النقاد المعروفين للتقشف الاقتصادي في أوروبا، إن هناك ثلاثة تهديدات للديمقراطية من تزايد نفوذ رجال الأعمال: القطاع المصرفي (الذي ساعد في التسبب في الأزمة الاقتصادية)، ووسائل الإعلام (التي تزداد قوتها بشكل مطرد) والاحتكارات (التي تتحدى قوتها المتعاظمة محاولات التنظيم والسيطرة). وقال: "أنا متخوف من أن المجال الديمقراطي السياسي لا يسير على ما يرام".
ولم يُلقِ السيد فاروفاكيس باللائمة على رجال الأعمال في مسألة السياسات التقشفية، التي يعتقد أنها ساهمت في إحداث سلسلة من الأزمات الاقتصادية في اليونان. وقال: "من واقع خبرتي في أوروبا، فإن رجال الأعمال كانوا أكثر تقدمية في طلبهم إنهاء حالة التقشف، وهم، حتى اليوم أكثر تقدمية من الحكومات".
هل يؤدي التقدم الاقتصادي في النهاية حتماً إلى إصلاحات ديمقراطية، كما نظّر لذلك سيمون مارتين ليبست وعلماء سياسة آخرون في العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية؟
إن السيد هوانغ لي متفائل حيال ذلك الأمر، إذ قال: "قبل القيادة الحالية، كان لدى الصين جيل من الزعماء الذين لم يكونوا ديمقراطيين، لكنهم كانوا يميلون ناحية الاتجاه الليبرالي"، لكن ذلك توقف مع وصول شي جين بيغ، القائد الأعلى للصين منذ العام 2012.
وأضاف السيد هوانغ: "هذه إحدى أكبر المشكلات مع النظام السلطوي، لأن عملية اختيار القيادة لا يمكن توقعها بشكل كبير. لم يكن أحد يعرف صفات القائد الحالي قبل اختياره، وبالتالي فقد كانت لديه مساحة كبيرة للمناورة، واختار هو الرجوع إلى الوراء". وأضاف أن الثقة في القطاع الخاص في الصين تتناقص، والناس يأخذون الأموال خارج البلاد.


الدين



قالت القس كلوي براير، قس الكنيسة الأسقفية والمدير التنفيذي لمركز حوار الأديان بنيويورك، معبرة عن الاعتقاد الشائع في الولايات المتحدة بأنه: "كلما استطاع الناس من معتقدات مختلفة التفاعل والوصول لهدف مشترك، كان ذلك أفضل للديمقراطيات".
وقال سيرجي شميمان، أحد أعضاء الهيئة التحريرية بـ"نيويورك تايمز"، والذي أدار ذلك النقاش، إنه يريد الابتعاد عن المناقشات المعتادة حول الإسلام ودوره في الحياة العامة. ودعا شميمان اثنين من الرجال المولودين في الاتحاد السوفييتي هما: ناتان شارانسكي، الناشط اليهودي لحقوق الإنسان الذي يرأس حالياً "الوكالة اليهودية من أجل إسرائيل"، وسيرجي تشابنين، المحرر السابق للجريدة الرسمية "موسكو باترياركات"، الناطقة باسم مجلس الكنيسة الأرثوذكسية، للحديث عن سوء استخدام الدين.
قال السيد شارانسكي إنه أثناء فترة عمله كمعارض حقوقي، "كان المتدينون أقوى وأفضل حلفائنا".
وعبر السيد تشابنين عن أسفه لاستمالة الكنيسة الأرثوذكسية الروسية من قبل حكومة الرئيس فلاديمير بوتين".
وقال إنه عندما تغيرت هوية الحكومة الروسية من "دولة ديمقراطية إلى إمبراطورية"، فإن مسؤولي الكنيسة وافقوا على تحويل اعتقادهم إلى "كنيسة الإمبراطورية". وأضاف: "عندنا نوع من الدين المدني ما بعد السوفييتي، معتمد على الإرث الأرثوذكسي، أو يضم عناصر أرثوذكسية، لكن في الحقيقة فإن هذا لا يمثل الروح الحقيقية للدين" وأضاف إنه يعتقد أن "الكنيسة في أزمة حالياً".

أما فيما يتعلق بخطر التطرف الديني على الديمقراطيات الليبرالية، فقد قالت السيدة براير عن المجتمعات الغربية: "ينبغي أن نكون أقل اعتذارية حيال تعليم الأشياء الجيدة عن العلمانية، والتنوير، للناس المتدينين جداً والذين لم يتعرفوا بالضرورة على تلك القيم من قبل. لا ينبغي لنا أن نعامل التقاليد كما لو كانت شيئاً ثابتاً".

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The New York Times الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.