لهذا السبب تتجه موسكو إلى حافة الهاوية.. هل تكون مساحة روسيا الضخمة سبباً في انهيارها؟

تم النشر: تم التحديث:
SOCIAL MEDIA
Social Media

تتجه روسيا لتطبيق قانون جديد يمنح أرضاً مساحتها فدانان ونصف لأي مواطن مستعد للانتقال إلى مساحة ضخمة مطلة على المحيط الهادئ أو على حدود روسيا مع الصين.

لجوء موسكو لهذا القرار يعود لعدة أسباب وفقاً لمقال نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية، يوضح فيه الكاتب أن ذلك يعود لاقتصاد ضعيف يستشري فيه الفساد، وانخفاض عدد السكان، ومسافات شاسعة بين المدن، وتنوع كبير من الأقليات العرقية التي تريد مزيداً من الاستقلال عن الحكومة الاتحادية.

الباحث في تاريخ الإمبراطورية الروسية والمحاضر في جامعة لويولا في شيكاغو مايكل خوداركوفسكي، يرى أن الدولة الروسية غير قادرة على الاستمرار في مسارها الحالي، موضحاً أن معظم الخبراء داخل روسيا وخارجها يقرون بأنها بحاجة ماسة إلى إصلاحات اقتصادية، واجتماعية، وسياسية.

وحذر خوداركوفسكي من انهيار روسيا في يوم الأيام كما انهار اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية منذ ربع قرن من الزمان، ولكن التساؤل المهم هل يدرك قادة الكرملين هذا الأمر؟


وهذا نص المقال كاملاً الذي يوضح تفاصيل هذه المسألة:


هل تريد أن تصبح صاحب أرض في هذه الأيام؟ بداية من الثاني من مايو/أيار، سوف يُطبق قانون روسي جديد يمنح أرضاً مساحتها فدانان ونصف لأي مواطن مستعد للانتقال إلى مساحة ضخمة مطلة على المحيط الهادئ أو على حدود روسيا مع الصين. هذه أراضي روسيا البرية في الشرق الأقصى، مساحتها 2.4 مليون ميل مربع (أي حوالي 3.9 مليون كيلومتر مربع) وهو ما يساوي تقريباً 3 أضعاف مساحة ولايات ألاسكا، وواشنطن وأوريغون جَنباً إلى جنب، ولكن لا يسكنه إلا 6.3 مليون نسمة.

لكن مازال كثير من الروس مرتابين من عرض الحكومة، ولهم حق في ذلك. خلال مرحلة الخصخصة في روسيا في التسعينات، أُصدر لكل مواطن قسيمة لامتلاك أسهم في الشركات المملوكة للحكومة. وبسرعة فائقة انتهى الأمر بأن وصلت معظم هذه الأسهم إلى عدد قليل من الأفراد الذين أصبحوا مليارديرات بفضلها. البعض يظن أن هذه قد تكون خطة أخرى لإثراء قلة من الروس المتنفذين لدى الحكومة، والذين يقومون بـشراء الأرض وجلب عمالة صينية.

في الحقيقة، هناك عدد كبير ومتزايد من العمالة الصينية في روسيا الآن، وهذه مسألة حساسة في حد ذاتها. إنه مثال على تحدٍّ أساسي لمستقبل روسيا بسبب عدد من الضغوط: اقتصاد ضعيف يستشري فيه الفساد، وانخفاض عدد السكان، ومسافات شاسعة بين المدن، وتنوع كبير من الأقليات العرقية التي تريد مزيداً من الاستقلال عن الحكومة الاتحادية.

دعونا نأخذ الشرق الأقصى مثالاً:

إنَّ روسيا بحاجة ماسة إلى الاستثمارات الصينية. في المقابل، في الركن الجنوبي للشرق الأقصى، الصين جعلت من الأراضي الروسية على ضفاف نهر آمور شبه مستعمرة، بعد أن ضمنت حق الصينيين في العمل هناك. لقد تم تأجير مساحات ضخمة من الأراضي للصين في العقد الأخير، وبـأسعار متدنية للغاية. حوالي مليوني فدان يحويان مزارع ضخمة للخنازير وحقول فول الصويا والذرة تديرها الشركات الزراعية الصينية. أقرب حدث كان تأجير موسكو لحوالي 300 ألف فدان في منطقة الترانسبايكل لمدة 49 عاماً. السعر: دولاران لكل فدان، و368 مليون دولار من الاستثمارات الموعودة.

التفاوت في الثروة والتنمية بين روسيا والصين صارخ عندما يُنظر إليها من بلاغوفيشتشينسك وهو مركز إداري لمنطقة آمور. في وقت ما كانت منطقة حدودية مزدهرة، ولكنها الآن تُشبه مدينة سوفيتية نموذجية من السبعينات: رتيبة، متداعية، وذات اقتصاد متراجع. عدد سكانها 216 ألف نسمة. على الجانب الآخر من النهر هي المدينة الصاخبة الصينية "هايهي"، مع مبانٍ جديدة لامعة وشاهقة، ويبلغ عدد سكانها ما يقرب من 8 مرات عدد سكان بلاغوفيشتشينسك.

نحو 4.3 مليون شخص على الجانب الروسي يقابلهم 26 مليون صيني على الأقل في الجانب الآخر من الحدود. وعدد سكان روسيا الإجمالي يتناقص؛ وبـذلك يترك البلاد كلها تعاني نقصاً حاداً في العمالة لزراعة وتطوير مساحات شاسعة من سيبيريا. الصين المكتظة بالسكان تبدو حلاً طبيعياً، حتى وإن كان غير مريح.

البلدان لا يريدان ترويج حجم الهجرة الصينية إلى سيبيريا لصيد السمك، واستخراج المعادن، والزراعة. توقعت معظم التقديرات المتحفظة أن عدد المهاجرين الصينيين غير الشرعيين يبلغ حوالي مليوني نسمة، في حين يقول مركز بحوث الهجرة في موسكو إن من المتوقع وصول عدد سكان الصين في روسيا، بتحفظ، إلى 10 ملايين نسمة بحلول عام 2050، ما يجعلها المجموعة الأكبر عدداً في الشرق الأقصى.

في محاولة لمواجهة هذا الاحتمال، تدرس الوزارة الروسية لتنمية الشرق الأقصى إعادة توطين نحو مليوني مهاجر في المنطقة، من بلدان آسيا الوسطى المجاورة بحلول عام 2030. ولكن بعض دول آسيا الوسطى أنفسها يشاركون روسيا مخاوفها بشأن الهجرة الصينية. يوم 21 مايو/أيار، اندلعت احتجاجات في كازاخستان حول اقتراح بالسماح للحكومة بخصخصة الأراضي عن طريق بيعها في مزاد علني. يخشى الكازاخ أن هذه خطة لبيع الأراضي للصين. بعد إلقاء القبض على المتظاهرين، قررت الحكومة أن تنتظر 6 أشهر، ثم تعيد النظر في عقد المزاد.

وفي الوقت نفسه، العديد من السكان في أقصى شرق روسيا لديهم آراء مختلفة حول تنامي النفوذ الصيني. إنهم يرون فوائد التجارة والاستثمارات الصينية، ولكن يكنون كراهية للغرباء الصينيين الذين يتنامى عددهم في البلاد. ومع ذلك، فقد فضلت بعض النساء الروسيات الزواج من الرجال الصينيين، استناداً إلى الصورة النمطية القائلة إن الصينيين يعملون بجد أكثر ولا يسكرون مثل الرجال الروس.


ملء فراغ سكاني


زاوية في الشرق الأقصى من جهة روسيا ستحظى بمصدر جديد للدخل في منطقة كانت غير مأهول؛ فالعمالة الصينية والسُكان الصينيون يتدفقون إليها الآن بعد أن كانت العلاقة تقتصر على علاقة جيرة، إذ تقع الصين على الحدود الجنوبية الشرقية لروسيا.

تاريخياً، التوسع الإقليمي فاق دائماً قدرة روسيا على استيطان مناطق جديدة. في أواخر القرن الـ18، دعت كاترين الثانية عشرات الآلاف من المستعمرين الأوروبيين إلى الأراضي المحتلة حديثاً، التي سمّتها روسيا الجديدة. اليوم، هذه الأراضي تشكل الحزام الجنوبي من أوكرانيا وأجزاء من روسيا.

ولكن تحدي حكم مساحات هائلة، خاصة ذات الكثافة السكانية المنخفضة من شعوب مختلفة، لا يزال قائماً. الاتحاد الروسي هو موطن لأكثر من 185 شعباً ذوي هويات عرقية وقومية مختلفة. بطرق مشابهة لما يحصل في الشرق الأقصى اليوم، منذ فترة طويلة، موسكو كانت غير قادرة على استيعاب هذه الشعوب بشكل كامل وغير راغبة في معالجة مظالمهم التاريخية.

روسيا في عهد فلاديمير بوتين لا تختلف عن سابقتها. على سبيل المثال، نقلت أسطورة سوفيتية تُدعى "الصداقة بين الشعوب" لمسح التوترات العرقية والدينية المخفية عن طريق شعارات معسولة، حتى في الوقت الذي يرصد علماء الاجتماع الروس فيه بصورة منتظمة مستوى التوترات العرقية الفعلية. ما يتفق عليه هؤلاء العلماء هو أن الوضع الحالي لا يُبشر بخير، يمكن وصفه فقط بأنه "توتر مستقر".

لكن من الصعب الحفاظ على استقرار التوتر. كلما زادت الشكاوى الاقتصادية والسياسية، أصبحت الحركة باتجاه الحكم الذاتي أقوى. يوم 1 مايو/أيار، اعترض الآلاف من المتظاهرين في نوفوسيبيرسك، عاصمة سيبيريا الغربية، وتظاهروا بـشعار "هذه ليست موسكو". وفي الجمهوريات الإسلامية في شمال القوقاز، سيطرة موسكو الهشة محدودة إلى حد كبير في توجيه قوات الأمن لمنع مزيد من "أعمال الإرهاب". في وسط روسيا الأوروبية، حاول الكرملين لسنوات أن يحكم سيطرته على تتارستان وبشكيريا، الجمهوريات الإسلامية التي تتمتع بحكم شبه ذاتي، ولكن النخب المحلية تواجه هذه المحاولات.

وفي الوقت نفسه، يتوقع مركز بيو للأبحاث أن عدد سكان روسيا سوف ينخفض من 143.5 مليون في 2015 إلى 120.5 مليون بحلول عام 2050، يرافقه تناقص نسبة الروس لغير الروس. هذا ينذر بتصاعد الحراك من أجل الحكم الذاتي الإقليمي، وسط تفاوت متفاقم بين الموارد البشرية المتاحة واتساع روسيا.

في المقابل، هذه الاتجاهات من المرجح أن تعزز القومية العرقية الروسية. تاريخياً، كان حكام روسيا، سواء القياصرة أو المفوضين الشيوعيين، يسعون لحكم الفرد المركزي للسيطرة على التنوع الاستثنائي في الشعوب والثقافات والأديان المقيمة في روسيا. في النهاية، على الرغم من محاولاتهم، فشل حكم المركز القوي. في 16 عاماً منذ أن أصبح بوتين زعيماً لروسيا، فعل كل ما هو ممكن للاستيلاء على السلطة بعيداً عن المناطق البعيدة والتركيز عليها في يديه. ولكن تراجع الاقتصاد الحاد، وفساد النظام السياسي الذي يأخذ شكلاً من أشكال الديكتاتورية، وتنامي التوترات الإقليمية والعرقية، كل ذلك يجعلنا نستطيع القول إن روسيا تقترب مرة أخرى من حافة الهاوية.

الدولة الروسية غير قادرة على الاستمرار في مسارها الحالي. معظم الخبراء داخل روسيا وخارجها يقرون بأنها بحاجة ماسة إلى إصلاحات اقتصادية، واجتماعية، وسياسية. لكن قاطني الكرملين الحاليين يرون أي إصلاح ذي معنى على أنه تهديد، ولا ينبغي علينا أن نتفاجأ لو رأينا روسيا تنهار في يوم من الأيام، كما انهار اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية منذ ربع قرن من الزمان.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The New York Times الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.