سر ولع ترامب بقوة بوتين.. كيف يحافظ الرئيس الروسي على شعبيته رغم إخفاقاته؟

تم النشر: تم التحديث:
BWTYN
social media

يُوصف بقاتل النمور، الخيَّال عاري الصدر، ومهندس إعادة إحياء روسيا كقوة عالمية بارزة.. جلس الرئيس فلاديمير ف. بوتين، مرتدياً بذلة داكنة وربطة عنق، الأسبوع الماضي لأكثر من ساعة يرشف الشاي من فنجان خزفيّ رقيق، ويقدّم نصائح مخلصة لتحسين أوضاع الإسكان، والرعاية الصحية، وخدمات أخرى في بلدة قروية جنوب موسكو.

أذاعت قنوات التلفاز الحكومية اللقاء بأكمله، وسط تقارير عن الهجمات الجوية الروسية في سوريا التي أمر بها بوتين، وأخبار مبتهجة عن ظهور العلم الروسي في الحفل الافتتاحي للألعاب الباراليمبية (أولمبياد ذوي الاحتياجات الخاصة) في ريو دي جانيرو، بفضل مجازفة نفذها رياضي داعم لبوتين، على الرغم من منع الفريق الروسي من المشاركة بسبب فضيحة تعاطي منشطات.

كان هذا عرضاً مربكاً استمر لساعات يتباهى بالسيطرة التي يفرضها بوتين على بلاده وعلى صورته أمامها –محارب صلب لا يستعصي عليه شيء، أب حنون على شعبه، وضامن أنه لا استهانة بكرامة روسيا ستمر دون عقاب، حسب تقرير لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية.

لقد أرانا بوتين، 63 عاماً، قدرته الاستثنائية على الإيهام بامتلاك قوة هائلة، بغض النظر عن الظروف. عندما تسلَّم السلطة لأول مرة، تذكرَت مدرسته العجوز في مدرسة سانت بطرسبرج فيرا ماليشكينا، أن تلميذها السابق –الأقصر من متوسط الطول- كان لاعب كرة سلة رائعاً لأنه كان "طويلاً جداً".


أعظم من أوباما


لبوتين الكثير من المنتقدين، يوجد معظمهم اليوم في المنفى خارج روسيا أو يعيشون بلا صوت خارج المقاهي وبارات النبيذ في المدن الكوزموبوليتانية مثل موسكو. لكن يرى دونالد ج. ترامب، كما صرح بإعجاب، أن بوتين يمتلك "سيطرة قوية جداً" على روسيا.

وفقاً لترامب، مرشح الحزب الجمهوري لرئاسة أميركا، "لقد كان قائداً أعظم كثيراً من قائدنا (أوباما)".

يكمن إدراك مثل هذا الجمال في عين الناظر، وهو جمال غائب بشكل مؤكد عن أعين معارضي بوتين الروس.

قال غاري كاسباروف، بطل الشطرنج السابق وناقد شرس للرئيس الروسي "يُعتبر فلاديمير بوتين قائداً قوياً بقدر ما يُعتبر الزرنيخ شراباً قوياً، مدح ديكتاتور متوحش تابع للاستخبارات السوفييتية، وخاصةً بتفضيله على رئيس أميركي تم انتخابه ديمقراطياً، سواء إن كنت تحب أوباما أو لا، هو أمر مشين وخَطير".

لكن ماذا يجعل بوتين شخصية قوية لهذا الحد -بخلاف قدرته غير المشكوك فيها على حشد دعم الشعب الروسي- ويُكسبه مجموعة متزايدة من المعجبين مثل ترامب وغيره من القادة اليمينيين المتناثرين في أوروبا؟

قام بوتين بالاستيلاء على شبه جزيرة القرم، كما حرّك تمرّداً داعماً لروسيا في شرق أوكرانيا، حّول الإعلام الإخباري الروسي الذي كان ممتلئاً بالحياة فيما مضي إلى غرفة لترديد الصدى، وأعاد لموسكو اسمها كلاعب لا يستغنى عنه على الساحة الدولية، في دور حمامة سلام مرة ولإثارة المشاكل مرة أخرى.

تقدَّم دور حمامة السلام صباح يوم السبت عندما اتفقت روسيا والولايات المتحدة في جنيف على خطة جديدة لردع العنف في الصراع السوري، الذي تنحاز واشنطن وموسكو فيه لجانبين متضادين، لكن تجمعهما رغبة مشتركة للقضاء على تنظيم الدولة الإسلامية "داعش".

مع ذلك، غالباً ما تعثر بوتين فيما يخص الأهداف الذي أعلن عزمه على تحقيقها في سباقه الرئاسي الأول في مارس عام 2000.


التخلص من نخبة واستبدالها بأخرى


قام بوتين بتقليل أعداد نخبة الأغنياء ذوي النفوذ السياسية، ممن جنوا المليارات في صفقات مشبوهة تحت حكم الرئيس يلتسين في التسعينات، أو دفع ببعضهم إلى المنفى. لكن هذا أبعد ما يكون عن إلغاء "وجودهم كطبقة اجتماعية" كما وعد، بل خلق طبقة جديدة من كبار رجال الأعمال الذين ما زالوا يتمتعون بالصفقات الداخلية نفسها، يكمن الفرق بينهم وبين هؤلاء الذين انتعشوا تحت حكم يلتسين في أن النخبة الجديدة لا تجرؤ على معارضة الكرملين.


اقتصاد قائم على الدخان


كما يتفاوت سجل بوتين الاقتصادي بين المتذبذب والضعيف. فقد نما الاقتصاد بسرعة شديدة في أول فترتي حكم له، من عام 2000 إلى 2008، بمتوسط نسبة 8 في المائة سنوياً، يرجع الفضل في ذلك بشكل أساسي إلى ارتفاع أسعار مصادر الطاقة، التي تُعتبر روسيا مصدّراً مهماً لها. لكنه لم يؤدِّ لأي من وعود التنوع خارج إطار النفط والغاز أو التحرر من الفساد التي قطعها بوتين مراراً.

والآن مع انخفاض سعر برميل النفض لأقل من 50 دولاراً، وهو نصف ما كان عليه عام 2014 وبعيداً عن أعلى سعر له 145 دولاراً عام 2008، الاقتصاد الروسي في ركود. وبالرغم من ارتفاع ضئيل في يونيو/حزيران 2016 لكنه هبط بشكل عام بنسبة 1 في المائة منذ بداية السنة.

يظل هذا أفضل من هبوط 3.7 في المائة السنة الماضية، لكنة يظل مهدِداً للاتفاق الذي عقده بوتين مع شعبه: رخاء متصاعد في مقابل الطاعة.


محاولة الفوز بقلوب الروسيين خارج البلاد


مع التهديد المحيط بالاقتصاد، حوّل الكرملين اهتمامه إلى الشؤون الخارجية للحفاظ على شعبية بوتين في مستوى يتمناه أي قائد غربي. ارتفعت شعبيته بشدة بعد الاستيلاء على القرم عام 2014، ما أطلق موجة من الحماس الوطني عبر روسيا؛ وسبب متاعب اقتصادية أكثر بعد فرض الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات على روسيا.

كما صاحب التدخل العسكري في سوريا لمساعدة الرئيس بشار الأسد، تقارير عبر تلفزيون الدولة تحتفل بدور موسكو كقوة أساسية لا يمكن حل أية مشكلة عسكرية أو سياسية بدون مساعدتها. أدى هذا لتعزيز موقف بوتين في بلاده، لكنه أدى أيضاً إلى قلق حذر من نواياه بين القادة السياسيين البارزين في الخارج.

لم يكتفِ بوتين بإدخال روسيا إلى سوريا، أدخلها أيضاً إلى الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني الأعقد حالاً، حيث يُجري دبلوماسيون روس محاولات مستميته لتدبير اجتماع بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ورئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس.

يقول ديميتري ترينن، مدير مركز كارنيجي في موسكو، وهي مجموعة بحثية، وخبير في السياسة روسيا الخارجية "من المهم بالنسبة لبوتين أن يوجه رسالة أن موسكو قوة عالمية، خاصة للولايات المتحدة".

كما يقول إن بوتين استشاط غضباً عندما وصف الرئيس أوباما روسيا بأنها "قوة إقليمية" عام 2014. ولرغبته في إثبات أن أوباما كان مخطئاً للاستهانة بقوة روسيا، دخل بوتين في دوامة من النشاط الدبلوماسي عبر الشرق الأوسط وآسيا، ليؤكد أن تأثير دور موسكو يتخطى الحدود الضيقة للاتحاد السوفييتي السابق.

يقول ترينن "يمكنك انتقاد روسيا في أي شأن، لكن أن تستهين بها، هذه جريمة".


إعلام معصوب العينين


تُدق الطبول اليوم في التلفاز الروسي بإعلان أن روسيا أصبحت قوة يُحسب لها ألف حساب.

تحت حكم الرئيس الروسي السابق بوريس يلتسين، ضم التلفاز مجموعة متنوعة من القنوات الحكومية والخاصة التي تقدّم آراء متنوعة ومختلفة، لكن الآن تسيطر الدولة عليه بشكل عام ويعمل كلياً كأداة لتوصيل رسائل الكرملين.

قال بوتين لثلاثة صحفيين روس بصدد تأليف كتاب لتلميع صورته قبل الانتخابات الرئاسية لعام 2000، عندما كان ضابطاً سابقاً وغير مشهور بالاستخبارات السوفييتية "إننا نفسر حرية التعبير بطرق مختلفة".

منذ ذلك الوقت، تعرضت إحدى هؤلاء الصحفيين، ناتاليا جيفوركيان، للاعتداء بالضرب مرتين من قبل مهاجمين مجهولين، وقام رجل أعمال موال للكرملين بالاستيلاء على إدارة الجريدة التي عملت بها، كومرسانت، ذات الكتابات الحرة فيما مضى. بعد منعها من النشر في روسيا، تعيش جيفوركيان الآن بشكل أساسي في فرنسا.


لكنه يمتلك شعبية جذابة


برغم أنها لم تكن يوماً من المعجبين ببوتين –"كنت متأكدة أنا شخصاً خدم الاستخبارات السوفييتية لا يجب أن يصبح رئيساً"- تعترف جيفوركيان بامتلاك الرئيس الروسي لميزة لا جدال فيها، ميزة تروع مثقفي روسيا وتأسر معجبيه مثل ترامب: "الشعب انتخبه".

أكملت "لديه شعبية واسعة، ربما ليست لنسبة 86 في المائة، لكنها بالتأكيد فوق الخمسين في المائة، هذه هي الديمقراطية. يجعلني هذا أشكك في الديمقراطية".

من المؤكد أن نسب شعبية بوتين تتجاوز شعبية أوباما، ومتوقع أن يفوز بوتين بسهولة في الانتخابات الرئاسية القادمة عام 2018 إذا قرر الترشح. لكن السلطات لا تترك مجالاً للفرصة.

في آخر هجمات حملة ثابتة لإغلاق أو على الأقل ترويض المصادر البديلة للمعلومات، أعلنت وزارة العدل الروسية مؤخراً تصنيف مركز ليفادا، وهو مركز محلي مستقل لاستطلاع الآراء، وموثوق به على نطاق واسع، في سجلها الرسمي للمؤسسات "كعملاء أجانب،" وهو تصنيف يقول المركز إنه سيقضي على نشاطه.

جاء القرار بوصم أكثر مؤسسات استطلاع الرأي في البلاد مصداقيةً بكونها "قوة أجنبية" بعد نشر استطلاع رأي أظهر انخفاضاً في شعبية حزب بوتين، حزب روسيا المتحدة، قبيل الانتخابات البرلمانية في الثامن عشر من سبتمبر/أيلول 2016.

يقول بيتر كريكو من مؤسسة رأس المال السياسي، وهي مجموعة بحثية في بوادبست، إن شعبية بوتين جعلته شخصية جذابة في أعين السياسيين والناخبين الغربيين، ممن يرغبون في قرارات أكثر حسماً وعالم آمن من مخاطر الهجرة، انعدام الأمن والعولمة الاقتصادية.

ويقول: "يميل كل السياسيين الغربيين ممن يصفون أنفسهم بمعاكسة التيار الحالي لتبني آراء إيجابية تجاه روسيا وبوتين. ويرون أن نظام بوتين شديد الفاعلية، بعكس الأنظمة الديمقراطية المترددة والعاجزة أحياناً في بلادهم".

ويضيف كريكو أن هذه الفاعلية أسطورة غير صحيحة لكن يصدقها الكثيرون، يقول "كنا نظن أنه بفضل وسائل الإعلام التعددية، وتوفر المعلومات بالأرقام المفصّلة، والعولمة أنه لم يعد من الممكن أن يتعرض الناس لغسيل الدماغ، لكن ما نراه الآن في روسيا والمجر أيضاً أن هذا يحدث بالفعل، وأن غسيل أدمغة الشعوب ما زال ممكناً".

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The New York Times الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.