أميركا تنتقي الكفاءات السورية في تركيا لإعادة توطينها فقط.. والأتراك منزعجون لتجاهل "المعوزين"

تم النشر: تم التحديث:
S
s

يرى مسؤولون أتراك بأن الفئات الأكثر عوزاً أولى بإعادة التوطين. وآخرون يتساءلون هل تجعل الدرجات العملية اللاجئين أقل عوزاً.

مُنع أكثر من 1000 لاجئ سوري بتركيا من الحصول على فرصة لإعادة توطينهم بالولايات المتحدة ودول أخرى لأنهم حاصلون على شهادات جامعية.

وكان المسؤولون الأميركيون صدّقوا على طلبات إعادة توطين اللاجئين، قبل أن تمنعهم السلطات التركية من المغادرة، إذ مُنع بعضهم قبل أيام من تاريخ مغادرته إلى الولايات المتحدة المتهمة بانتقاء اللاجئين.

وزادت تلك الأخبار من تعقيد قمة الأمم المتحدة في نيويورك، التي تتناول إعادة توطين اللاجئين، والتي رُوج لها كثيراً، حيث يجري تشجيع الدول المتقدمة على إعادة توطين عدد أكبر من اللاجئين الذين يعيش 86% منهم بالدول النامية، وفق تقرير نشرته صحيفة الغارديان البريطانية.


الولايات المتحدة تنتقي اللاجئين أصحاب الشهادات العلمية وتترك الآخرين


تعوّل بعض الدول مثل تركيا، أكثر الدول استقبالاً للاجئين، على مشاركة الدول الغربية في تحمل مسؤولية تلك الأزمة. إلا أن اختيار اللاجئين الحاصلين على درجات علمية وترك الآخرين على طريقة الولايات المتحدة يبدو أنه أزعج الأتراك الذين يرفضون الانتقاء.

وقال أحد المسؤولين الأتراك البارزين في مقابلة مع صحيفة الغارديان "نحن نعتقد أن اللاجئين الأكثر عوزاً في حاجة للمساعدة قبل الآخرين".

إلا أن بعض المتأثرين بالقرار تساءلوا عما إذا كانت درجة العوز تُحدد وفقاً للدرجة العلمية التي يمتلكها الشخص وحسب.

تقدَم الزوجان الكرديان لورين وشيرو، بطلب لإعادة توطينهما مع أطفالهما الثلاثة بالولايات المتحدة، في أبريل/نيسان 2014، بعد أن دُمر منزلهما في حلب. استغرقت العملية ما يقرب من عامين وتضمنت كثيراً من إجراءات الفحص الأمني والمقابلات مع مسؤولين أميركيين ومسؤولين من مفوضية شؤون اللاجئين وأيضاً من اللجنة الكاثوليكية الدولية للهجرة، وهي مؤسسة خيرية تنظم جزءاً من إجراءات الولايات المتحدة لإعادة التوطين.


تركيا رفضت مغادرتهم


أدى شعور الأسرة بالبؤس والإحباط من الانتظار الطويل، إلى إعدادها عدتها مرتين لكي تغادر إلى أوروبا على متن أحد القوارب المطاطية بدلاً من انتظارها، وذلك قبل أن تستقبل مكالمات تليفونية في الوقت المناسب من مفوضية الأمم المتحدة للاجئين، والتي طمأنتهم بأن طلبهم قد وصول إلى المرحلة التالية، مما جعل الأسرة تستعيد ثقتها في سير الإجراءات الرسمية.

في فبراير/شباط 2016، وافقت الولايات المتحدة أخيراً على طلبهم، كما ابتاعت لهم منظمة الهجرة الدولية تذاكر طيران متجهة إلى مدينة شيكاغو في 31 مايو/أيار. وإثر ذلك، باعت الأسرة الشقة المتوسطة التي كانوا يسكنون بها، وانتقلوا إلى شقة أغلى ثمناً ليقضوا فيها الأسابيع القليلة المتبقية لهم في تركيا.

وقبل 4 أيام من تاريخ المغادرة، ذهب شيرو للحصول على إذن الخروج من تركيا، إلا أن السلطات التركية رفضت الطلب الذي تقدم به.

في البداية لم يستطع أي مسؤول بالحكومة التركية أو منظمة الهجرة الدولية أو الأمم المتحدة أو حتى اللجنة الكاثوليكية الدولية للهجرة أن يشرح له سبب التأجيل. إذ تقول الرسالة على حسابهم عبر الإنترنت "لا يزال طلبكم قيد التنفيذ، من فضلك حاول متابعة الطلب في وقت لاحق".

بيد أن أحد المسؤولين اعترف له في النهاية، بعد إجرائه العديد من المكالمات الهاتفية مع الأمم المتحدة، بأن تركيا منعت مغادرتهم لأن لورين لديها مؤهلات علمية في المجال المصرفي.
كان القرار كارثياً بالنسبة لشيرو ولورين، فهم الآن عالقون في شقة لا يمكنهم تحمل ثمنها، فضلاً عن أن الأطفال سيقضون عاماً آخر بدون تعليم.

رغم التغيرات التشريعية الأخيرة، لا تمتلك الأغلبية العظمى من اللاجئين بتركيا، بمن فيهم شيرو ولورين، سبلاً إلى العمل بشكل قانوني، وهو ما يخالف اتفاقية 1951 الخاصة بوضع اللاجئين. ونتيجة لذلك، يعمل كلاهما في الأعمال اليدوية بالسوق السوداء مقابل الحصول على نصف أجر. ومع خروج الزوجين للعمل طوال اليوم، يُترك الأطفال ليدافعوا عن أنفسهم وحدهم، مما أدى إلى تعرض ابنتهم الكبرى سولين لمحاولتي اختطاف.


محاولة خطف لاجئين


يقول شيرو "كانت تمشي في الشارع في يوم من الأيام، ووقفت بجوارها سيارة فان بداخلها رجال قالوا لها "أنتِ سورية وفي حاجة إلى المال، امضي معنا"، لكنها هربت منهم. وبعد يومين، كان الأطفال يلعبون في الشوارع، وجاء بعض الأشخاص ولكنهم كانوا يسيرون على أقدامهم هذه المرة وصاحوا فيها "امضي معنا سنعطيكي المال"، لكنها لم تتعرف على أي منهم (إن كانوا نفس الرجال الذين حاولوا اختطافها من قبل أم لا)".

تُركت كثير من العائلات الأخرى، التي قابلتهم صحيفة الغارديان، في نفس الظروف الصعبة. إذ علمت هبة، البالغة من العمر 34 والتي تعمل بالأعمال الخيرية، أن الطلب الذي تقدمت به في يوليو/حزيران الماضي هي وزوجها وطفلتها، أُلغي لأنها تحمل شهادة في الأدب الإنكليزي من جامعة حلب.

تقول هبة "ليس لدينا فكرة عما ينبغي أن نفعله"، ثم أوضحت أن موقف اللاجئين في تركيا لا يتفق مع التعهدات التي نصت عليها اتفاقية 1951 الخاصة بوضع اللاجئين. وتضيف هبة "لسنا سعداء في تركيا ولا نمتلك أي حقوق، كما أننا لا نستطيع المغادرة. لا يمتلك زوجي تصريحاً للعمل، وعندما كانت طفلتي مريضة وتعاني من ارتفاع في درجة حرارتها حاولنا الذهاب إلى المستشفى الحكومي لكنهم لم يعالجوها. ومنذ فترة ذهبت إلى المستشفى وكانت حالتي حرجة ومصابة بدوار، لكنهم رفضوا مساعدتي أو حتى استقبالي".


الطالبة فاطمة


أما فاطيما طالبة الهندسة بقسم الكهرباء التي تبلغ من العمر 25 عاماً، فقد حصلت على الموافقة بإعادة التوطين في مارس/آذار الماضي مع أخيها وأختها وأبويها. أخبرهم المسؤولون بأنهم سيُرسلون إلى مدينة شيكاغو بولاية إلينوي، إلا أن الطلب الذي تقدموا به أُلغي فجأةً قبل حجز تذاكر السفر؛ لأن ثمة شخصاً واحداً في الأسرة على أقل تقدير يحمل درجة علمية.

تتحدث فاطيما 4 لغات وترغب في تطوير الأجهزة الإلكترونية. لكنها تساءلت هي وجميع من قابلتهم الغارديان عما إذا كانت درجاتهم العلمية جعلت عائلاتهم أقل عوزاً في تركيا.

تقول فاطيما "في تركيا، لم نحصل من قبل على عقد أو تصريح عمل. عليك أن تعمل 13 ساعة في اليوم لكي تأكل فقط؛ ولهذا السبب يفضل الناس ركوب البحر على العيش هنا، فنحن لا نمتلك أي حقوق. لا نمتلك حتى الحق في تقرير المغادرة أو البقاء هنا. لماذا ينبغي أن نبقى هنا؟ لماذا يمتلكون الحق في إجبارنا على البقاء هنا؟ كيف يفعلون هذا بنا؟"

تقول بيكا هيلر، مديرة المشروع الدولي لمساعدة اللاجئين التابع لمركز العدالة الحضري، وأيضا أحد مؤسسيه "نعمل مع آلاف اللاجئين الذين ينتظرون لسنوات لكي يٌقبل طلبهم بإعادة التوطين وهم في ظروف شديدة السوء. كما أن تبديد وعود توفير الأمان لهم في آخر لحظة يعد غير إنساني، فضلاً عن أنه انتهاك صارخ للقانون الدولي".


5000 سوري على الأقل يواجهون نفس المأزق


وقال من أجروا المقابلات إن مسؤولي الأمم المتحدة أخبروهم سراً أن 5000 سوري على الأقل يواجهون نفس المأزق. لكن المسؤولين الأتراك والأميركيين ومسؤولي الأمم المتحدة وكذلك مسؤولو اللجنة الكاثوليكية الدولية للهجرة لم يعلق جميعهم على ذلك الرقم. واستطاعت الغارديان إجراء مقابلات مع أعضاء من مجموعة من اللاجئين الذين تأثروا بالقرار، والذين يمثلون حوالي 1000 شخص، أُلغيت طلباتهم بإعادة التوطين. وكان بعضهم يسعى للانتقال إلى أوروبا وكندا.

وقال بعض اللاجئين الذين تأثروا بذلك القرار، إنهم سوف يلجأون إلى ركوب البحر لكي يصلوا إلى أوروبا إن استمر الوضع هكذا. كما سلطوا الضوء على أن غياب الوسائل الشرعية لإعادة التوطين قد يشجع بالضرورة على اللجوء للسبل غير الشرعية.

تقول فاطيما "إن لم نستطع الذهاب إلى الولايات المتحدة سوف نذهب إلى أي مكان آخر على متن أحد القوارب. من المؤكد أننا لا نستطيع البقاء هنا".

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.