الطلاب الألمان يلتقون زملاءهم اللاجئين لأول مرة.. ما أهمية نجاح عملية الاندماج؟

تم النشر: تم التحديث:
S
s

ليست العودة إلى المدارس في برلين خلال هذا الأسبوع عادية على الإطلاق: فمع حصول آلاف اللاجئين الصغار على مقاعد جديدة في الفصول الدراسية، تواجه ألمانيا الاختبار الأقوى لنزاهتها.

إذا كانت أزمة اللاجئين في بداية العام الدراسي الماضي قد وقعت على الحدود وفي الملاجئ، فالدراما قد انتقلت في العام الحالي إلى المباني الدراسية. رغم أنَّ عدد اللاجئين القادمين قد تباطأ بدرجةٍ ملحوظة، إلَّا أنَّه ما زال ينمو. وسينتقل الآن الكثيرون، الذين كانوا قد وُجِّهوا في البداية للحصول على التدريب الترحيبي لتعلُّم أساسيات اللغة الألمانية، إلى الفصول النظامية، وفق ما ذكر The Christian Science Monitor.

التحديات ضخمة، فيما يتعلَّق بالمعلِّمين ونقص الأماكن والتكاليف شديدة الارتفاع. وبينما لن تُثبَت صحة مقولة المستشارة أنجيلا ميركل المتكرِّرة كثيراً، وهي أنَّ ألمانيا يمكنها النجاح في هذا الأمر، في المدارس سوى على المدى الطويل، إلَّا أنَّ النظرية تخضع للاختبار الآن بالفعل. يقول الكثيرون إنَّه إذا فشلت المدارس، ستفشل كذلك عملية الإدماج.

يقول ماتياس نواك، من مؤسسة مالتيزر الدولية الكاثوليكية غير الهادفة للربح التي تدير أحد أكبر مراكز اللاجئين في برلين، إنَّها إذا نجحت، ستنجح ألمانيا أيضاً. في يوم قريب، بينما كان الصبيان والفتيات يتجولون في القاعات بعد المدرسة، جلس طفل وحيد على قدميه ليؤدِّي واجبه المدرسي. يضيف نواك أنَّهم "الأشخاص الأهم هنا، فهُم محرِّك الدمج في هذه المدينة".

ويوضِّح أنَّ تجاربهم في المدرسة ستصبح ممراً نحو اندماج الأسرة بأكملها.


تكلفة التعليم


من بين المليون طالب لجوء الذين وصلوا إلى ألمانيا العام الماضي، يوجد 300,000 في سن الدراسة. تنامى هذا الرقم إلى حوالي 400,000 في العام الحالي، بسبب استمرار وصول اللاجئين. وفي برلين، تضاعف عدد اللاجئين وطالبي اللجوء المسجَّلين منذ ديسمبر/كانون الأول 2015 حتى بداية العام الحالي من 6000 إلى 12,200 شخص.

يقول ديتر دومن، رئيس مركز أبحاث اقتصاديات التعليم والشؤون الاجتماعية في برلين، إنَّ إدماجهم الأكاديمي، من روضة الأطفال حتى التعليم العالي، قد يكلِّف ألمانيا 67 مليار يورو (75 مليار دولار)، بناءً على عدد طالبي اللجوء المتوقَّع حتى عام 2020، وهو 3,6 مليون. ويضيف أنَّ النظام سيحتاج إلى مبلغ من 15 إلى 16 مليار يورو (من 17 إلى 18 مليار دولار) لتعليمهم تعليماً مناسباً هذا العام فقط، أي ما يبلغ 10 بالمئة من ميزانية التعليم السنوية للولايات الستة عشر كلها.

أحد أكبر التحديات هو عدم وجود أماكن. يقول نواك إنَّه من بين 140 طفلاً في سنّ الدراسة في مركز برلين للاجئين، وجد 120 طفلاً مكاناً في المدرسة، بينما يبذل المركز قصارى جهده للعثور على أماكن للبقية.

في برلين، يقول اتحاد المعلِّمين إنَّ هناك حاجة لبناء 80 مدرسة إضافية بحلول عام 2030، وفقاً ليوليان تساخر، معلِّمة الصف الثانوي التي ترأس لجنة السياسات المدرسية في النقابة العمَّالية GEW، والتي تقول "نحن حقاً بحاجة إلى المزيد من الموارد كي نتكيَّف بنجاحٍ مع هذا الوضع".

يقدِّر الخبراء أنَّ ألمانيا تواجه عجزاً قدره حوالي 25,000 معلِّم، مع الحاجة إلى 1,100 معلِّم إضافي في برلين.

ويقول يوسف كراوس، رئيس نقابة المعلِّمين GTA، إنَّ هناك حاجة أيضاً إلى المزيد من المترجمين الفوريين والأخصائيين الاجتماعيين وعلماء النفس "من أجل خدمة العامة الذين تعرَّضوا لصدمات جراء الحرب والهروب".


تحديات لا نهائية


يدرس محمد الصحن، مراهق من سوريا، في مدرسة وولدورف المجانية الخاصة بحي كروزبرغ في برلين منذ فبراير/شباط، بعد أن وافقت المدرسة على قبول طلاب لاجئين. يقول إنَّ خوفه الأكبر لم يكُن عدم معرفته بالألمانية، وإنَّما التلعثم الذي أصابه خلال الحرب. ويضيف "كنت أرتِّب كل العبارات في رأسي، ولكنَّها لا تخرج من فمي. ولكنَّني تعلَّمت أن أكون لطيفاً وهادئاً ومسترخياً".

يعتبر محمد اندماجه ناجحاً حتى الآن، إذ يقول "في البداية، كان وجودي في الفصل هنا وعدم فهمي أي شيء غريباً. ليس هذا إحساساً لطيفاً". أمَّا الآن فمستواه في اللغة الألمانية فوق المتوسط، ويطمح أن يكون طبيباً.

ولكن التحديات التي تواجه طاقم العمل لا نهائية. فتقول وسيمة شولز، التي ترأس "الصف الترحيبي" في مدرسته، إنَّ عودة الدراسة تمثِّل فيضاناً، إذ وصل إلى فصلها طفلان جديدان في الأسبوع الحالي فقط. وتفسِّر قائلةً "لا نعرف متى سيأتي طالبٌ ما، يقولون، تفضَّلوا الطالب الجديد. في هذه اللحظة يحثّ المرء نفسه على الهدوء ثم يلتفت للطالب ويقول (مرحباً بك)". وتضيف المدرَّبة على علم النفس أنَّ الصدمة التي واجهها الكثير من الطلاب رهيبة، إذ "يسأل بعضهم 'لماذا أنا هنا؟ هل ما زال أصدقائي على قيد الحياة؟'".

وتقول راكيل ألفاريز، معلِّمة الإسبانية التي تدرِّس الآن أيضاً الألمانية لغةً ثانيةً، إنَّه "لدى بعضهم فجوة في التعليم". وعلى المعلِّمين التعامل مع مستويات متنوعة من القدرات.

تقول وسيمة شولز "عليك أن تكون مرناً جداً".

يقول آرمن إيمرلات، الذي شارك في تأليف كتاب "اللاجئون هنا: كيف يغير الأطفال اللاجئون أنظمة مدارسنا ويطورونها" إنَّ ألمانيا قد أبدت مرونةً وستكسب نتيجةً لذلك. كانت المدارس العام الماضي غير مستعدة، ولكنَّها سرعان ما اندفعت إلى العمل. ويضيف أنَّ "الطلاب كانوا موجودين والمعلِّمون يجلسون أمامهم، ثم بدأت المدارس تتغيَّر دون خطةٍ عليا".

ويقول أيضاً إنَّ اللاجئين قد سرَّعوا من المحادثات الدائرة بالفعل، مثل ما إذا كان توجيه ألمانيا لتعليم الطلاب وحصرهم في اتجاه محدد، نحو تدريب مهني أو مسار تعليم عالٍ، ناجحاً وعادلاً أم لا.

كما حفَّز ذلك ما يقرب من نصف مليون طالب في برلين. فقال يوشوا كرايسمان، المتخرِّج حديثاً من المرحلة الثانوية، إنَّه عندما التحق طالبو اللجوء بـ"الفصول الترحيبية" في مدرسته في منتصف عامه النهائي المزدحم، ظلُّوا متفرقين. لذا نظَّم وأصدقاؤه لقاءات -للطهي أو لدروس اللغة الألمانية- حوَّلها الآن إلى منظمة غير حكومية تُدعى "الطلاب يقابلون اللاجئين"، وقد درَّب 30 طالباً، بدعمٍ من السفارة الأمريكية في برلين، لمضاعفة مشروعات الدمج.

ويضيف أنَّ "الطلاب قد أصبح لديهم منظور جديد للانخراط المدني والعمل التطوعي" بلغةٍ إنجليزيةٍ متقنة بخنّة طفيفة، نتيجة قضائه عاماً في أوكلاهوما ضمن برنامج تبادل طلابي.

"إنَّه ماراثون"


ما تزال هناك تحديات


يقول دومن "إنَّني متفائل نظرياً بأن تتمكَّن ألمانيا من التكيُّف مع هذا، ومتفائل بأنَّ الجهود المبذولة كثيرة وستظل كثيرة. ولكن انطباعي أنَّ لا أحد يملك حقاً الصورة الكاملة...لدينا 16 ولاية تقوم كلٌ منها بشيء مختلف قليلاً. لدى كل منها مبادراتها الخاصة وتبذل كل منها أقصى ما في وسعها، ولكن التمويل في الكثير من الحالات قليل نسبياً، وتنصبّ مخاوفي على الجودة".

لقد قال الآباء والسياسيون أنَّ اللاجئين سيستنزفون الموارد ويخفِّضون من المعايير التعليمية على الجميع. فقد تم تعيين الكثير من المعلِّمين ذوي الخبرة القليلة أو المعدومة في التعليم. وتتجلى هذه المخاوف في نسبة التصويت الضئيلة للمستشارة أنجيلا ميركل، التي خسر حزبها المحافظ الانتخابات المحلية في دائرتها لصالح احزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المعادي للمهاجرين.

قالت ميركل للمشرِّعين المحليين هذا الأسبوع "الوضع اليوم أفضل كثيراً ممَّا كان عليه منذ عام، ولكن لا يزال هناك الكثير الذي ينبغي فعله".

خفَّت الضغوط بالطبع مع انخفاض تدفُّق المهاجرين، ولكن نواك يقول إنَّ مهمة تكوين أعضاء جدد في المجتمع، وهي مهمة معقدة، ستبدأ الآن، والمدارس هي جبهتها الأمامية.

ويضيف "إنَّني مقتنع بأنَّ بإمكاننا تحقيق ذلك، ولكن هذا ليس سباقاً، إنَّه ماراثون" ويقدِّر أنَّ ألمانيا شارفت على الوصول إلى الميل الثالث.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Christian Science Monitor الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.