خلاف جديد بين المغرب والجزائر.. فكيف انتقل النزاع من السياسة إلى الثقافة؟

تم النشر: تم التحديث:
ALMGHRBALRBY
sm

تحت جسر التراث اللامادي لبلدين جارين قد تمرّ مياه سياسية كثيرة، بين المغرب والجزائر علاقات سياسية متوترة حتى الآن، أغلقت على إثرها الجزائر حدودها البرية مع المغرب سنة 1994.

التوتر بين الجارين اتخذ منحىً ثقافياً عندما قدمت وزارة الثقافة الجزائرية ملفّا إلى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونسكو)، لكي تصنف فن الراي تراثاً لامادياً خاصاً بالجزائر.


خلفيات الصراع


في ندوة صحفية بقصر الثقافة بالجزائر حول إستراتيجية الوزارة في مجال التراث أشار وزير الثقافة الجزائري عز الدين ميهوبي، إلى أنه قدّم في مارس الماضي رسمياً لليونسكو بطلب تصنيف الراي موروثاً غنائياً شعبياً للجزائر.

واعتبرها الوزير الجزائري خطوة، جاءت إثر "قلق الجزائريين على تراثهم من محاولة السطو عليه".

التهمة هنا موجهة للمغرب، بعد أن أصبح يروج لفن الراي خصوصاً في المهرجان الدولي للراي بمدينة وجدة (شرق المغرب) الذي بلغ دورته العاشرة.

فالمهرجان استطاع في ظرف وجيز، أن يستقطب عدة فنانين معروفين في ساحة موسيقى وغناء الراي، بل ومنحت السلطات المغربية الجنسية للعديد من الفنانين، أمثال "ملك الراي" حاج إبراهيم، الذي عُرف بـ الشاب خالد، وهو ما جعل الجزائر تستشيط غضباً واعتبرته الصحافة الجزائرية ولاءً غير مبرر للمغرب، وتغليباً للمصالح الشخصية على حساب الوطن.


يقول محمد الريصاني، الباحث الموسيقي المقيم في فرنسا في حديث لـ"هافينغتون بوست عربي"، إن النقاش بدأ مع بداية المهرجان الدولي لفن الراي في مدينة وجدة الذي استطاع أن يغطي على مهرجان وهران للراي.

وأضاف الباحث أن المهرجان استقطب الجمهور الجزائري المحبّ للراي، وكذلك نجوم الراي الجزائريون، بل وحتى الفنانين الكبار المقيمين في فرنسا والدول الأوروبية، ما خلق إشعاعاً كبيراً لهذا المهرجان في وجدة بعكس مهرجان وهران الذي توقف لمدة طويلة ومهرجان سيدي بلعباس غرب الجزائر.


مشترك منسي


يعتبر الريصاني أن كل ما يتعلق بالتراث هو مشترك بين المغرب والجزائر، بالخصوص في المناطق غرب الجزائر وشرق المغرب.

ويوضح المصدر ذاته أن كل ما أنتج في تلك المناطق يعد تراثاً محلياً مشتركاً، لأن الكثير من تجمع بينها علاقات مصاهرة أولاً ثم إنها تشترك في اللهجة وطريقة العيش وطقوس الأفراح والأحزان أيضاً. موضحاً، ما يعني أن كل الإنتاج الشعري الشعبي، وما يرافقه من آلات محلية للعزف، أو كل أشكال التعبير الثقافي الشعبية، لا يمكن أن يختلف بين منطقتين جغرافيتين قريبتين جداً.

وشدّد محمد الريصاني على أن مسألة التراث لا حدود لها، لأنها تدخل فيما هو إنساني في الأول والأخير ولا يمكن تسييسها.

ذات الرأي عبر عنه بعض الأكاديميين على هامش مهرجان الراي، مؤكدين أن هذا الفن لا ينتمي لأية دولة أو جهة، وأجمعوا على أنه "يعتبر من الإبداعات التي تميز الجهة الشرقية والغرب الجزائري، ويشكل امتداداً لثقافة سائدة في المنطقة الجغرافية ما بين البلدين.

وفي المقابل يرجع بعض الباحثين الجزائريين تاريخ هذا الطبع الغنائي القديم، إلى زمن التدخل الإسباني في الجزائر في القرن الـ18، إذ نشأ في مدن غرب الجزائر، كمدينة وهران وسيدي بلعباس ثم عين تموشنت وغليزان.

الباحث الجزائري سعيد خطيبي يسجل في كتابه "أعراس النار.. قصة الراي"، أن موسيقى الراي جزء من التراث الشعبي لمدينة وهران التي نظمت عام 1985 أول مهرجان للراي.

وبأنها موسيقى تستمد بعض جذورها من الأغنية الوهرانية على أيدي الشيخات (مغنيات شعبيات في المغرب والجزائر)، أما الحصاد والشهرة فنالها نجوم الجيل الجديد الذي يطلقون على أنفسهم "الشاب" و"الشابة" تمييزاً عن الجيل المؤسّس.

ويعيد خطيبي بدايات الراي إلى مؤسسين منهم الشاعر مصطفى بن إبراهيم
(1800-1867)، أحد الأسماء البارزة التي ميزت مرحلة البدايات عبر نصوص دريئة ذات طابع إيروتيكي.