القارة العجوز قلقة على أمنها حال وصول ترامب للرئاسة.. مخاوف من الاعتماد الأوروبي على أميركا

تم النشر: تم التحديث:
1
washingtonpost

تجمع القادة الأوروبيين الجمعة الماضي لمناقشة سيل من التحديات التي تواجه قارتهم بعد قرار بريطانيا بترك الاتحاد الأوروبي، ما يبرز أمامهم جهوداً دفاعية جديدة واسعة النطاق، وذلك وسط القلق المتزايد من الاعتماد الأمني للقارة العجوز على الولايات المتحدة بدرجة كبيرة.

ووجد القادة الأوروبيون قليلاً من الوحدة في التوصل لرؤية محددة لأوروبا دون بريطانيا، وسط اختلافهم حول طريقة الحفاظ على الاتحاد من المزيد من الانحدار. لكن الاجتماع شهد اتفاقاً أكبر حول حاجة أوروبا إلى مزيد من التنسيق العسكري، بعد الهجوم الشديد الذي شنّه عليها كل من الرئيس أوباما والمرشح الجمهوري دونالد ترامب بسبب قلة إنفاقها على الدفاع، وفقاً لما نشرته صحيفة Washington Post الأميركية.


فكرة فرنسية


كانت المقترحات، التي تضمنت فكرة فرنسية ألمانية بإنشاء مقر عسكري أوروبي مركزي في بروكسل، جزءاً من الاجتماع السري واسع النطاق الذي عُقد في براتيسلافا بسلوفاكيا، حول كيفية مكافحة الموجة المتصاعدة من الشكوك العامة تجاه قيمة الاتحاد الأوروبي. وصار موضوع الأمن محل تركيز رئيسي، غير أن الإنفاق العسكري بمعظم دول الاتحاد الأوروبي يقع دون المستويات المطلوبة في حلف الناتو. وباستثناء الولايات المتحدة، لا تصل إلى هذه المستويات سوى 4 دول فقط في الحلف، فضلاً عن أن الولايات المتحدة تنفق أكثر من ضعف ما تنفقه الدول الأخرى مجتمعة.

ورغم أن دول الاتحاد الأوروبي جمعت جهوداً عسكرية مشتركة أخرى في السنوات الأخيرة، فإنها كانت دائماً محل انتقادات لبطء تحركها خلال الأزمات، مما يعكس صعوبة تعبئة أعضاء الحلف المكون من 28 دولة وفقاً لأساس محدد.

إذ يمكن أن تؤدي حالة أقوى من التنسيق بين الدول الأوروبية إلى تعزيز الجيوش التي تعتمد على القوة العسكرية الأميركية كما لو كان العكاز الخاص بها؛ ما يحد من الازدواجية بين البلدان بهدف إنشاء قوة عسكرية على مستوى القارة للدفاع عن اتحاد يتكون من 500 مليون مواطن.

وقال الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، الجمعة الماضي، أثناء دخوله المحادثات "ليعلم الجميع أنه إذا اختارت الولايات المتحدة الانسحاب، يجب على أوروبا أن تكون قادرة على الدفاع عن نفسها".

يمكن أن تقود هذه المحاولات إلى ردة فعل لدى كل من الديمقراطيين والجمهوريين، الذين تساءلوا عن اعتماد أوروبا على الولايات المتحدة في الدفاع. لكن النقاد يقولون إن الموارد يمكن أن تُنفق على نحو أفضل في شراكة مع حلف الناتو، وهو التحالف العسكري القائم الذي يضم الولايات المتحدة ومعظم الدول التابعة للاتحاد الأوروبي. وإذا صارت أوروبا أكثر استقلالية عسكرياً فستكون كذلك قادرة على اتباع سياسة خارجية منفصلة أكثر عن الولايات المتحدة؛ ما قد يوسع الصدوع في الوحدة الغربية رغم أن قليلاً من الخبراء فقط هم من يرجحون حدوث ذلك.

وكانت محاولة تحسين الأمن حالة نادرة من الوحدة لقادة قمة الدول الـ27 - إذ لم تكن رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي مدعوة - مع وجود 27 خطة مختلفة لأوروبا. كما تأتي هذه المناقشة بعد أن بدأت أزمة هجرة ملايين اللاجئين في أوروبا خلال العام الماضي، مما أثار المخاوف، بدءاً من باريس وحتى براغ، من أن الاتحاد الأوروبي بلا حدود يعد عبئاً وليس ميزة.

المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل قالت للصحفيين بعد الاجتماع الذي استمر يوماً، والذي عُقد جزء منه على متن أحد البواخر الترفيهية في نهر الدانوب "نحن في أوروبا نواجه وضعاً حرجاً بعد الاستفتاء في بريطانيا"، وقالت إن الزعماء اتفقوا على وضع خطة للإصلاح بحلول شهر مارس/آذار من العام المقبل.

ولم يخفِ الزعماء خلافاتهم، بدءاً من فوائد التقشف الاقتصادي وحتى دور بروكسل في التعامل مع التهديدات القادمة من روسيا والدولة الإسلامية. إذ لم تترك تلك الخلافات مجالاً للالتفات إلى النظرة الأقدم والأسمى التي قام عليها الاتحاد الأوروبي، والتي تضرب في جذور تاريخ أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، باعتباره مشروعاً لجلب السلام إلى أوروبا.

وقال رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو رينزي بعد انتهاء الاجتماع: "أنا لن أتبع نصاً لأظهر أننا جميعاً متحدون". وكتب على تويتر إن القمة أنجزت "القليل جداً"، وأضاف: "بدون تغيير السياسات في قضايا الاقتصاد والهجرة، تخاطر أوروبا بالكثير".


زيادة للتعاون بين دول الاتحاد


قبل اجتماع يوم الجمعة، كشفت فرنسا وألمانيا عن مقترح لزيادة التعاون من شأنه أن يخلق مقراً دائماً لعمليات الاتحاد الأوروبي العسكرية. وتشمل تلك الجهود العسكرية حالياً عملية لمكافحة تهريب البشر في منطقة البحر الأبيض المتوسط، وحملة لمكافحة القرصنة على سواحل الصومال.

ويتوقع أن تشترك الدول الأوروبية أيضاً لتعزيز القدرات في المجالات التي تتخلف فيها، مثل التزود بالوقود جواً، إذ إنهم كانوا في الماضي يضطرون للجوء إلى الجيش الأمريكي للحصول على المساعدة. كما يتوقع أن تتبادل دول الاتحاد الأوروبي بينها معلومات الاستطلاع الجوي وتعمل على زيادة استعداد الكتائب العسكرية الأوروبية على الانتشار بالقتال في وقت قصير.

اقترح زعماء آخرون بالاتحاد الأوروبي إدخال طائرات بدون طيار إلى الخدمة على أن تكون بملكية مشتركة، فضلاً عن إدخال معدات أخرى شائعة يمكن أن تساعد في الانتشار العسكري الأوروبي.

ويدعم ائتلاف من الزعماء تلك المناقشات المتعلقة بتعزيز التعاون في مجال الدفاع. إذ اعتنق زعماء دول وسط أوروبا، الذين كانوا من أشد المعارضين لاستقبال المهاجرين، فكرة إنشاء قوة عسكرية كاملة تابعة للاتحاد الأوروبي، محذرين من أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيستنزف بشكل كبير القدرات الدفاعية للقارة.

منذ وقت طويل أغلقت بريطانيا التي تمتلك أكبر قوة عسكرية في أوروبا، أي مناقشات حول مركزية الجيش الأوروبي، لاسيما أن الاتحاد الأوروبي لا يحظى بشعبية كبيرة محلياً. كما ترك تفكك الاتحاد السوفيتي شعوراً لدى العديد من دول الاتحاد الأوروبي بأنهم لا يواجهون أي تهديد عسكري واضح.

بيد أن ضم روسيا لشبه جزيرة القرم جدد المخاوف على طول الحدود الشرقية لأوروبا. كما أجبرتهم أزمة الهجرة على الاعتراف بأن أضعف دول أوروبا هي التي تدافع عن حدودها.

وستلمس الجهود المبذولة لتجميع الدفاع الأوروبي أحد الجوانب الأساسية للسيادة الوطنية، وهي الجيش، بعد سنوات من موافقة عديد من الدول الأوروبية على تبادل عملة واحدة والاعتماد على بعضها البعض لمراقبة الحدود.

وفي تلك السياقات، يشعر كثير من المواطنين الأوروبيين بالألم بعد أن أبرزت أزمة اليورو اختلافات حادة في أفضل السبل لتحفيز النمو في ظل أزمة الهجرة التي جلبت سيلاً من اللاجئين إلى أوروبا وسط خلافات حول الموافقة على إيوائهم والطريقة الممكنة لذلك.

تحذير من انهيار الاتحاد


يحذر زعماء الاتحاد الأوروبي من أنه في حال فشل الاتحاد في ضمان الأمن لمواطنيه، فقد ينهار بسرعة. ربما بدا الصراع السوري بعيداً بالنسبة للمواطنين الأوروبيين من قبل، ولكن تلك النظرة كانت قبل فيضان المهاجرين الذي وصل إلى القارة العجوز خلال العام الماضي، وكذلك سلسلة الهجمات الإرهابية التي ألهمتها الدولة الإسلامية.

يقول جو كولبارت، وهو جنرال بلجيكي متقاعد يعمل في سياسة الدفاع الأوروبية في مؤسسة إيجمونت ببروكسل: "الحدود بين الأمن الداخلي والخارجي تبخرت ببساطة". وقد شجع ذلك التحدي المقترحات الدفاعية الجديدة.

وأضاف رئيس المجلس الأوروبي دونالد تاسك، ملخصاً المحادثات التي امتدت إلى ما بعد قضايا الأمن إلى قضايا الازدهار والهجرة ومجموعة من التحديات الأخرى "لقد كانت لحظة حزينة لأوروبا عندما قرر الشعب البريطاني الرحيل، ولذلك تطلبت إجراء تشخيص صادق". وتابع: "الناس قلقون بشأن ما يرونه فقداناً للسيطرة".

على الرغم من تعدد الآراء، يمكن أن يكون التعاون الدفاعي من المشاريع الأقل خلافاً بالنسبة لمستقبل أوروبا، لاسيما مع الالتزامات الأميركية تجاه الأمن الأوروبي والتي أصبحت موضع تساؤل.

فقد قال ترامب إنه لن يلتزم تلقائياً بالدفاع عن دول حلف الناتو، ولكنه سيدرس أولاً ماذا فعلت تلك الدول للدفاع عن نفسها. وفي ذات السياق، شجعت المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون، مثل أوباما، الدول الأوروبية على تعزيز الإنفاق الدفاعي ولكنها قالت إنها ستلتزم تماماً باتفاقات الولايات المتحدة الدفاعية.

وأوضح نيك ويتني، الباحث بالمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية والذي كان يدير وكالة الدفاع الأوروبية ومؤسسة الاتحاد الأوروبي التي تواجه جهودها قيوداً صارمة بسبب التردد الأوروبي إزاء تسليم السلطات الأمنية الى بروكسل "مع تقافز ترامب صعوداً وهبوطاً قائلاً إنه سيمزق معاهدة حلف الناتو إذا لم يتحسن الأوروبيون، ثمة رغبة في تحقيق التقدم".

وأضاف: "ثمة كثير من الأشياء التي يمكن القيام به لتنشيط منطقة اليورو عن طريق تجنب الازدواجية القومية التي لا نهاية لها".

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة Washington Post الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا