قائد عظيم أم ديكتاتور وحشي؟.. الصين تتذكر ماو بعد 40 عاماً على وفاته

تم النشر: تم التحديث:
YY
AP

أقلية صغيرة، ولكن صاخبة، من الماويين الجدد يتجاهلون التركيز الغربي على المجاعة والفوضى في عهد ماو، ممتدحين مؤسس الجمهورية الصينية في ذكرى وفاته.

صباح الجمعة، استيقظ الأكاديمي جانغ هونغ ليانغ (60 عاماً)، ونهض من فراشه متجهاً إلى موعد سريّ في شمالي غرب العاصمة الصينية بكين، وغنّي أغنية في مديح ماو تسي تونغ.

محاطاً بالعشرات من الرفقاء الماويين، يقف الأكاديمي الصيني دقيقة حداد قبل إلقاء خطاب عن أمجاد فترة حكم الربّان العظيم التي امتدت 27 عاماً. ويأتي خطابه تحت عنوان "ماو تسي تونغ: زعيم الشعب".
وفي وقت لاحق، وبعد ساعات من تأمل ومطالعة تعاليم ماو، يختتم اللقاء التأبيني بعزف نشيد الأممية، النشيد الرسمي لليسار.

يقول جانغ: "لو أهملنا تعاليم ماو، لن يكون للصين مستقبل". ويضيف الأستاذ في جامعة مينزو بالعاصمة الصينية بكين، وأحد أبرز الماويين الجدد "دون الرئيس ماو لن تكون هناك صين جديدة".

لكن جانغ ليس وحده هنا. فمع استعدادت جمهورية الصين الشعبية لإحياء الذكرى الأربعين لوفاة مؤسسها، يوم 9 سبتمبر/أيلول 1979، تجري احتفالات مشابهة لما يقوم به جانغ ورفاقه في كافة أنحاء البلاد.


زلزال مدمر


ففي تانجشان، وهي مركز صناعي ضربه زلزال مدمّر قبل شهر من وفاة ماو، يقيم مؤيدو ماو احتفالات بذكرى القائد تضمّنت مهرجاناً يمتد ليومين ويحوي فقرات للشعر ومسرح الظل وفن الخط اليدوي وسرد القصص.

وتعرض صورة نشرها موقع هوان بوهاي الإخباري عدداً من المشاركين في الاحتفالات متحلّقين حول رايةٍ كُتِب عليها: "الرئيس ماو هو رائد الصين الأول".

وذكر موقع تابع للحزب الشيوعي أن طلاب المدارس الثانوية في هينغشو، وهي مدينة تقع شمالي الصين، تجمّعوا لرثاء "القائد العظيم" مع فقرات من "إلقاء الشعر الحماسي والرقص والأوبرا".

وأوردت الصحف الصادرة في العاصمة بكين تقارير تفيد بارتفاع كبير في أعداد "الحجاج الماويين" المتدفقين إلى ميدان تيانانمين، حيث يرقد الجثمان المحنّط للرئيس الصيني، وهو متاح لزيارة الجماهير منذ افتتاح الضريح الضخم عام 1977.

عند دخولهم إلى ساحة الضريح، يلقي المشيعون زهور الأقحوان الصفراء أسفل تمثال رخامي كبير للقائد الثوري، في مشهد تبجيل شبه ديني.

"لن تكتمل رحلتي إلا برؤية الرئيس ماو". هكذا يقول هوانغ شين في حديث لـ"جلوبال تايمز" أثناء وقوفه في طابور طويل بانتظار رؤية تابوت ماو هذا الأسبوع.

وعند رؤيته جثّة ماو لأول مرة، انهمرت دموع هوانغ، قائلاً للصحيفة: "لقد ارتبط جيلنا بشكل عميق بالرئيس ماو الذي قام بتشكيل مجتمع متناغم يستطيع فيه الجميع أن يثقوا ببعضهم البعض بلا خداع على الإطلاق".

وربما لا يثير الدهشة أن يتحول الفضاء الإلكتروني- في البلد الذي يقطنه أكبر تعداد للسكان الذين يستخدمون الإنرتنت، حوالي 710 ملايين حسب آخر إحصائيات الحكومة- إلى مكانٍ لإحياء الذكرى كذلك. تقول جلوبال تايمز أن حوالي 2.5 مليون شخصاً شاركوا في "حملة إلكترونية لإلقاء الزهور" لتكريم الربّان العظيم على تطبيق التواصل الاجتماعي "وي تشات" WeChat.

إلا أن هذه الاحتفالات لا تتناغم مع إجماع المؤرخين على مساوئ فترة حكم ماو. يقول المؤرخ الهولندي فرانك ديكوتر "أراه أحد أفظع مجرمي القرن العشرين". ويضيف المؤرخ الذي كتب ثلاثية عن فظائع حكم ماو "أتردد في أن أضعه في مرتبة أعلى من هتلر، لكنه يساويه رأساً برأس. وهذا تنافس صعب".

يرى البعض أن ديكوتر قد ذهب بعيداً في إصراره على هدم سمعة ماو، إلا أن بعضاً من المؤرخين الصينيين الجادين يصفون فترة حكم الديكتاتور الشيوعي بأنها ليست كارثية أبداً.

لقد أصيب الاقتصاد بالشلل، وتوفّي ما يقارب 45 مليوناً في ما يُعرَف بأحداث "المجاعة الكبرى" التي تسببت بها سياسات "القفزة العظيمة" الكارثية والتي هدفت إلى البدء في عملية تصنيع متسارعة جداً في نهاية خمسينيات القرن الماضي. وقد فقد ما يقارب مليونَين آخرين في "الثورة الثقافية" الصاخبة والتي امتدت على مدار عقدٍ من الزمن بدايةً من عام 1966 وانتهت رسمياً مع وفاة ماو في عام 1976.


"أحداث بشعة"


ss

وقد كانت الأحداث من البشاعة لدرجة أن الحزب الشيوعي نفسه أقرّ بأن فترة حكم ماو ألحقت بالبلاد "اضطرابات جسيمة وخسائر كبيرة وتراجعاً".

ورغم كل هذا، يقول جيف وسيرسترون، أستاذ التاريخ الصيني بجامعة كاليفورنيا في إرفاين، أن ماو يظلّ شخصاً يحظى بالتوقير في بعض أنحاء الصين.

ويستغرب الكثيرون في الغرب أن يشعر الناس "بأي شيء غير النفور والبغض تجاه شخص كان مسؤولاً عن المجاعة الكبرى ومأساة الثورة الثقافية".

ويضيف وسيرسترون، محرر كتاب "تاريخ أوكسفورد المصوَّر للصين الحديثة"، أن البعض في الصين يرى أن "هذه الأحداث ليست إلا جزءاً من حياة ماو".

وعوضاً عن التركيز على الفظائع التي ألحقها بالصين خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، يتذكر الكثير من الصينيين هذا الأسبوع ماو 1949، ذلك البطل الثوري "الذي قام بتأسيس الصين التي يفخرون بها اليوم، والتي تلقي بثقلها في كافة المحافل الدولية".

يقول وسيرسترون عن هذا الاحتفال: "سيكون هذا تأبيناً انتقائيّاً للغاية، إذ ينتقي المشيعون بعض الأحداث من حياة ماو خلاف تلك التي تتناولها الأوساط الغربية خارج الصين".

ويقول زانغ، وهو أحد أعضاء أقلية صغيرة صاخبة من الماويين الجدد، إن الانتقادات الموجّهة إلى "القائد العظيم" هي نتيجة الدعم الراسخ الذي كان يوليه للجماهير.

ويزعم الأكاديمي اليساري أن ماو، الذي توفّي عن عمر ناهز 82 عاماً، قد جرت "قراءة حياته بشكل خاطئ، بل ربما جرى تجريحه والتشهير به" لأنه جرؤ على أن يدفع منفرداً بالنخبة الأكاديمية والإدارية لخدمة مصالح الجماهير. ويضيف زانغ "كان الرئيس ماو أكثر القادة انعزالاً في التاريخ الصيني".

واليوم الجمعة، يتجمع الكثير من المخلصين لذكرى ماو في شاوشان، إحدى المدن الصغيرة في وسط الصين، حيث ولد ماو عام 1893، وذلك لإحياء ذكراه وتأبينه. وقال أحدهم لإحدى وسائل الإعلام الحكومية: "نفتقد حياة المساواة والعدالة التي عشناها أيّام ماو".

ss

وفي بكين، صرّح مصدر على صلة بالقيادة الصينية لوكالة رويترز بأنه سيكون هناك احتفالات رسمية لإحياء الذكرى يحضرها مسؤولون على مستوى عادي.

ويقول ديكوتر إن الدور المركزي الذي لعبه ماو في تاريخ الحزب الشيوعي يعني أن بكين اليوم في معضلة كبرى بشأن كيفية إحياء ذكراه. موضحاً أنه "من جانب، فإن بكين تدرك تماماً أن هناك نسبة كبيرة من السكان تعرف الآن بشكل تام مدى فظاعة شخصية ماو؛ لكن من جانب آخر، لا يمكن للسلطات في بكين أن تواصل مسيرتها من دون ماو. لذا فإن الحل الوسط هو أن تحيي ذكراه على مستوى محدود في بعض المدن الصينية".

ويتوقع المؤرخ الهولندي أن تسعى بكين إلى إسكات أيّة محاولة لاستخدام ذكرى ماو من أجل إحياء الجدل بشأن الأخطاء والفظاعات التى ارتكبها مؤسس الصين الحديثة. ويضيف "ستحاول بكين أن تتأكد من أن لا ينوي أحد تلطيخ صورة ماو أو تقويض صورته التاريخية، وهي إحدى أعمدة الشرعية التي يقوم عليها الحزب الشيوعي الصيني".

كما يقول الصحفي الصيني يانغ جيشونغ - الذي ساعد يوماً في كشف ملايين الوفيات التي تسببت بها المجاعة الكبرى أيام ماو - أنه لا يمكنه التعليق على ذكرى رحيل ماو. ويضيف: "آسف، لكنه ليس من الملائم أن ألقي بتصريحات"، وهو تعبير معتاد في الصين حينما يتلقى البعض ضغوطاً من السلطات لعدم الحديث إلى وسائل الإعلام.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.