"الاضطراب الرقمي" يضرب واشنطن.. الرعب ينتاب ساسة ونجوم أميركيون بعد اختراق بريد وزير الخارجية السابقة

تم النشر: تم التحديث:
COLIN POWELL
ASSOCIATED PRESS

عاد مذيع أخبار تلفزيونية مذعوراً إلى منزله، وقام بحذف حسابه الشخصي على بريد Gmail بالكامل. بدأ عضو بمجلس الشيوخ عن الحزب الديمقراطي في إعادة التفكير في مزايا الهاتف القابل للطيّ. بينما شعر مسؤول سابق بالأمن الوطني بالامتنان لإقامته الحالية على الساحل الغربي.

لقد خيم الاضطراب الرقمي هذا الأسبوع على عاصمة البلاد ونفوس مقاتليها السياسيين المحتاطين بعد وقوع كولين ل. باول، وزير الخارجية السابق، ضحيةً للإحراج الناتج عن رؤية تأملاته الشخصية منتشرة على الإنترنت وبارزة في التقارير الإخبارية.

قال تومي فيتور، المتحدِّث الرسمي السابق باسم مجلس الأمن القومي في رئاسة أوباما، والذي يعمل الآن في سان فرانسيسكو إنَّ التفكير في رسائله البريدية المتبادَلة في واشنطن يجعله ينكمش خوفاً، حتى الآن.

قال فيتور متذكِّراً بعض هذه اللحظات خلال فترة عمله في البيت الأبيض "أحياناً ما تكون انتقاداتنا جارحة، وأحياناً ما نكون وقحين. ويمثل هذا الحجم من الاختراقات اللحظة التي ينبغي علينا فيها محاسبة أنفسنا قليلاً".

ردَّد اختراق باول، الذي قد يكون بفعل مجموعةٍ ذات صلة بالحكومة الروسية، أصداء غرابة التسريبات السابقة من الحسابات البريدية الخاصة بمسؤولي لجنة الأمن بالحزب الديمقراطي، ومدير وكالة المخابرات المركزية، جون أو. برينان. كشفت الرسائل التي نُشِرت الأسبوع الحالي أنَّ باول يعتبر دونالد ترامب «عاراً قومياً» وهيلاري كلينتون «جشعة» وديك تشيني النائب السابق للرئيس «أحمق»، وفق ما ذكر تقرير لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية، الخميس 15 سبتمبر/أيلول 2016.


حذف ما هو مثير


قد يثير الاختراق الأخير عدوى جديدة من حذف حسابات البريد الإلكتروني في أنحاء البلاد، إذ سيبحث ملايين الناس في رسائلهم المُرسَلة عن أي شيء مثير للشبهة أو مهين أو مدمِّر للحياة المهنية. كما يعاظِم من الشعور بأنَّ الجميع معرَّض للخطر.

تتم محاسبة النفس بإلحاح شديد في واشنطن، حيث تعج حسابات البريد الإلكتروني بالاستراتيجيات، والاقتراحات السياسية الحسَّاسة، وهمسات النميمة، وتفاصيل تافهة عن الحبيبات والأزواج والحسابات المصرفية وقوائم التسوق.

قالت مذيعة أخبار تلفزيونية إنَّ المنتجين وأفراد طاقم العمل في شبكتها الإعلامية قد اتفقوا في اجتماع صباحي، مازحين، على إرسال اعتذارات شاملة لبعضهم البعض إذا تم الكشف عن رسائلهم البريدية علناً.

وقالت إنَّ رسائل باول، وهو مسؤول عام حكيم عادةً، قد كشفت أنَّه ثرثار مثل الجميع، وأضافت أنَّ النميمة هي ما يخشى الناس إتاحته علناً، لا المعلومات السرية.

قال ريتشارد ج. دوربين عضو مجلس الشيوخ عن ولاية إلينوي ورجل الحزب الديمقراطي الثاني في المجلس، إنَّ أخبار رسائل باول البريدية المخترَقة جعلته يفكِّر أنَّ استخدام عضو مجلس الشيوخ تشاك شومر المستمر هاتفاً قابلاً للطي قديم الطراز هو «أمر منطقي الآن أكثر من أي وقتٍ مضى».

وأضاف دوربين "أظن أنَّ المزيد والمزيد من الناس يدركون أنَّه ما من شيء يمكنك قوله في رسالة بريدية وليس عرضةً للاختراق أو الاكتشاف في مرحلةٍ لاحقة".

لم يُبالِ ليندسي غراهام، عضو مجلس الشيوخ والحزب الجمهوري في كارولينا الجنوبية، بالأخبار، إذ قال "لم أقلق بشأن اختراق أي من رسائلي البريدية بما أنَّني لم أرسل رسالة بريدية قط. فأنا سابق لعصري".

ولكن فيما يخص مذيع أخبار تليفزيوني آخر في واشنطن، رفض ذكر اسمه خشية أن يصبح هدفاً أبرز للاختراق، أدَّت تسريبات باول إلى ليلةٍ طويلةٍ الأربعاء الماضي، شملت حفظ بضعة رسائل بريدية شخصية ثم حذف حسابه بأكمله، قائلاً إنَّ الجميع قد أرسلوا رسائل بريدية لا يريدونها أن تُنشَر، بما فيها بعض الرسائل البريئة التي قد يُساء تفسيرها.


احتياطات


ربما تخلَّفت واشنطن عن المدن الكبيرة الأخرى في تعلُّم ذلك الدرس. فقد فضَّل المصرفيون في وول ستريت الرسائل البريدية الموجزة منذ نُشِرت محادثاتهم على الصفحات الأولى في الصحف بسبب الدعاوى القضائية المرفوعة ضدهم بعد الأزمة المالية. وفي عام 2010، استخدم المسؤولون التنفيذيون في بنك غولدمان ساكس اختصار «LDL» بما يعني «لنتحدث مباشرةً» عندما تصبح المحادثة حسَّاسة قليلاً.

يرفض هانك بولسون، الرئيس التنفيذي السابق لغولدن ساكس، استخدام البريد الإلكتروني. وقد أنشأ بن س. بيرنانكي، الرئيس السابق لمجلس المحافظين للنظام الاحتياطي الفيدرالي، من قبل حساباً بريدياً تحت الاسم المستعار إدوارد كوينس، أملاً في خصوصية أكبر.

كما شاعت احتياطات شبيهة بهذه في وادي سيليكون منذ الهجوم الإلكتروني الصيني عام 2009 على الخوادم في جوجل وشركات تقنية أخرى. وفي هوليوود، أذاع اختراق شركة سوني بيكتشرز عام 2014، أسراراً وأقنع أطقم صناعة الأفلام والممثلين والمنفذين على حدٍ سواء بتبنِّي إجراءات أمنية كانوا يعتبرونها سابقاً مبالغاً فيها. اتجهت الاستديوهات إلى فئة جديدة من الشركات ذات أسماء مثل WatchDox، تحمي النصوص السينمائية بشفرات وكلمات سرية وأنظمة مراقبة يمكنها تتبُّع مَن يُتاح له الوصول إلى الملفات السرية.

قال جوردن روبرتس، الكاتب والمخرج الذي يشمل إنتاجه فيلم الدراما الكوميدية التالي Burn Your Maps عن اختراق سوني "لقد أثَّر بلا شك فيما أقول كتابةً"، إذ منحه اختراق سوني "زر توقيف يعفيني مستقبلاً كما آمل من إحراجٍ محتمَل بسبب إهانة سريعة وقوية وعارية من الصحة على الأغلب، ودائماً تقريباً ما تكون غير ضرورية" كما أوضح.

قال جو كينكوا، الذي يدير المكتب الترفيهي في شركة DKC للعلاقات العامة، عن طريق البريد الإلكتروني إنَّ الجميع يفكِّر ملياً قبل إرسال رسالة بريدية، "هل يجعل هذا بعض الرسائل المتبادَلة أكثر سخافةً؟ أقل ثرثرةً قليلاً؟ بالطبع، ولكن الأمر بسيط جداً: السلامة أفضل من الندامة".

بينما قال ريتشارد غيلفوند، الرئيس التنفيذي لشركة IMAX "كنتُ أكثر تسامحاً قليلاً مع ما يقوله الآخرون في رسائلهم البريدية، ولكنِّي لم أعُد متسامحاً بعد الآن".


خارج أميركا


في بعض الدول خارج الولايات المتحدة، تُتَّبع مناهج أكثر حذراً في التواصل الإلكتروني منذ وقتٍ طويل. ففي باكستان، يوافق الساسة غالباً على التحدُّث إلى الصحافيين وجهاً لوجه فقط بعد إزالة بطارية الهاتف أو تغطية الميكروفونات بوسادةٍ. وقد انتقل الكثيرون في الشرق الأوسط إلى استخدام خدمات أكثر أمناً مثل تيليغرام أو سيغنال.

لقد تعلَّم معظم الأميركيين بالطريقة الصعبة. اكتشف آرون إ. كارول، طبيب الأطفال والأستاذ الباحث بجامعة إنديانا، هذه المخاطر بعد كتابة مقال في صحيفة مدافعاً عن المُحلِّيات الصناعية، وهو ما حثَّ المجموعات المهتمة بالصحة على طلب معرفة حساباته البريدية الجامعية. كانت هذه المجموعات تأمل في إثبات وجود علاقة بين د.كارول وبين الشركات التي تصنع الوجبات الخفيفة والمشروبات المحلَّاة.

قال د.كارول يوم الخميس "دمَّرني ذلك، جننت، ليس لأنَّني فعلتُ شيئاً خاطئاً، بل هلعتُ فجأةً متسائلاً عما قلته وكان غير ملائم أو يمكن اقتطاعه من سياقه".

اتَّبع د.كارول، الذي نفى أي صلة له بأيٍّ من شركات الأغذية، «سياسة الأرض المحروقة» في الأسابيع التي تلت تسليم عناوين حساباته البريدية الإلكترونية إلى المجموعات المهتمة بالصحة. فقد حذف كل شيء تقريباً من حسابه البريدي الجامعي، ويحذف الآن كل شيء من حسابه بانتظام.

وقال "إنَّني أكثر حذراً الآن، سأذهب مثلاً إلى زميلي في آخر الرواق بدلاً من إرسال رسالة بريدية طويلة"، رغم أنَّه أضاف أنَّه ما زال يرسل رسائل شخصية ومهنية من الحساب نفسه لسهولة ذلك، فالأمر "لم يغيِّر من عاداتي اليومية المتعلِّقة بالبريد الإلكتروني كثيراً كما قد تعتقد".

وهو الشعور الذي وُجد في الكونغرس أيضاً، حيث استخف البعض باحتمالية حدوث اختراق آخر مثل اختراق باول.

قال روي بلانت، عضو مجلس الشيوخ عن ولاية ميزوري، إنَّه كان بالفعل من "أواخر المستخدمين" للبريد الإلكتروني لأنَّه لم يعتقدِ قط أنَّه آمن. وأضاف أنَّه كان حريصاً ألَّا يعتمد اعتماداً كبيراً على البريد الإلكتروني عندما كان مسؤولاً عن جمع الأصوات لصالح الجمهوريين في الكونغرس.

وقال بلانت أيضاً "أعتقد أنَّ الكثيرين يكتشفون الآن لماذا كان ينبغي ألَّا يعتمد الكثيرون على البريد الإلكتروني كذلك".

وعندما سُئل دوربين عمَّا إذا كان قلقاً بما يكفي لتطهير رسائله المرسَلة، تنهَّد وهزَّ رأسه، وقال "أوه، كلا. سيكون على الروسيين قراءته".

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة New York Times الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.