المطالبة بإنجاب الأطفال في "يوم الخصوبة" بإيطاليا تثير الاستياء.. ما الذي يجعلها بين أقل الدول إنجاباً بالعالم؟

تم النشر: تم التحديث:
ITALY FAMILY
Pacific Press via Getty Images

يصوّر أحد الإعلانات امرأة تحمل ساعة رملية وبجانبها كُتب "لا يقتصر الجمال على مرحلة عمرية، بعكس الخصوبة".

ويظهر في آخر حذاء طفل مربوط بشريط يحمل ألوان العلم الإيطالي، وفي ثالث يمسك رجل بسيجارة نصف مشتعلة، ويقول الإعلان: "لا تدع منيّك يذهب سدىً كالدخان".

كانت هذه الإعلانات جزءاً من سعي الحكومة لترويج "يوم الخصوبة" في الثاني والعشرين من شهر سبتمبر/أيلول 2016، وهو حملة دعاية لتشجيع الإيطاليين على إنجاب المزيد من الأطفال، لكنها أغضبت العامة، ولُقبت بالمهينة، ثم سُحبت في خلال أيام، حسب تقرير لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية.

لكن ما نجحت الحملة في تحقيقه كان إثارة نقاش على مستوى أبعد حول سبب امتلاك إيطاليا لإحدى أدنى نسب المواليد في العالم، وما يمكن فعله لتغييرها.


أين المشكلة؟


يقول معارضو الحملة الدعائية إن المشكلة لا تكمن في رغبة إنجاب الأطفال، بل في عدم تقديم الحكومة وأصحاب العمل لدعم فعليّ في دولة تظل فيها رعاية الأطفال مسؤولية الأسرة بالأساس.

تقول فيتوريا إياكوفيلا، وهي صحفية وأم لطفلتين في عمر 10 و8 سنوات: "كان يجب أن يطلبوا مني الظهور في تلك الدعاية، ما زلت أشعر بالإهانة بسببها. تشجعنا الحكومة على إنجاب الأطفال، ومع ذلك يظل نظام الرعاية الاجتماعية قائماً حتى الآن على اعتناء الأجداد بالأطفال".

وتواجه الكثير من النساء العاملات معضلة، إذا لم يكن في عائلتها من يمكنه الاعتناء بالطفل، وحيث تكلّف حضانات الأطفال الخاصة كثيراً من المال. يقلق بعضهن أن الغياب عن العمل بسبب مشاكل الرعاية بالأطفال سيهدد أمانهن الوظيفي، فالكثير من الشركات لا تهتم بتقديم ساعات عمل مرنة للأمهات العاملات.

تزامن الانخفاض المستمر في نسب المواليد في إيطاليا، لأسباب واضحة، مع مرورها بركود اقتصادي خلال الآونة الأخيرة. لكن العائلات الإيطالية تعاني من هذا الانكماش منذ عشرات السنين.
بلغ عدد المواليد في إيطاليا 480 ألف طفل في 2015، وهو الأدنى منذ توحيد إيطاليا عام 1861، كما توجد بإيطاليا إحدى أدنى نسب المواليد في أوروبا، بواقع 1.37 طفل لكل امرأة، بينما يبلغ المتوسط الأوروبي 1.6 لكل امرأة، طبقاً لإحصائيات يوروستات Eurostat.


فرنسا نموذجاً


وفي المقابل، يتعرض الاقتصاد الفرنسي لمتاعب مماثلة، لكن يقدّم النظام الفرنسي الواعي بالعائلة شبكة أمان اجتماعي تتضمن حضانات للأطفال وإعانات للعائلات ذات الأطفال. وفي فرنسا، تنجب كل امرأة طفلين في المتوسط.

تقول تيزيانا بارتوليني، محررة مجلة Noi Donne إحدى أبرز المجلات النسوية: "تحظى النساء في إيطاليا بالمساواة على الورق فقط، ويحكي الواقع قصة مختلفة.

يُتوقَع من النساء رعاية أطفالهن، إذا كانت تعيش في منطقة ذات خدمات جيدة أو في بلدة صغيرة، يمكنها الاحتفاظ بوظيفتها، لكن إن كانت تعيش في إحدى المدن الكبيرة الفوضوية ولا يعيش أحد من عائلتها بالقرب، تصبح النساء شديدة الحذر تجاه فكرة الحمل"، وتضيف: "أو تترك عملها".

وأطلقت وزارة الصحة حملة الخصوبة في الواحد والثلاثين من أغسطس/آب 2016 عن طريق مجموعة من إعلانات الإنترنت وهاشتاغ عبر تويتر، بهدف الإعلان عن إقامة مجموعة من الاجتماعات العامة في يوم الخصوبة وتشجيع الشعب الإيطالي على إنجاب المزيد من الأطفال.


"مهينة"


وسخرت ماريا شيولي من الحملة الدعائية، وهي مدرّسة تبلغ 41 عاماً وتعتمد على عائلتها في الاعتناء بطفلتها ذات الخمسة عشر شهراً، عندما ظهر النقاش على صفحتها في فيسبوك.

تقول السيدة شيولي: "أريد إنجاب طفلٍ ثانٍ بشدة، لكني أقلق على وضعي الوظيفي. وهذا مع كوني محظوظة للإنجاب بالفعل. أتخيل شعور كل النساء في مثل سني أو أصغر ممن لم يستطعن إنجاب الأطفال واضطررن لرؤية هذه الدعاية المهينة".

وقد نفى رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو رينزي صلته بالحملة الدعائية التي أطلقها وزيرة صحته في مقابلة إذاعية، ساخراً بأن أياً من أصدقائه لم يقم "بإنجاب أطفاله بعد رؤية إعلان".

وقال رينزي إنه يجب معالجة قضايا بنيوية مثل حضانات الأطفال والخدمات الخاصة بهم حتى ترتفع نسب المواليد.

وخلال تولي رينزي لمنصبه، حاولت الحكومة الإيطالية أن تساعد العائلات بإعطاء ما يُطلق عليها "منحة الطفل"، وهي تتراوح بين 80 و160 يورو وتساوي 90 إلى 180 دولاراً، إلى العائلات ذات الدخل المحدود أو المتوسط.

وقد مررت قوانين تسهّل الحصول على إجازات للأهل، لكن تخصص إيطاليا 1 في المائة فقط من قيمة الناتج المحلّي الإجمالي للإعانات الاجتماعية، وهو نصف المتوسط الأوروبي. ويتهدد واحداً من كل ثلاثة أطفال خطر الفقر النسبيّ، حسب تقرير الصحيفة الأميركية.

وقال أليساندرو روسينا، أستاذ علم السكان بجامعة كاتوليكا ديل ساكرو كور في ميلان: "تجتمع في إيطاليا عناصر مخيفة: انخفاض نسب المواليد، وانخفاض معدلات توظيف المرأة، وخطر عالٍ
لحدوث فقر الأطفال، قد يؤدي هذا الطريق بإيطاليا إلى ارتفاع نفقات كبار السن، وزيادة الدين العام".

يقول روسينا: "نحاول الدفاع عن الحاضر، لكن لا يمكننا التحكم في المستقبل".

وبيّنت إحصاءات الوكالة القومية للإحصاء إستات Istat، أن الأمهات الإيطاليات أقل استعداداً للعمل من مثيلاتهن في باقي الدول الأوروبية، التي توفر خدمات اجتماعية أفضل.


استقالة مسبقة


ويبلغ عدد النساء العاملات في معظم دول شمال أوروبا، حيث تتوافر خدمات اجتماعية أفضل، نسبة 70 في المائة، وتستمر جميعهن تقريباً بالعمل بعد الإنجاب. وفي المقابل، توجد بإيطاليا ثاني أدنى نسبة لتوظيف المرأة في أوروبا، وخاصة في جنوب البلاد.

"يُطلب من الكثير من النساء الشابات توقيع طلب استقالة مسبقاً، فالنسبة لهن أيضاً، تُعَد هذه الحملة الدعائية صفعة على الوجه".

وتشير مناضلة حقوق المرأة في نابولي تيريزا بوتينزا إلى قيام الشركات بفرض توقيع النساء لطلب استقالة قبل توظيفهن لاستخدامه في حالة حملهن.

وقالت بوتينزا: "بدون الإعانة الاجتماعية للأسر، لم أكن لأستطيع يوماً أن أنجب الأطفال".

قالت الصحفية إياكوفيلا إن حضانة أطفالها تنتهي من العمل قبل انتهاء دوامها بساعتين، وقالت إن الأمهات العاملات مصابات "بالإحباط من قدر المساعدة الضئيل الذي تقدمه إيطاليا لنسائها".
وقد شعرت بإهانة شديدة برؤية دعاية الحكومة فعبرت عن غضبها عبر فيسبوك بعد بداية ظهور الإعلانات بفترة قصيرة، وانتشرت تعليقتها على نطاق واسع عبر الإنترنت.

استجابت وزيرة الصحة الإيطالية بياتريس لورينزن، بالكتابة عبر فيسبوك بأن حملة يوم الخصوبة لم تكن "دعوة للتكاثر" بل هي يوم "لمناقشة مشاكل الإنجاب التي يعاني منها 15 في المائة من الإيطاليين"، وقامت سريعاً بإلغائها.

وقالت لورينزن: "أحزنني الاستياء الذي سببه إطلاق الحملة الدعاية، وسحبناها حتى يتم تغييرها".

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The New York Times الأميركية، للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.