يجهلون معلوماتٍ عن دور الإسلام في بلدانهم.. مسلمو أوروبا حائرون بين الحفاظ على هويَّتهم وتنصُّلهم منها

تم النشر: تم التحديث:
1
social

مع تزايد المشاعر التي أُثيرت في أوروبا تأثُّراً بأزمة اللاجئين وارتفاع النزعة العنصرية والخوف من الإرهاب، ناهيك عن المناقشات المضطربة الدائرة حول العلمانية والبوركيني، يمكن القول بأن عملية استكشاف ما يفكر فيه مسلمو أوروبا لم تكن بمثل هذه الأهمية من قبل.

مُفتي سلوفينيا هو أحد الشخصيات المثيرة للاهتمام، الذي قابلته ناتالي نوغايريد الكاتبة والمحللة الاستراتيجية للشؤون الخارجية في صحيفة الغارديان البريطانية، في إحدى المؤتمرات التي نظمها معهد السلام الدولي مؤخراً في النمسا تروي تفاصيل لقائها معه وتسرد رؤيتها لأوضاع مسلمي أوروبا عموماً، وفقاً لما نشرته صحيفة The Guardian البريطانية.

يبلغ تعداد دولة سلوفينيا 2 مليون نسمة وهي دولة ينتمي أغلب شعبها للطائفة الكاثوليكية - وبينهم ما يقدر بـ50 ألف مسلم.

يجري حالياً بناء أول مسجد في العاصمة، ليوبليانا. كان لابد من التغلب على العديد من العقبات السياسية والإدارية من أجل الحصول على تصريح ببناء هذا المسجد، ولكن سرعان ما أُزيلت تلك العقبات بعدما قضت المحكمة الدستورية في سلوفينيا بأن حرمان أقلية في المجتمع من وجود مكان لممارسة عبادتهم يتعارض مع الحريات الدينية المُتعارف عليها.


مسلمو أوروبا ودفع الشبهات


لا عجب في أن مفتي سلوفينيا، نجاد جرابوس، يعتقد بأن مسلمي أوروبا يمرون بأوقات صعبة. إذ إنه أصبح لزاماً عليهم أن يدفعوا باستمرار الشبهات التي تشير إلى وجود ما يربطهم بالإسلام المتطرف أو الإرهاب.

جرابوس رجل هادئ ودائم الابتسام، في أواخر الأربعينات من عمره. وإن كان هناك شيءٌ واحد يود أن يؤكد عليه، فهو أن "الإسلام جزء من الحضارة الأوروبية". فلا يُعتبر الإسلام ديناً مُستحدثاً في أوروبا، ولكنه كما قال، "له بعض المظاهر الجديدة".

أُصيب جرابوس بالصدمة الشديدة بعد سماعه بظاهرة منع البوركيني هذا الصيف في بعض المنتجعات الفرنسية، فهو يعارض بكل صراحة أي تشريع يصدر بحظر النقاب. ولكنه من ناحية أخرى يقول بأن مسلمي أوروبا عليهم أن يواجهوا النقاب، لأنه يمنع المرأة المسلمة من أن تحظى بمكانتها المُنصفة في المجتمع.

وُلِد جرابوس في بلدة ترافينك البوسنية (ثم انتقل والده بأسرته بعد ذلك إلى سلوفينيا، حين وجد فرصة عمل، عندما كانت سلوفينيا تابعة ليوغوسلافيا الاشتراكية التي سيطر عليها الشيوعيون). ينمتي جرابوس لمسلمي البلقان. ومن المؤكد أن الإسلام ليس بجديد في البلقان، فالمنطقة كانت تسيطر عليها الإمبراطورية العثمانية قديماً.


الاختلافات والحاجة للحديث المشترك


ومثلما تُعتبر أوروبا خليطاً من الثقافات والشعوب المختلفة، مسلمو أوروبا أيضاً متنوعون للغاية، مثلهم مثل تاريخهم. قد يبدو الأمر جلياًّ، ولكن على الرغم من ذلك، تتم تنحيته جانباً بسهولة، مع كل ما يجري حولنا من مناقشات حول الإسلام والهجرة والهوية السياسية.

دائماً ما يميل المسلمون إلى التجمُّع سوياً ككتلة واحدة. ويقول المفتي "في أوروبا، يجب أن نعترف نحن المسلمين بعدم وجود حديث مشترك بيننا. هناك العديد من الاختلافات". ويوضح كلامه بضرب الأمثلة على كيفية لعب الصفات العرقية دوراً أكبر مما يدركه العديد من المراقبين. يمكن للمسلمين الارتباط بجذورهم العرقية أو الوطنية (البوسنية، الألبانية، التركية، الكردية، الجزائرية، الباكستانية، وغيرها)، تماماً مثلما يفعلون في معتقداتهم الدينية.

ولكن، لا يعني هذا أنه لا يمكن خلق "حديث مشترك". يتمسّك جرابوس برأيه قائلاً "دورنا كمسلمين مقيمين في أوروبا، أن نخلق ذلك الحديث المشترك، والذي يمكننا من خلاله طرح مفهومنا عن الإسلام وانتمائه لهذا المكان". ويشير إلى وجود رابط قوي ما بين القدرة على القيام بتلك الأشياء من ناحية، وما بين التعليم والتغلُّب على الجهل من ناحية أخرى، وينطبق ذلك المسلمين وغير المسلمين على حدٍ سواء.


معلومات يجهلها البعض


يتساءل جرابوس بعد ذلك عن عدد الأشخاص الذين يعلمون أن الدولة المجرية النمساوية في فترة حكم عائلة هابسبورغ، اعترفت بالإسلام كديانة رسمية عام 1912 وكم عدد الأشخاص الذين يعلمون أن أول مسجد بُني في فرنسا، بناه علمانيو فرنسا (في باريس، في عشرينيات القرن العشرين)، وأنهم قدموه كتحية وإجلال لعشرات الآلاف من المسلمين الذين قتلوا في الحرب العالمية الأولى، وما هو عدد الأشخاص الذين يمكن أن يبدوا استعدادهم لتقرير حقيقة أن عالِم العصور الوسطى، ابن رشد، المولود في قرطبة عندما كانت الأندلس تحت حكم العرب، هو في الأصل مسلم أوروبي؟ أما الآن، مع القلق المسيطر بسبب الإرهاب والتطرف، فمن السهل نسيان الاختلافات الموجودة في أوروبا، والتنوع المنتشر ما بين جموع المسلمين فيها.

بعد حديثي مع جرابوس بعدة أيام، كنت في كولونيا لمقابلة ممثلي الاتحاد التركي الإسلامي للشؤون الدينية (كجزء من المجموعة التي تدرس أزمة اللاجئين في ألمانيا، والتي تنظمها مؤسسة روبرت بوش). وأما عن المسجد الرئيسي الموجود في كولونيا، فهو عبارة عن مبنى عصري غاية في الجمال، له جدران صلبة وأخرى زجاجية، بالإضافة إلى قبة على الطراز العثماني. ولا يزال المسجد تحت الإنشاء، ولكن وجوده، يُعَدّ دليلاً على بعض التغيرات الاجتماعية المُنتظرة.


تشكيك بالولاء


يعيش الملايين من المسلمين في ولاية شمال الراين-وستفاليا الألمانية - والتي تضم ثلث الجالية التركية الموجودة في ألمانيا، التي يصل عددها إلى 3 ملايين مواطن. أما عن الاتحاد التركي الإسلامي، فلديه العديد من العلاقات المؤسسية القوية مع الدولة التركية، ما دفع بعض الساسة الألمان إلى التعبير عن شكوكهم عما إذا كان ولاء تلك الجالية هو للجانب الألماني أم التركي.

وقد تطلب الأمر أعواماً بالنسبة لألمانيا، لكي تواجه حقيقة أن الـGastarbeiter الأتراك (العمال الضيوف)، الذين وصلوا في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، يجب أن يُلقّبوا بالمواطنين، ويحصلوا على حقوق المواطنة كاملة، وتتم معاملتهم على أنهم جزء لا يتجزأ من المجتمع الألماني، وعلى أنهم مجموعة من السكان الذين استقروا بصفة دائمة وليس فقط لفترة مؤقتة.

ولكن من ناحية أخرى، يقول مراد كايمان، عضو الاتحاد التركي الإسلامي: "لم يكن أسلوب معاملة المسلمين أسوأ مما هو عليه الآن". تزداد الحوادث ذات الدافع العنصري أو المعادي للمسلمين باستمرار. أما الآن، فواقع محاولة ألمانيا الجدية لدمج أكثر من مليون لاجئ وصلوا عام 2015 - أغلبهم من العالم العربي - خلق ضغوطات إضافية. وبهتت "ثقافة الترحيب" الحار التي انتشرت العام الماضي، وحظي اليمين المتطرف بمكاسب انتخابية - بينما كان رد فعل أنجيلا ميركل حيال هذا الأمر غامضاً للغاية، إذ قالت في إحدى خطاباتها "ألمانيا ستظل ألمانيا".


ضعف التواصل


ما أدهشني حقاً أثناء حديثي مع مفتي سلوفينيا وقادة المسلمين الأتراك في كولونيا، هو ما بدا لي من ندرة التواصل والزيارات فيما بينهم، أو بين المجتمعات المسلمة في فرنسا وبريطانيا أو إسكندنافيا. ومثلما تقوم كل دولة أوروبية بالتعامل بمفردها مع القضايا التي تتعلق بالتعددية الثقافية والتكامل، والنماذج المتباينة من العلاقات ما بين الدين والدولة، فالمجتمعات المسلمة في أوروبا مُفتتة أيضاً. غالباً ما تختفي تلك التعقيدات في أوروبا، وسط المناقشات والمناظرات الهستيرية حول الإسلام.

كتب المؤرخ توني جودت ذات مرة عن الحاجة إلى "وضع خريطة لتوضيح المعالم المتداخلة والخطوط التي أصابها الخلل في الهوية الأوروبية بل والتجربة الأوروبية بأكملها". ذلك لأنه "في عصر التحول الديموغرافي وإعادة التوطين، أصبح الأوروبيون في زمننا هذا أكثر عدداً وأقل تجانساً من ذي قبل".

ستحدد الطريقة التي تتعامل بها المجتمعات الأوروبية مع التنوع المتنامي مصير ديمقراطياتنا. وربما تكون عملية بذل المزيد من الاهتمام لوجود الاختلافات ما بين المسلمين في أوروبا، بدلاً من النظر إليهم على أنهم كتلة واحدة، هي إحدى الطرق للتقدم نحو الأمام.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.