ضحية للتعذيب ووسيلة للشهرة وزبون عند الحلاقين.. مشاهد متناقضة لحيوانات تعيش بمصر

تم النشر: تم التحديث:
EGYPT
middleeasteye

"تصل آلاف الإبل لبرقش كل أسبوع.. شاحنات من مناطق بعيدة مثل السودان والصومال"، بعد أَن تقطع آلاف الكيلومترات في أوضاع بالغة القسوة.

محمد فوزي فهمي، بائع الجمال من قرية دراو بمحافظة أسوان بجنوب مصر، التي تشتهر بتجارة الجمال سافر أكثر من 800 كيلومتر لبيع ما لديه من الإبل في سوق برقش المزدحمة، حيث يشارك التجار المقايضة والبيع والشراء.

على بعد 35 كيلومترا شمال غرب القاهرة، تقع برقش، أكبر سوق للجمال في مصر، وهي موجودة منذ القرن الرابع عشر، وفقاً لما يرويه السكان المحليون.

11

معظم الجمال التي تأتي في رحلة شاقة في بعض الأحيان إلى برقش ينتهي بها الحال إلى تلبية الطلب على الغذاء لسكان القاهرة التسعة ملايين، أما الباقي فقد يستخدم لأعمال المزرعة أو السياحة. عند وصولها، تعاني الحيوانات في بعض الأحيان من الهزال أو من جروح مفتوحة جراء تعبئتها في شاحنات مكتظة في رحلة طويلة، لا تراعي بالضرورة الحيوانات، فالجمال هنا مجرد سلعة، حسب تقرير بموقع East Eye البريطاني.


ارتفاع الأسعار


ونظرا لارتفاع أسعار الإبل، وإيجارات الأراضي، وأسعار العلف، والضرائب على الواردات، فقد تزايد الاستياء بين باعة الإبل في السوق هذا العام (2016).

قال فهمي "التكلفة الإضافية تهدر مالنا، نحن مسؤولون عن تلك القطعان التي جاءتنا من السودان. نبيع لصالحهم وبعد ذلك تُرسَل الأموال إلى أصحابها، نحن المزارعين أفلسنا لأننا ندفع تكلفة أكبر بكثير، بما في ذلك العلف والنقل. لقد ارتفع سعر الجمل ما لا يقل عن 2000 جنيه مصري منذ العام الماضي".

"إن تكلفة نقل الجمال من أبو سمبل [جنوب مصر] إلى دراو تصل إلى 1500 جنيه مصري للجمل الواحد، ثم نجمع أموالنا مرة أخرى بعد إطعام الإبل ورعايتها. في النهاية، نصبح مدينين للناس بمبالغ كبيرة".

مع تزعزع الاقتصاد المصري، تأثرت تجارة الإبل جراء ارتفاع الأسعار في قطاعات أخرى تبدو غير ذات صلة، مثل النفط والكهرباء.

يقول فهمي "كل شيء، من الوقود المستخدم للنقل والكهرباء لمعدلات الري، وارتفاع سعر الدولار، له تأثير على السوق. حتى التاجر السوداني يطلب حسابه بالدولار رغم أن عملتهم ليست الدولار".

اليوم، تواجه معظم الأسر في مصر صعوبات مالية نتيجة لارتفاع الأسعار. تجسد بداية العام الدراسي الجديد أيضاً تكاليف إضافية، تعطيها الأسر أولوية على ما كان فيما مضى من أساسيات الحياة اليومية.

1

وقد طال تأثير تلك التحديات تجارة الإبل، فانخفضت مبيعات الإبل عن السنوات السابقة، على الرغم من أن لحوم الإبل رخيصة نسبياً مقارنة مع أنواع أخرى من اللحوم، مثل لحوم البقر والضأن، فالإبل أقل عرضة للإصابة بالمرض، وهكذا تكون خسائرها أقل.


المعاملة السيئة للجمال


ولكن ليست البيئة الاقتصادية فقط هي التي تؤدي إلى عدم الاستقرار المالي في تجارة الإبل. فالسوق يحقق خسائر مالية بسبب سوء معاملة الحيوانات أيضاً. في الواقع، ليس لضعاف القلب مكان في برقش، ويمكن اعتبارها كابوساً بالنسبة لنشطاء حقوق الحيوان، حسب التقرير.

يبدأ المزاد بوضع الجمل وسط دائرة من العملاء، يليها نداء بائع الجمال بالسعر الأول له. وما أن يبدأ هذا المزاد المصغر، حتى يبدأ الرعاة المساعدون في نكز الجمل بعصي الخيزران وضربه على رأسه وجلد ظهره. المعتقدات المحلية تقول إنه كلما كان الجمل أكثر مقاومة واهتياجاً، دل ذلك على قوته وشبابه، وبالتالي كان لحمه أفضل.

ورداً على سؤال حول الطريقة التي يجب معاملة الحيوانات بها، قال السيد أبو الشيخ، وهو راع من فرشوط بمحافظة قنا، "لا ينبغي أن تكون المعاملة قاسية، ولكن الأمر يختلف من جمل إلى آخر.

فالجمال الصومالية ليست مروضة وتحتاج إلى الضرب لأنها قوية. أما الجمال المصرية أو السودانية لا تتحمل الضرب. لا يمكنك الإمساك بالإبل الصومالية ولا تستطيع وضع السرج عليها. لكن الجمل المصري أليف، يمكنك وضع السرج على ظهره، وجعله يجلس ويقف. تربى الإبل الصومالية في الصحراء، أما المصرية ففي المزارع، لذلك من السهل التعامل معها".

بالنسبة لغالبية الجمال -الصومالية، السودانية أو حتى المصرية- في السوق، تقل فرص البيع حينما تكون مصابة أو يظهر عليها الضعف. رغم أنه من البديهي أن يمنع التاجر ضرب "البضائع" أو تركها تنزف، إلا أن ذلك لا يعتبر خسارة كبيرة عند التعامل مع بعض الحيوانات الضعيفة، خاصة خلال موسم العيد، عند ذروة المبيعات استعداداً للاحتفالات.


سباقات الخيول والشهرة والمجد


كل سبت، يقام سباق خيول بالقرب من السوق، حيث يتجمع أصحاب الخيول على طريق الصعيد في جنوب الجيزة للتسابق والرهان على الحيوان الأسرع. إنه ملتقى لعشاق الخيل ومحبي الحمير حيث يتجمعون لعقد صفقات، وعرض حيواناتهم المميزة ويستمتعون باندفاع الإدرينالين في عروقها حتى تصل إلى خط النهاية.

العربي (35 عاماً) جزار يمتلك عربة تجرها الخيول. يقول "أحب أن آتي لمشاهدة السباقات. يحكم على الخيول المصرية من الجمال والقوة والسرعة.. القليل من الناس يراهنون على النتيجة، ولكن الغالبية تأتي للمشاهدة، مثلي، والجائزة هي الشهرة المحلية والمجد. وهذا ينعكس على سعر الحمار أو الحصان في وقت لاحق".

لكن صالح (18 عاماً)، متسابق عربات، يقول: "أحضر هذا السباق في نهاية كل أسبوع منذ كنت في الخامسة. كنت آتي مع والدي وكان يراهن بالمال في بعض الأحيان على الخيول. وأنا أحياناً أفعل ذلك أيضا. ما يهمني حقا ليس المال، أنا فقط أحب الرهان والتنافس".

يأتي البعض فقط للاستمتاع بالإثارة في السباقات، والبعض الآخر يأتي فقط للبيع والشراء.

سكسكة (42 عاماً) متسابق عربات، يقول "أنا اليوم أبحث عن حصان قوي لشرائه لأن حصاني مات الأسبوع الماضي".

وجد سكسكة حصانه عندما التقى مصطفى (32 عاماً) الذي عقد صفقة معه وشرح له استراتيجية عمله.

وأضاف "هذا عمل إضافي بالنسبة لي. فأنا جزار، ولكني أشتري الخيول، وأطعمها جيداً وأدربها، ثم آتي بها بعد ذلك إلى السباق، ودائماً أجد عميلاً يدفع مبلغاً مناسباً ثمناً لها".

في السباق، كان سيد (48 عاماً) يوزع بطاقات العمل ويختبر توازن بعض العربات. بالنسبة له، السباق ليس بحثاً عن المال والمتعة وحسب، ولكنه أيضاً مرتبط بقوة بإحساسه بالهوية. يقول "أنا من الإسكندرية ولدي ورشة هناك، حيث أصلح وأصمم العربات، وجميع راكبي العربات يعرفونني بالاسم. جئت إلى هنا للاستمتاع بوقتي ومباشرة عملي في نفس الوقت".

يعتبر سيد خبيراً في عربات الأحصنة، كما يفهم التوازن الدقيق لكل عربة. يقول "كل عربة يجب أن تكون مناسبة ومصممة وفقاً لقوة الحيوان الذي سيجرها.

في بعض الأحيان، يكون الحيوان أقوى من تصميم العربة أو يكون التصميم ثقيلاً جداً بالنسبة لهذا الحيوان. إذا كانت العربة ثقيلة على الحصان، سوف يضطر المالك أحياناً إلى استبدال الحيوان بواحد أقوى. وأحيانا يقوم صاحب الحصان بإخصائه في محاولة لتسهيل التعامل معه والسيطرة عليه".


"حلاق الحمير"


في منطقة مصر القديمة، بالقرب من سور مجرى العيون بالقاهرة القديمة، يعمل محمد حلاقاً. لكنه ليس حلاقاً عادياً، فعملاء محمد يتطلبون مهارات خاصة، فهى حيوانات، ومعظمها من الحمير والخيول. هذه المهنة معروفة في مصر، تتوارثها الأجيال في أسرة محمد.

يقول محمد "تعمل عائلتي في مجال الحلاقة للخيول والحمير منذ عدة عقود. منذ عهد الملك فاروق، كان أفراد عائلتي يعملون بحلاقة الخيول التي يملكها أفراد العائلة المالكة.

1

جدي كان يعمل حلاقاً لحيوانات قصر عابدين حيث كان يعيش الملك، وكان يأتينا أيضاً ممثلون مشهورون لحلاقة شعر حيواناتهم، نجوم مثل أحمد مظهر، والآن أحمد السقا".

اكتسب محمد وعائلته سمعة طيبة في معاملة الحيوانات، واشتهروا بتسريحات الشعر الخاصة. يقول محمد "هناك تسريحات مختلفة؛ الحلاقة المحلية، على غرار النمط الإنجليزي، أو الحديثة حيث نكتب الأحرف أو الأسماء بالشعر، والأمر يرجع لاختيار العميل".

تحدث عميل يصطف مع حماره في انتظار دوره عن أهمية تلبية احتياجات الحمار أثناء الطقس الحار وامتدح رفق محمد بالحيوانات التي يعمل معها.

قال "أولاً الشعر للحمير أو للحيوانات بشكل عام مهم جداً في الطقس الحار، فهو يجعل الحمار يشعر بالراحة والنشاط. ما جعلني أختار محمداً لقص شعر الحمار هو معاملته الحسنة مع الحيوانات. وهو يجيد قصات متنوعة مما يجعل الحيوان يبدو أكثر جمالاً".

كان مصطفى، والد محمد، حلاقاً أيضاً، ولكنه أصبح يفضل رعاية الحيوانات المريضة والمصابة في السنوات الأخيرة. "إن الأمر لا يتعلق بالتعامل مع الحصان أو الحمار أو أي نوع من الحيوانات، ولكن بالإمساك بالمقص. أنا الآن أضعف، ولكن لا يزال يمكنني مساعدة محمد بخبرتي في رعاية الحيوانات المصابة والمريضة، هكذا يقول الحلاق المعتزل مصطفى.

1

أحياناً أصف العلاج على الفور، وأحياناً أخرى أقوم بإعطاء الدواء أو الحقنة التي يصفها الطبيب البيطري، ويمكنني أيضاً المساعدة في تجارة الحيوانات أثناء الشراء أو البيع. فأنا مشهور، وأصحاب العربات يطلبون نصيحتي دائماً".

وبينما محمد مشغول في حلاقة شعر حصان، كان ابنه البالغ من العمر خمس سنوات. مصطفى، يساعد بحماس. قال محمد "لا مدرسة، ماذا سيفعل بعد تخرجه؟ لا شيء. لكن معي هنا سوف يتعلم شيئاً يمكِّنه من كسب المال، وهي مهنة عائلتنا كذلك. أي شيء أفضل من رعاية الحيوانات وعائلتك؟".

1

عناية محمد وأسرته الفائقة بالحيوانات تعتبر نادرة بين المصريين، حيث يؤدي نقص التثقيف في مجال حقوق الحيوان والممارسات المتوارثة إلى معاملة قاسية.

الكثير من المصريين غير متعاطفين مع قضايا حقوق الحيوان لانشغالهم بالكفاح من أجل مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية الخاصة بهم.

- هذا الموضوع مترجم عن موقع Middle East Eye البريطاني. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.