المغرب يعيد فتح أقدم مكتبة في العالم.. أسستها امرأة وبها نسخة من القرآن مكتوبة على جلد الجمل

تم النشر: تم التحديث:
SOCIAL MEDIA
social media

بعد سنوات من الترميم، أعيد افتتاح مكتبة القرويين – التي تعود إلى القرن التاسع في شمال شرق المغرب - مع نظام أمني مشدد وقناة تحت الأرض جديدة لحماية المخطوطات الثمينة.

يحدق أحد العاملين منبهراً بالباب الحديدي ذي الأربعة أقفال القديمة. في الخارج، تشرق شمس المغرب لتطل أشعتها نحو الأسفل على البلاط المزخرف الملون في "خزانة القراويين"، التي تقع في المدينة القديمة في فاس. ويعتقد إلى حد كبير أنها أقدم مكتبة في العالم - وقريباً ستكون مفتوحة للجمهور مرة أخرى.

تقرير نشرته صحيفة الغارديان البريطانية، الإثنين 19 سبتمبر/أيلول 2016، نقل عن"عزيزة شاوني" من مواليد فاس وهي المهندسة المكلفة بترميم المكتبة الضخمة، قولها: "لقد كان مثل التئام الجروح".

وعُثر على الباب الحديدي على طول الممر الذي ربط فيما مضى المكتبة مع مسجد القرويين المجاور، حيث كان مركزان للتعلم والحياة الثقافية في مدينة فاس القديمة. احتفظ في داخلها بالمجلدات الثمينة في مجموعات، ويوجد لكل قفل من الأربعة مفتاح مختلف ووزعت هذه المفاتيح على 4 أشخاص لذلك عند فتح الباب يجب أن يتواجد الأربعة معاً.

تتميز المكتبة المرممة بنظام الصرف الصحي الجديد وقناة تحت الأرض بعيداً عن الرطوبة التي قد تهدد بتدمير العديد من المخطوطات الثمينة، بالإضافة إلى مختبر متطور لمعالجة المخطوطات والحفاظ عليها ورقمنة أقدم النصوص.

كما تضم مجموعة من الآلات المتطورة تشمل الماسحات الضوئية الرقمية التي تحدد الثقوب الصغيرة جداً في لفافات الورق القديمة، وآلة حافظة تعالج المخطوطات بسائل يرطبها بما يكفي لمنع التشقق.

وفي غرفة خاصة ذات إجراءات أمنية صارمة وضوابط لدرجة الحرارة والرطوبة، توجد معظم الأعمال القديمة والتي من ضمنها نسخة القرن التاسع للقرآن الكريم، مكتوبة بالخط الكوفي المزخرف على جلد الجمل.

تنتشر الكتب القديمة في غرفة القراءة، تبدو النسخ ضعيفة ومغطاة بالغبار، فقد أصبحت مهترئة بعد سنوات من الإهمال. وقد غُلفَّت بعضها لحمايتها من التفتت في يدي من يحملها.

ويقول أحد العاملين في المكتبة: "الناس الذين يعملون هنا يشعرون بالغيرة أثناء حراسة الكتب، يمكنك أن تلحق الضرر بنا، ولكن لا يمكن أن تضر الكتب".

ويأتي ترميم المكتبة في وقت يتجول فيه الجهاديون في المناطق الأثرية في سوريا والعراق، نفذ المسلحون من تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" العديد من الفظائع الوحشية الثقافية التي تشمل نهب المكتبة الكبيرة في الموصل، وحرق آلاف من المخطوطات، وتدمير المدن الآشورية القديمة مثل نمرود والحضر في العراق، وتفجير معبد بل في تدمر، ونهب متحف مدينة الواحة في سوريا، بالإضافة إلى تدمير مقابر وأضرحة الشيعية والقديسين المسيحيين.

تبدو تلك الأحداث الشائكة عالماً بعيداً عن المغرب، التي تمكنت من البقاء في سلام من الاضطرابات التي اجتاحت المنطقة وأسقطت بعض الأنظمة. قدم الملك الإصلاحات التي استرضت ما يكفي من الطبقة الوسطى دون تفويض الكثير من السلطة للبرلمان الذي يهيمن عليه الإسلاميون، واستعيد السلام إلى حد كبير بعد سلسلة من الاحتجاجات في أوائل عام 2011.

في عام 2012، طلبت وزارة الثقافة - التي تدير مكتبة وجامعة القرويين - من "شاوني" تقييم المكتبة، وكانت مفاجأة سارة لها عندما مُنحت شركتها المختصة بالهندسة المعمارية هذا التعاقد، في مجال يسيطر عليه الرجل.


تأسيسها


social media

تأسست مكتبة القرويين أيضاً من قبّل امرأة في القرن التاسع هي "فاطمة الفهري" ابنة تاجر ثري من القيروان في تونس، وصلت فاس وبدأت وضع الأساس لمجمع شمل مكتبة، ومسجد القرويين، وجامعة القرويين، الذي يُعد أقدم مؤسسة للتعليم العالي في العالم، وكان من الخريجين الفيلسوف اليهودي موسى بن ميمون، والمؤرخ المسلم الكبير ابن خلدون، والدبلوماسي الأندلسي لليون الإفريقي.

من سقف المكتبة تمتد المدينة القديمة في فاس، حيث تحتشد شوارعها الضيقة مع الحياة لتشاهد حركة السكان على الرغم من الصيام مع حرارة الجو، مساومات المتسوقين للمنتجات الجلدية المصنوعة في المدابغ القديمة، ويتناغم عمل الحدادين وصناع النحاس في ورش عملهم مع رائحة الجلود المدبوغة ونداء الصلاة، وكأن الوقت لا يزال متوقف هناك.

وصرح الحرفيون بأنه من الصعب كسب العيش في هذه الأيام، مع ارتفاع أسعار المواد الخام وإغراء السلع الرخيصة ذات الإنتاج الضخم الذي يجذب الزبائن، ولكنهم لا يزالون يعملون بجد كل يوم بعيداً عن صخب الحياة في وسط مدينة فاس الأكثر حداثة.

وتتذكر عزيزة شاوني: "كيف سافر جدها الأكبر على بغل من قرية أجداده في المغرب للدراسة في جامعة القرويين في القرن التاسع عشر، حيث كانت المكتبة إحدى منازله لقد كانت هالة نورانية".

نشأت في فاس، وكانت شاوني تزور عمها الأكبر في كثير من الأحيان في ورشة عمله في حي النحاسين والتي على مرمى حجر من المكتبة، وحين شاهدت الباب الضخم المغلق عند المدخل تساءلت عن ما يكمن وراءه! والآن وهي في مهمة ترميم المكتبة واستعادتها، تريد أن تفعل أكثر من مجرد ترميم وإصلاح البلاط المكسور.

وأضافت: "يجب أن تستمر الحياة، آمل أن تفتح المكتبة قريباً، ويأتي الجمهور ويستمتع برؤية المخطوطات للمرة الأولى، ولكن أتمنى أيضاً أن يتعامل الناس من فاس مع المكان مثل منزل ثان لهم، قيمة المكتبة ليست الحفاظ عليها للسياح، بل في أن تؤدي عملها".

عمل المهندسون على تحديد السلامة الهيكلية للمكتبة، وترميم جزء من الخشب مع محاولة الحفاظ على أكبر قدر من ذلك قدر الإمكان، وقد ساعد في ذلك إجراء فرنسا لمشروع ترميم كبير في عام 1940 بهدف السماح لغير المسلمين للدخول إلى المكتبة، كما قامت بتركيب الثريا الجديدة في غرفة القراءة، وقاعة عالية السقف مع مكاتب خشبية مصقوة ومقاعد بالإضافة إلى النقوش المعقدة على أعمدتها.

ومن المتوقع أن يعاد فتح المكتبة للزوار في وقت لاحق هذا العام، في البداية كان متوقع الافتتاح في صيف عام 2016، ثم سبتمبر/ أيلول ثم تراجع عن هذا الموعد. على أي حال لم يتم تحديد موعد محدد، ولكن يثق المهندسون المعماريون أنه لن يحدث قبل عام 2017، ودليل على اهتمام واستثمار السلطات في ترميم المكتبة قد تفقد الملك محمد السادس العمل في يونيو/حزيران، ومن المتوقع أن يدشن الملك إعادة فتح المكتبة.


استعادة فاس مكانتها


social media

أعمال تجديد المكتبة هي خطوة بداية من خطة لاستعادة فاس إلى مكانتها كعاصمة روحية وثقافية كما كانت لعدة قرون، حتى أصبحت الرباط مركزاً للحياة السياسية حينما كانت المغرب لا تزال تحت الحماية الفرنسية. ترك العديد من المفكرين والمثقفين مدينة فاس، وربما كان منع تجديد وتحسين المدينة القديمة من حسن الحظ مما جعلها تحافظ على رونقها القديم حتى يومنا هذا.

الآن يتم إجراء تجديدات في أماكن أخرى من المدينة، وضخت المهرجانات الموسيقية والصوفية أيضاً مع دماء جديدة، حيث يعيد الشباب اكتشاف المدينة طوال العام، كما يتم إعداد خطط لإقامة معرض يضم أثمن مجموعات في المكتبة.

ولكن بالنسبة لشاوني، تعني فلسفة العمارة المستدامة أن المكتبة لا يمكن أن تبقى مجرد أثر من العصور الماضية، ولكن يجب أن تصبح جزء من المدينة، مثل الكثير من المدن القديمة التي لا تزال مأهولة بالسكان.

وهي فلسفة تأخذها على محمل الجد كما وضعت شاوني خطة لاستعادة النهر في فاس، الذي كان يعرف باسم نهر المجوهرات والذي غُمر تدريجياً بالنفايات من المدابغ المحلية ومياه الصرف الصحي من المناطق السكنية المحيطة، ومن ثم تغطيته جزئياً بالخرسانة والقمامة. النهر قادم ببطء إلى الحياة الآن.

"أود أن يستطيع أطفالي رؤية هذا التراث، تتذكر في طفولتها كانت بالكاد ترى الجدران داخل المجمع”.

وتضيف أيضاً: "إن مدينة فاس لديها أكبر شبكة للمشاة وأكبر عدد من المباني التاريخية في الداخل، وأعتقد أنها كما هي نموذج هي أيضاً مدينة للحياة، فهي ليست مجرد مدينة للسياح، أجل لا تزال في تحديث وتعديل، وكما هي مدينة للمشاة فهي نموذج رائع للاستدامة".

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.