"لا سلام إلا بعد هدنات فاشلة": التهدئة بسوريا مرشَّحة للانهيار ولكنها قد تؤدي لمفاجآت إيجابية.. اقرأ ما يقوله العلم

تم النشر: تم التحديث:

حتى في حال انهار اتفاق الهدنة هذا الأسبوع في سوريا مثلما يتوقع له المحللون إلا أنه قد يترك وراءه أثراً كبيراً على دائرة الصراع.

تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأميركية، الخميس 15 سبتمبر/أيلول 2016، ذكر أن أبحاث العلوم السياسية تكشف أن اتفاقات الهدنة ووقف إطلاق النار لا تغير فحسب الظروف على أرض المعركة، بل كذلك تغير وتبدّل طريقة تفكير المحاربين وأطراف النزاع وكيف يقيّمون القتال ويفاضلون بين حسناته وحسنات التفاوض.

فالدراسات والأبحاث في ميدان السياسة وجدت أن اتفاقات الهدنة تعمل على تكوين حلقة أو دائرة حميدة تزيد من فرص إبرام هدنات أكثر مستقبلاً، تحمل كل هدنة جديدة فرصاً أكبر بطول أمدها وانخفاض معدل خروقاتها وانعزال أشرارها وبناء الثقة بين أطرافها المتناحرة.

وليست هذه الحلقة أو الدائرة الناشئة مرئية دوماً ولا ملحة سياسياً مثل مسألة هوية من يقصف من وأين ومتى وفي أي يوم بالتحديد. لكن مع مرور الزمن تستطيع هذه الحلقة تغيير حسابات أطراف الحرب بأشكال بنّاءة لظروف السلام.

بيج فورتنا هي أستاذة من جامعة كولومبيا الأميركية ورائدة في أبحاث مفاوضات السلام، تقول أن اتفاقات الهدنة "التدريجية" رغم تواضعها وندرة نجاحها إلا أنها كفيلة في النهاية بتوحيد صف مبادرات المجموعات المختلفة التي لا تتلاقى بل تتنافر مطالبها في الوقت الحالي.

لكن للأمر وجهاً آخر، فقد تنشأ عن اتفاقات الهدنة أحياناً حلقة أو دائرة مفرغة وخبيثة بدلاً من الدائرة الحميدة، حيث تتأزم الثقة وتتباعد الأطراف عن بعضها وقد تتبدل المبادرات فيخفت تألق السلام وتخبو جاذبيته.

وسواء أعلِمَ الدبلوماسيون صانعو هدنة الأسبوع الحالية هذه في سوريا أم لم يعلموا، فإنهم ربما من دون أن يدروا قد صنعوا مقامرة ومجازفة شديدة الخطورة لكن كثيرة القطاف.


الحلقة الحميدة


في العام الماضي نشر عالمان في العلوم السياسية من جامعة نوتردام هنا مادهاف جوشي وجي مايكل كوين دراسة لهما استعرضت 196 اتفاق هدنة واتفاق سلام بين عامي 1975 و 2011، فوجدا أمراً مدهشاً هو أن أهم وأفضل عامل يتنبأ بنجاح اتفاق السلام هو ببساطة وجود أي اتفاقات سابقة بين الأطراف حتى لو كانت تلك الاتفاقات فشلت؛ فلا مدة الحرب ولا شدتها كفيلة بالتنبوء على وجه الدقة بمحصلة ونتيجة اتفاقية سلام، ولا حتى فقر المقاتلين أو تنوعهم العرقي.

يقول البروفيسور كوين "الفشل يمهد الطريق أمام اتفاقيات أفضل لاحقاً."

فمع الوقت يقل إحساس أطراف الاتفاق بالمجازفة التي تنطوي عليها الهدنة، فعندما يشعر جميع الأطراف بعد كل هدنة وخرقٍ أنهم تعادلوا في الحسابات فيما بينهم، عندها تزداد قابلية ورغبة كل منهم بعقد اتفاق آخر؛ وفي سوريا حيث الوضع الراهن في أسفل الحضيض لا أسهلَ من التعادل فيما بين الأطراف.

ففي مقال لهما كتب الأستاذان جوشي وكوين لمجلة فورين أفيرز Foreign Affairs يلخصان بحثهما "إن هذه المواد على قدرٍ من البساطة كأن يُطلَبَ من الأسد التوقف عن الإطلاق على المعارضة لفظ "الإرهابيين" في الصحافة، وبمجرد أن يتجاوب طرفٌ مع الآخر نكون حينئذ أمام عملية سلام قائمة، ومع كل جولة ناجحة ينشأ ويتكون لدينا مقدار كافٍ من الثقة والنوايا الحسنة يؤهلنا للمضي نحو المادة التالية."

الثقة المذكورة أعلاه ليست الثقة المتعارف عليها باللغة المحكية التي تعني إثبات مصداقيتك الشخصية، وإنما هي "ثقة" بالمعنى المتعارف عليه في وسط العلوم السياسية، فبناء على هذه الثقة يرى المتفاوضون أنهم يفهمون دوافع بعضهم البعض وأن بوسعهم توقع تصرفات الآخر، عندئذٍ يلينُ جانب كل طرفٍ ليقدم تنازلات للآخر لأن لديه إيماناً بأن الطرف الآخر سَيَفي بالتزامه وحصته من الاتفاق.

خذ مثلاً يوغسلافيا التي شهدت بين عامي 1989 و 2000 حوالي 91 اتفاقية هدنة ووساطة سلام. من مجموعها الكلي كان نصيب 35% منها فقط أن يدوم أقل من أسبوع واحد، فيما دام 13% منها فقط أسبوعاً واحداً بالتمام والكمال.

ورغم أن كل هدنة منها ثبت فشلها الذريع والكارثي كذلك إلا أن جميع الهدنات تمخضت في نهاية المطاف عن اتفاقيات منها معاهدات دايتون عام 1995 والتي أنهت حرب البوسنة التي ما كانت سوى جزء من قتال وصراع أكبر.

وهنا نحن الآن نشهد تلميحات مماثلة ممكنة في سوريا، فإيقاع اتفاقيات الهدنة يتزايد، كما أن بنود هذه الاتفاقيات آخذة بالتوسع وها هي أطراف اللاعبين الخارجيين تستثمر المزيد من رأس المال السياسي فيها. ما زالت الثمار قليلة ومازالت عملية بناء الثقة هشة، ولهذا لسنا نرى بوضوح هل ستأخذ الدورة والحلقة مجراها أم لا.

الأستاذ البروفيسور ستيفن لونغ من جامعة ريتشموند درس في ورقة بحث من عام 2014 تستعرض مئات الحالات من عام 1948 وحتى 1998، فوجد أنه إن تم على الدوام وبانتظام معاقبة كل خروقات اتفاقات الهدنة بشكل رد فعل واستجابة مباشرة بحيث تستطيع الإضرار وإلحاق الأذى بهذه الأطراف لكن من دون تصعيد، عندئذ يُلقّن الجميع درساً أن من الخير والأسلم الانصياع والامتثال.

في نهاية المطاف ستقل شكوك ومخاوف كل طرف من احتمال خيانة الأطراف الأخرى لهم، وستزداد الثقة بالدخول في ما كان "مجازفة" اتفاق هدنة أو مفاوضات سلام.

إن هذا لهو من الأسباب التي غيّبت الاقتتال المباشر والمعارك الطاحنة لعقود عن شبه الجزيرة الكورية رغم أنها ما تزال رسمياً في حالة حرب. فقد أثبت كل طرف عبر سلسلة من تبادل ردود الفعل ورد الصاع صاعاً للآخر أنهما لن يسمحا لخروقات الطرف الآخر بالمرور دون معاقبة ترتب عليه، وبهذا تجمد في مكانه الصراع المرير بين الدولتين الذي راح ضحيته مليون نسمة.

فالحلقة الحميدة تأخذ مجراها حينما يستنتح كل طرف بعد خوض ما يكفي من الصولات والجولات أن الأعداء في الأغلب سيقبلون ببنود أي اتفاق كان، وبهذا يستفيد الجميع من تنفيذ بنود الهدنة ولذلك يعمل الكل على فرض تنفيذها.

تقول الأستاذة فورتنا أن هذه كانت الكيفية التي خرج بها أطراف حروب سوريا عن نص الحلقة المفرغة للصراع المتجدد المستديم.

وقد يستغرق الأمر سنيناً، فقد أشارت إحدى الأبحاث إلى أن الدائرة لا تأخذ مجراها بحقٍ إلا عندما تدوم الهدنة 8 أسابيع، وهو رقمٌ ما زلنا ننتظر من سوريا أن تحققه. بيد أن أبحاثاً كثيرة في هذه الدينامية تزخر بالأمثلة كبوروندي ونيبال والفلبين وإيرلندا الشمالية التي جميعها بدت عصية الحل إلى أن انحلت فجأة.


الحلقة المفرغة الخبيثة


إن كانت الآمال منعقدة على أن يتعلم المقاتلون في سوريا كيف يثقون ببعضهم ويتعاونون سوياً، فإذاً لعل الخوف الأكبر والخطر الأكبر هو من أن يتعلموا بدلاً من ذلك كيف لا يثقون ببعضهم وكيف يرفض كلٌ منهم الآخر.

فإن كانت عملية معاقبة خروقات الهدنة غير منتظمة، ساعتها لن يشعر المقاتلون بغضاضة أو مجازفة كبيرة إن هم نكثوا العهد وغشوا فيه. وهكذا، رغم أنه ليس من الضرورة معاقبة كل خرق وانتهاك إلا أنه من المهم تطبيق معاييرمتساوية على كل الأطراف وإلزامهم بها كي يعرف ويعي كلٌ منهم الحد الذي يستوجب رد فعل عقابياً وكم ستكون درجته وخيمة.

فإن رأت الأطراف أن هنالك احتمالاً وارداً بأن يغش الآخرون، عندها سيكون دافعهم هم أيضاً نحو الغش كبيراً، وبالطريقة ذاتها إن رأت الأطراف أن الآخرين لا يعتمد عليهم ولا سبيل لتوقع تصرفاتهم، عندها ستقل الأسباب والدوافع لديهم للدخول في أي هدنة.

فمع تتالي وتعاقب الجولات تقلّ مدخلات كل طرف التي يضعها على طاولة المفاوضات، أو تقل رغبته في متابعة الوفاء بعهوده، بالتالي يقنع كل طرف الآخر عدم جدوى المحادثات.

وهذا ما حدث في أنغولا التي قتلت حربها الأهلية نصف مليون شخص بين عامي 1976 و2002، فقد رأت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي فيها ساحة معركة للحرب الباردة، فتدخلت كل منهما وحضت وكلاءها الأنغوليين على مواصلة القتال، ما دمر كل ثقة على الأرض، وهو درسٌ ونذيرٌ لأننا نرى موسكو وواشنطن على جهتين متقابلتين من جديد في سوريا هذه المرة.


مشكلة القوة العظمى


في رأي الأستاذة فورتنا أن احتمال دخول سوريا في الحلقة الحميدة أم الخبيثة أمرٌ يعتمد بالدرجة الأكبر على كل من الولايات المتحدة وروسيا.

ففي بحث أجراه العالم السياسي دونالد روثتشايلد وُجِد أن الحروب الأهلية تزداد فرصة انتهائها بالسلام إن كانت هناك وساطة متمثلة عادة في دولة عظمى خارجية؛ حيث يكون لهذه الدولة الوسيطة أن تفرض فترات توقف مثل هدنات مؤقتة تفسح المجال أمام التفاوض، كذلك يكون الوسيط عرّاباً يزيد كِلا الطرفين رغبة في خوض المجازفة بغية تحقيق السلام لأنهما يثقان بأن الطرف الآخر سيُعاقب إن نكص على عقبيه وأخلف وعده.

حرب الـ30 عاماً بين إسرائيل ومصر مثلاً لم تنته إلا بتوسط الولايات المتحدة في معاهدات كامب ديفيد عام 1978 حينما قدم الرئيس جيمي كارتر مليارات الدولارات من المساعدات للبلدين، ما غير حساباتهما الاستراتيجية فيحلو حل السلام في ناظريهما، كذلك ألمحت واشنطن ضمنياً إلى أنها ستسخط إن انسحب أي من الطرفين من المعاهدة.

كذلك قد تأخذ الوساطة أبعاداً أقل صراحة، مثلما فعلت النرويج باستضافتها المحادثات الفلسطينية الإسرائيلية في التسعينيات، فبفضل حيادية الموقع والمكان قلت الكلفة السياسية.

لكن سوريا ليس لها وسيط من هذا النوع لأن المرشحين الوحيدين الممكنين –أميركا وروسيا- منخرطتان ضمن أطراف الحرب، ولا أمل يرجى من أن تسمح أي منهما لطرف ثالث كالأمم المتحدة بحشر نفسها وسطهم.

الأستاذة فورتنا ترى أن الاتفاقيات المرحلية بين أميركا وروسيا مثل اتفاق هذا الأسبوع قد تقودهما في النهاية إلى القيام بدور وساطة مشتركة. هذا الخيار لا تحبذه أو تستسيغه واشنطن كثيراً لأنه يضع موسكو على قدم المساواة الاستراتيجية والأخلاقية معها، لكنه مع ذلك خيار يبدو ضرورياً.

بيد أن هذا الخيار يستدعي من كلا البلدين أن تثبت بالفعل شيئاً لم تقدر أي منهما حتى الآن على إثباته، ألا وهو مقدرتهما على انتزاع تنازلات من حلفائهما على الأرض في سوريا؛ إذ عندها وفقط عندها سوف يتسنى لأميركا وروسيا أن تثقا ببعضهما وبقدرة الآخر على الوفاء بأهم عهودهما.

وهذا أمر لا شك سيستغرق عدة جولات كي يتحقق، ولن يشكل سوى خطوة واحدة نحو السلام. وقد يبدو الأمر أشبه بفشل لأن إيقاعه تدريجي جداً ولأن قصص النجاح كثيراً ما تستغرق عقداً أو أكثر من السنوات.

وهنا تختم البروفيسورة فورتنا بالقول "ليست هناك من محفزات كثيرة تدفع بأي من الطرفين لإحسان الظن بالآخر، ولهذا السبب يصعب إنهاء الحروب. ولكنها بغض النظر تنتهي."

هذا الموضوع مترجم عن صحيفة New York Times الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.