سرُّ قوّة بوتين.. فكّك عزلة روسيا وأنقذ الأسد وفضح أسرار أميركا.. فهل يستعيد الماضي السوفييتي؟

تم النشر: تم التحديث:
S
s

يبدو أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هو الرجل الذي يستحق المتابعة على المنصة العالمية هذه الأيام، إذ إن الرئيس الروسي الواثق يحاول أن يظهر بأنه صانع سلام، حتى وإن كان الدور الذي يلعبه مثيراً للمشاكل.

من الفضاء الإلكتروني إلى الشرق الأوسط، أعاد بوتين ترتيب جزء كبير من الأجندة الدولية، كما أبقى الولايات المتحدة وحلفاءها في حالة غير متزنة، فضلاً عن محاولته لتجاوزهم في كثير من الأحيان بعد أن تبادل عبارات المجاملة والمديح مع المرشح الجمهوري الأميركي دونالد ترامب، حسب تقرير لصحيفة لوس أنجلوس تايمز الأميركية.


الاتحاد السوفييتي


قال كليف كوبشان، أحد الخبراء الروس ورئيس منظمة "أوراسيا جروب" لتحليل المخاطر السياسية والتي تتخذ من نيويورك وواشنطن مقراً لها، إن بوتين "يرغب في استعادة روسيا لتأثيرها في العالم كما كان أيام الاتحاد السوفيتي".
ومن المتوقع أن يُراقب الخطاب الذي يلقيه الرئيس بوتين يوم الجمعة أمام الجمعية العامة 23 سبتمبر/أيلول 2016 للأمم المتحدة، أكبر المنصات الدولية، عن كثب؛ أملاً في أن يحمل دلالات ممكنة لخططه وتطلعاته المستقبلية.


إنقاذ الأسد


تسبب التدخل العسكري الروسي، الذي بدأ منذ عام تقريباً، في قلب موازين القوى بالحرب الأهلية الدموية التي تدور في سوريا. فقد أنقذ ذلك التدخل بشار الأسد المتورط في تلك الحرب، والذي قال أوباما عنه إنه لا بد أن يرحل، كما جعل روسيا تسيطر على مستقبل سوريا بدرجة كبيرة.


فلسطين


يحاول بوتين في الوقت الحالي أن يصارع واشنطن على دور الوساطة الحصري والمستمر منذ زمن طويل، الذي تلعبه الولايات المتحدة في مشهد الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

دعا الرئيس الروسي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ورئيس السلطة الفسلطينية محمود عباس إلى جلسة محادثات في موسكو الشهر المقبل (أكتوبر/تشرين الأول 2016 ) ، وقد قَبِلَ كلاهما الدعوة. أما البيت الأبيض، الذي حاول أن يؤدي دور الوساطة في اتفاق السلام خلال فترة أوباما الأولى وفشل في ذلك، يشغل الآن مكاناً بالمقاعد الجانبية لذلك المشهد.

وقال جيمس كولينز، السفير الأميركي لدى موسكو في الفترة من 1997 و 2001، والذي يعمل الآن باحثاً كبيراً في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي "إنه -بوتين- ملتزم باستغلال الفرص التي تساعده على تعزيز الدور الروسي عالمياً، وكذلك الوقوف ضد أي قضية قد تبدو خاسرة".


انحسار الاقتصاد


على الرغم من انحدار الاقتصاد الروسي، حقق بوتين نجاحاً كبيراً في طموحه لجعل روسيا قوة عالمية مرة أخرى. إذ إنه تدخل مراراً وتكراراً في القضايا التي فشلت السياسية الأميركية في معالجتها أو أبدت عدم جدواها أو غياب دورها من الأساس، وذلك حسب ما يقول محللون.


القرم


وتساعد تلك التحليلات في شرح قرار بوتين لضم شبه جزيرة القرم من أوكرانيا في عام 2014، وكذلك الدعم العسكري للمتمردين المؤيدين لروسيا في البلاد التي استقلت عن الاتحاد السوفيتي، وأيضاً زعزعة استقرار الحكومة المنتخبة في كييف. وقد تسببت تلك التحركات في أن تجعله منبوذاً في الغرب، إلا أن شعبيته ارتفعت في الداخل.


إيران


رغم تعاون موسكو وواشنطن في المفاوضات حول الاتفاق النووي التاريخي مع إيران، إلا إن بوتين أغضب البيت الأبيض بعد تعزيز العلاقات الدفاعية مع طهران. حتى أن المقاتلات الروسية استخدمت لفترة إحدى القواعد الجوية الإيرانية لشن الهجمات على قوات المعارضة في روسيا خلال الصيف.


يكره الولايات المتحدة


يقول الأشخاص الذي قضوا أوقاتاً مع بوتين إنه يعلن صراحة كرهه للولايات المتحدة وعدم ثقته فيها. وتَشكّل موقفه من جراء ما يراه ازدراءً، مثل توسع التحالف العسكري لحلف الناتو على طول الحدود الروسية والذي تدعمه الولايات المتحدة.

يعتقد مسؤولو الاستخبارات الأميركية أن بوتين عاقب الولايات المتحدة بالهجمات الإلكترونية التي تتعرض لها المؤسسات السياسية والشخصيات السياسية البارزة، مثلما فعلت الولايات المتحدة عندما أجرت وكالات التجسس الأميركية مراقبة رقمية سراً على القادة السياسيين الروس.

ويكمن الفرق في أن رسائل البريد الإلكتروني الأميركية سُرّبت في مناسبات متكررة، بما في ذلك عمليات الاختراق الموسعة التي تعرضت لها اللجنة الوطنية الديمقراطية. إذ يخمن المسؤولون الأميركيون أن بوتين، الذي أنكر دوره في تلك الهجمات، يسعى إلى تقويض الثقة في النظام السياسي بالولايات المتحدة.
ضربت سوريا المثل الأبرز على عودة روسيا تحت حكم بوتين للاستيلاء على زمام المبادرة. إذ إن سوريا تستضيف القاعدة البحرية الروسية الوحيدة الموجودة في مياه أجنبية، فضلاً عن أنها الحليف الرئيسي لموسكو في الشرق الأوسط.

في منتصف عام 2015، بعد مرور أربع سنوات على الحرب في سوريا، كان الأسد يستنفد طياريه وذخيرته بعد أن وصل المقاتلون الإسلاميون والمعارضة المدعومة أميركياً إلى معاقل قوات الأسد في شمال غرب سوريا.


كيف أنقذ الأسد؟


وبحلول سبتمبر/أيلول 2016، اعتقد مسؤولو الاستخبارات الأميركية أن زمام السلطة ينفلت من يد الأسد. وبينما كان الضرر الذي تعرضت له قوات الأسد كان يمكن تداركه، اعتقد المحللون الأميركيون أن ثمة نقطة لا رجوع بعدها تقترب في الأُفق.

لم يختلف تقييم بوتين للموقف عن ذلك الرأي، وقرر أن يرسل الطائرات، والمدرعات، والقوات الروسية الأخرى لدعم الأسد، وذلك وفقاً لما قاله أحد المسؤولين الأميركيين الذي وضح التحركات الاستخبارتية، لكنه تحدث بشرط عدم الإفصاح عن اسمه.

رفعت الضربات الجوية الروسية ضد قوى المعارضة المسلحة، وضد الأهداف المدنية أيضاً، من الروح المعنوية للجيش السوري. كما ساعدت موسكو في إرشاد القوات البرية التي تنتمي إلى إيران وحزب الله، والتي خففت من وطأة الضغط الذي يتعرض له الأسد، فضلاً عن مساعدة قواته في إعادة ترتيب صفوفها وأسلحتها.

في الوقت الذي كانت فيه قوات الأسد تستعيد الأراضي التي فقدتها، كان وزير الخارجية الأميركي جون كيري ونظيره الروسي سيرغي لافروف يتفاوضان لبدء وقف إطلاق النار في سوريا الأسبوع الماضي. وضعت تلك الاتفاقية الهشة روسيا في موقف يسمح لها بالفصل في الخروقات التي تشوب الهدنة، مما أعطاها وزناً مساوياً لوزن الولايات المتحدة في تطورات الأحداث.

لذا، فقد أنهى الرهان العسكري لبوتين في سوريا حالة العزلة الدبلوماسية التي واجهتها روسيا منذ ضم شبه جزيرة القرم قبل عامين.
قال ديمتري جورينبيرغ، أحد خبراء "مركز التحليلات الملاحية" CNA، وهو مركز بحثي غير هادف للربح يتخذ من مقاطعة أرلنغتون بولاية فيرجينيا مقراً له، إن روسيا "أدخلت نفسها حقاً في العملية السياسية بالشرق الأوسط بطريقة لم يسبق لها القيام بها منذ الحرب الباردة".

وأضاف جورينبيرغ أن موسكو بثت إشارة من سوريا تقول "إننا لدينا حلفاء وإن كانوا في حاجة لمساعدتنا، فسوف نأتي لمساعدتهم".


استعراض الأسلحة


كما استغلت روسيا الحرب لاستعراض تقدمها في مجال الصناعات العسكرية، بدءاً من صواريخ كروز وحتى الأسلحة الموجهة بالأقمار الصناعية. فقد حركت حاملة طائرات "الأميرال كوزنستوف" على الشواطئ السورية لكي تشن غارات جوية، لتظهر قدرتها على نشر طائرات تقلع من البحر.
إلا أن المساعدة الروسية للأسد تتم بحدود. إذ إن بوتين أبدى عدم رغبته في إمداد الدعم الجوي لشن هجوم موسع يهدف إلى استرداد معاقل تنظيم الدولة والمعارضة المسلحة في شرق سوريا.

وعليه فلم يتوصل بوتين بعد إلى حل للغز الأكبر المتعلق بطريقة إنهاء القتال ومن يستطيع أن يحكم سوريا، حسب ما قال جون برينان، مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية "سي آي ايه"، خلال أحد المؤتمرات الأمنية في يوليو/تموز 2016.

كما أوضح قائلاً "أرى أن بوتين يلعب التشيكرز هنا، في حين أنها لعبة شطرنج خماسية الأبعاد".

وأضاف برينان "أعتقد أنه استخدم القوة الغاشمة إن تحدثنا عن سوريا أو عن أوكرانيا. وهو يأمل أن تذهب قطع الشطرنج إلى المكان الصحيح. والآن، أعتقد أنه قادر على إحراز قدر عادل من التقدم التكتيكي، ولكن طالما نراهن على الجهود طويلة الأجل، لا أزال أثق في نجاح مساعي الولايات المتحدة".
ربما تجرأ بوتين؛ بسبب التقدم الذي أحرزه في سوريا، لأن يتدخل في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وهي المعضلة التي حيرت أجيالاً من الدبلوماسيين.


وساطة بين محمود عباس وبنيامين نتياهو


في مطلع شهر سبتمبر/أيلول 2016، أرسل بوتين نائب وزير الخارجية إلى القدس لكي يدعو كلاً من محمود عباس وبنيامين نتياهو لعقد قمة في موسكو. وحتى إن فشلت تلك المساعي، وفقاً لتوقعات المحللين، فإنها تشكل تحدياً أمام صدارة الولايات المتحدة، كما أنها خطوة أخرى لدفع روسيا نحو تعزيز مركزها بين القوى العالمية.
في دراسة للدبلوماسي الإسرائيلي السابق زفي ماجن والجنرال المتقاعد أودي ديكل لمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، كتبا فيها "إن تلك المبادرة تعكس النوايا الروسية لأن يكون لها اليد العليا في الشرق الأوسط وفي تقوية أواصر العلاقات مع البلاد العربية".

كما أضافا "في ذات الوقت، ترغب روسيا أن تثبت مرة أخرى أنها تنجح في لعب دور الوساطة الذي فشل فيه الغرب والولايات المتحدة".

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة Los Angeles Times الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.