من السيطرة على المقاولات إلى لبن الأطفال.. الجيش المصري إمبراطورية اقتصادية خارج موازنة الدولة

تم النشر: تم التحديث:
1
other

منذ سنوات كان الحديث عن اقتصاد المؤسسة العسكرية في مصر حديث النخبة، لكنه تحول مؤخراً إلى حديث الشارع المصري بعدما ثار جدل حول استيراد الجيش لألبان الأطفال، ثم قراره بإنشاء مصنع للحليب.

ومنذ الإطاحة بالرئيس الأسبق محمد مرسي، أصبحت المؤسسة العسكرية المستثمر الأول في العديد من القطاعات الاقتصادية، إلى جانب اقتحامها للعديد من مجالات "البزنس" التي لم يكن يعمل بها قبل 3 يوليو / تموز 2013، مثل صناعة الأسمنت وإنشاء المدارس واقتحام سوق الأدوات الطبية وأخيراً ألبان الأطفال.

وترصد "هافينغتون بوست عربي"، كيفية توسع تلك المنظومة الاقتصادية الربحية، عقب 3 يوليو/ تموز 2013.


الهيئة الهندسية و50 مصنعاً


يملك الجيش المصري مؤسسات اقتصادية، لا تخضع ميزانياتها لرقابة من قبل أية جهة حكومية وتدرج رقمًا واحدًا في الموازنة العامة للدولة وفقا للدستور المصري.

وتنحصر أهم أعمال تلك الإمبراطورية الإقتصادية في 4 مؤسسات:

جهاز مشروعات الخدمة الوطنية: يمتلك أكثر من 21 شركة، تغطي مجموعة واسعة من القطاعات من البناء والنظافة إلى الزراعة والمنتجات الغذائية.

الهيئة الهندسية للقوات المسلحة: تقوم بتنفيذ معظم المشروعات العمرانية وشبكات الطرق.

الهيئة العربية للتصنيع: تدير 11 مصنعاً في مجالات الصناعات الثقيلة والمتطورة، والطاقة المتجددة والأسمدة والأخشاب، وتتشابه أعمال تلك المؤسسة مع أعمال المؤسسة الرابعة الكبرى داخل الجيش.

الهيئة القومية للانتاج الحربي: تمتلك 18مصنعاً.


ملك قطاع المقاولات


كثفت القوات المسلحة من وجودها في مجال المقاولات، بشكل غير مسبوق بعد 30 يونيو 2013، وأصبحت الهيئة الهندسية التابعة لها أكبر مقاول في مصر بعد أن تم إسناد معظم المشروعات العمرانية إليها، وكذلك معظم المشروعات التنموية في المجالات المختلفة، لتكون المقاول الأول لمشروعات الحكومة بجانب الحصول على مشروعات من جهات أخرى، مثلما تم من إسناد هدم وبناء نقابة المحامين إليها.

وبجانب صناعة الأسمنت التي اقتحمتها القوات المسلحة بعد ثورة 25 يناير، تتجه منظومتها الاقتصادية للدخول بقوة في صناعة الحديد، والاستحواذ على النصيب الأكبر في تجارته بمصر خلال فترة وجيزة.


السيطرة على سوق المقاولات


ووصل عدد المشروعات التي أسندها الرئيس السيسي بالأمر المباشر إلى الهيئة الهندسية للقوات المسلحة إلى 1600 مشروعاً، في مختلف المجالات بالتنسيق مع الوزارات والهيئات المعنية بالدولة، من بينها ثلاثة مشاريع استراتيجية كبرى، هي الإشراف على قناة السويس الجديدة، وإنجاز المرحلة الأولى من المشروع القومي للطرق، بطول 1706 كيلومترات، وبدء العمل بمشروع استصلاح وزراعة مليون فدان، بالتعاون مع وزارتي الزراعة والموارد المائية والري.



qnatasswysaljdydh

و تضمنت تلك المشروعات تطوير وإنشاء صوامع للقمح، وتطوير ثلاثة مطارات، وتطوير 54 منشأة صحية، والإشراف على إنشاء وتطوير محطات لتحلية مياه الشرب وميناء بدر الجاف وميناء إدكو البحري، ومشروع هضبة الجلالة مع الطريق الخاص بها، ووصل عدد وحدات الإسكان التي تنفذها القوات المسلحة إلى 800 ألف وحدة سكنية سواء لمحدودي الدخل أو المتوسط.


السيطرة على الحديد


بعد افتتاح أول مصنع مملوك للقوات المسلحة لصناعة الأسمنت بالعريش في 2012، يسعى الجيش إلى إنشاء مصنع آخر، مع مضاعفة إنتاج مصنع العريش مع بداية العام المقبل.

وأعلنت الهيئة الهندسية عن إنشاء مصنع للحديد في إبريل الماضي، بتكليف مباشر من الرئيس، وحصول الجيش على رخصتين لإنشاء مصانع الحديد من أصل 4 رخص تخطط الحكومة لطرحها، ليبدأ الإنتاج بها خلال عام.


كوين سيرفس والتحكم في خدمات الدولة




queen

استطاع الجيش المصري خلال 3 سنوات فرض سيطرته على بيزنس قطاع الخدمات بمصر، عن طريق شركة النصر للخدمات والصيانة "كوين سيرفيس" التابعة لجهاز الخدمة الوطنية، والتي تعمل لتوفير كل أنواع الخدمات كإدارة وتوفير أمن وحراسة للمنشآت والمنتجعات السياحية والبنوك والمصانع والشركات والمستشفيات والجامعات ومترو الانفاق.

ويدير الجيش 365 منشأة تقدم خدمات الأمن والحراسة والنظافة والقمامة وتوفير المعدات، الأمر الذى يعود بالربح الكبير لمنظومة الجيش الاقتصادية.

وعقب 30 يونيو، قامت الشركة بالتحالف مع اتحاد المستثمرين العرب، بالاستثمار في مشاريع الخدمة المتكاملة خاصة في المستشفيات بقيمة 600 مليون دولار، وكذلك الحصول على مناقصة تأمين ماكينات تذاكر مترو الأنفاق بقيمة تعاقدية 10.5 مليون جنيه سنوياً. كما قامت شركة إدارة مترو الأنفاق بالتعاقد مع كوين سيرفيس، لتأمين حركة الدخول والخروج بالمترو، بقيمة تصل إلى 12 مليون جنيه سنوياً.

وتوسع استثمار الشركة ليصل إلى إدارة مطاعم ومطابخ جامعة القاهرة وهو ما تم الكشف عنه منذ أسبوع.

وإلى جانب تنفيذ مشروعات الطرق التي تتم بتمويل من موازنة الدولة، تشرف القوات المسلحة على إدارتها بعقود طويلة، وتحصل رسوم مرور وصيانة حوادث طرق، وحقوق انتفاع معظم الطرق المصرية، وأي مسافر بين المدن في مصر يقوم بتسديد تلك الرسوم، ليحصل على إيصال مختوم من القوات المسلحة وشركته كوين سيرفيس، التي تسيطر أيضاً على 60% من سوق إعلانات الطرق.

ولا يمكن إغفال استثمار الجيش في إنشاء محطات الوقود على تلك الطرق، وهي أحد قطاعات استثمار الشركة "الوطنية" للبترول، مع تقديم جميع أنواع الخدمات للسيارات من إمداد بالوقود والزيوت إضافة إلى أعمال الصيانة والإصلاح.


القطاع الطبي واقتحام صناعة الأدوية


توسعت القوات المسلحة بشكل كبير في مجال الاستثمار بمجال الخدمات الطبية بعد 30 يونيو، إذ تمت مضاعفة عدد المستشفيات والمركز الطبية التابعة للقوات المسلحة، بإنشاء ما يزيد على 20 مستشفى ومركزًا طبيًا جديداً، ليرتفع عددها إلى 45 مركزاً طبياً. ووصل عدد المترددين عليها من المدنيين، إلى أكثر من نصف مليون مواطن سنوياً.



2



وقالت مصادر بوزارة الصحة لـ"هافينغتون بوست عربي" إن مستشفيات الجيش ستكون منافسًا قويًا للاستحواذ على نسبة كبيرة من مشروع التأمين الصحي الشامل، المخطط تنفيذه خلال 5 سنوات، ما ينعكس على زيادة أعداد المدنيين المترددين على تلك المستشفيات بعائد ربحي كبير، يتم تسديده من عوائد مشروع التأمين الصحي والمدعوم من موازنة الدولة.

وبدأ القطاع مؤخراً في التعامل كقطاع استثماري من خلال التعاقد مع النقابات، لتقديم الخدمات الطبية في إطار مشروع العلاج الخاص بالنقابة، مثل ما حدث مع نقابة المحاميين.


لبن الأطفال وسوق الأجهزة الطبية


لم يكن إعلان الجيش عن اقتحامه لتجارة "لبن الأطفال"، خلال الأيام الماضية وليد الصدفة، ولكنه جزء من خطة استثمارية موسعة، في مجال الاستحواذ على صناعة وتجارة الأدوية والمستلزمات الطبية.

وبالنظر للعقد الخاص باسيتراد 30 مليون عبوة لبن أطفال، ووفقاً لتصريحات وزير الصحة الدكتور أحمد عماد الدين، فإن الجيش سيحقق عائداً لا يقل عن 120 مليون جنيه من هذه الصفقة، إذ إن "علبة لبن الأطفال من الماركات العالمية تأتي بسعر شراء 26 جنيهاً، والجيش استورد 30 مليون علبة، سيطرحها للبيع في الصيدليات بسعر 30 جنيه".

وتشمل خطط التوسع في مجال الصحة إنشاء مصانع للأدوية، وهو ما تم الإعلان عنه منذ شهرين تقريباً، حين وقعت وزارة الإنتاج الحربي عقد شراكة لبناء المصنع مع الشركة القابضة للمستحضرات الحيوية واللقاحات وشركة فاركو للأدوية، ضمن بروتوكول إنشاء أول مصنع مصري لإنتاج أدوية الأورام.

ويضم مشروع إنشاء مصنع للسرنجات ذاتية التدمير، ومصنع لقاح لأنفلونزا الطيور، ومشروع تصنيع الإنسولين. والمقرر أن يستخدم المصنع 59 مركباً كيميائياً لإنتاج 103 أصناف لتلبية 96% من احتياجات السوق المحلي، فيما أعلنت وزارة الصحة عن دراسة إنشاء مصنع لإنتاج لبن الأطفال بالتعاون مع الجيش.

وحصلت القوات المسلحة على حق إسناد توريد كل الأدوية والمستلزمات الطبية بالأمر المباشر للمستشفيات الجامعية بمصر، حيث سيتم شراؤها مركزياً ﻣﻊ ﺇﺩﺍﺭﺓ ﺍﻟخدﻣﺎﺕ ﺍلطﺒﻴﺔ ﻟﻠقوﺍﺕ ﺍﻟﻤﺴﻠﺤﺔ، وتوزيعها على كل المستشفيات وأفرعها.

وكذلك حصل قطاع الجهاز الطبي بالقوات المسلحة على حق توريد الأجهزة الطبية الخاصة بدعامات القلب، وتسعى لاستيراد دعامات القلب من شركتين عالميتين (أميركية ويابانية)، لتوريد 25 ألف دعامة طبية لتغطية القطاع الحكومي.


تجارة السلع والمواد الغذائية


وشهدت المنظومة الإقتصادية للجيش، توسعاً ملحوظاً في منافذ بيع السلع، التي أصبحت مشاريع ربحية تابعة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية وجهاز الخدمات العامة، وهو ما قاله اللواء أركان حرب محمد مصيلحى، رئيس جهاز الخدمات العامة، الذي أعلن امتلاك 87 منفذاً لجهاز الخدمات تحت الاسم التجاري (صن مول) أو (صن ماركت).

وأكد المصيلحي في تصريحات صحفية، أنه خلال العام الأول بعد ثورة 30 يونيو، تم افتتاح ورفع كفاءة أكثر من 9 فروع لجهاز الخدمات العامة فى القاهرة والمحافظات.



khdmataamh

ووفقا لما رصده "هافينغتون بوست عربي"، فقد تم افتتاح الكثير من تلك المراكز التجارية بعد 30 يونيو، ومنها افتتاح صن مول بورسعيد - يونيو 2014

وافتتاح صن مول حدائق المعادي سبتمبر 2014

افتتاح صن مول حدائق الأهرام بالجيزة في 2014

وهذا بجانب التوسع الكبير في نشر منافذ البيع المتحركة، والتي تقوم بيع العديد من منتجات الجيش بسيارات نقل وتبريد كبيرة.


مصانع أغذية ومزارع سمكية


ومنذ فترة طويلة، تستثمر القوات المسلحة في قطاع الإنتاج الزراعي، والسمكي، وتصنيع المواد الغذائية، عن طريق الشركات التابعة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية، وتقوم بإنتاج العديد من المواد الغذائية، مثل الصلصة والمياة المعدنية والمكرونة والزيوت، وجميع منتجات الألبان، مع مصانع إنتاج أعلاف الماشية.

وقام السيسي بإصدار أمر تخصيص مساحة من محافظة كفر الشيخ، لإنشاء مزارع سمكية تابعة للقوات المسلحة، على مساحة 80 مليون متر مربع، بالإضافة إلى إنشاء مصنع للتعبئة والتعليب والتبريد.


"بيزنس" الكروت الذكية


ومن المجالات الجديدة التي اقتحمها الجيش الإشراف على تصنيع الكروت الذكية، وتعميمها في الهيئات والمؤسسات الحكومية.

وتظهر وزارة اﻹنتاج الحربي كشريك أساسي في هذا المجال، حيث وقعت اتفاقاً مع أربع وزارات ضمن مشروع ميكنة البطاقات الخاصة بها وهي التخطيط والاتصالات والزراعة والمالية منها مشروع منظومة بيانات بطاقة الأسرة لعدد 20 مليون بطاقة لحوالي 80 مليون نسمة، ومنظومة الرعاية الصحية لغير القادرين في 27 محافظة لحوالي ثلاثة ملايين مستفيد.


صناعة التكييف


وتشهد المصانع الحربية توسعاً في نوعية المنتجات التي تنتجها، وأحدثها إنتاج مكيف الهواء، وإعلان توزيع أول دفعة من إنتاج مصنع 360 الحربي في يونيو 2016.


"صيّف واعمل فرحك عندنا"




5
قاعة أفراح تابعة لدار المركبات

ولم يغب الجيش عن الاستثمار في السياحة، من خلال المنشآت السياحية، التي يزيد عددها على 50 منشأة، تتمثل في 19 فندقاً ونادياً.

و18 داراً خاصة بأسماء الأفرع الرئيسية للقوات المسلحة في القاهرة، إضافة إلى دارين للمناسبات في مصر الجديدة ومدينة نصر شرق القاهرة، و12 نادياً في القاهرة والجيزة والإسكندرية، والإسماعيلية والأقصر، وقريتين سياحيتين في الساحل الشمالي (الإسكندرية) والأخرى في العين السخنة (السويس).

وتد تلك المنشآت الملايين سنوياً عن طريق تنظيم الأفراح والمناسبات في قاعاتها أيضاً.


مدارس دولية


ومن المجالات الاقتصادية التي اقتحمتها القوات المسلحة، المدارس الدولية. وكانت باكورة هذا الاستثمار مدرسة بدر الدولية للغات، والتي تستعد لبدء عامها الدراسي الثاني بعد افتتاحها العام الماضي في السويس بتكلفة وصلت 90 مليون جنيه.

ووفقاً لما أعلنته إدارة المدرسة، فإن مصروفات الدراسة بها للعام الجديد تتراوح ما بين 20 ألف جنيه و32 ألف جنيه سنوياً.


موازنات سرية


ووفقا لطبيعة تلك الإمبراطورية الاقتصادية، وسرية التقديرات المالية لها، ولميزانية كل مشروع بها، فإنه من الصعب تقدير حجم تلك الاستثمارات الضخمة في ظل الإعلان عن رقم موحد للقوات المسلحة بالموازنة العامة للدولة والمقدر بـ40 مليار جنيه فقط، لا يتضمن أغلب الأنشطة الاقتصادية لتلك المنظومة التي تعمل خارج الموازنة.

ويقول الدكتور عادل عامر الخبير الاقتصادي، ومدير مركز المصريين للدراسات السياسية، إن المنظومة الإقتصادية للجيش تنقسم إلى ثلاثة أنواع، الأولى :المشاريع والمصانع التابعة لوزارة الإنتاج الحربي، وهي جزء من الموزانة العامة للدولة، وأقل تقدير لاستثماراتها 100 مليار جنيه مصري، مشيراً إلى أن الهيئة العربية للتصنيع يسهم في تمويلها عدد من الدول العربية بنسبة 43%، مقابل 57% لمصر.

وأوضح عامر، في تصريحات لـ"هافينغتون بوست عربي" أن النوع الثاني من تلك المنظومة، هي المشروعات الخاضعة للإشراف المباشر من قبل القوات المسلحة، والخاضعة للموازنة العام للدولة، وتقدر استثماراتها بـ3 مليارات جنيه، ومنها المصانع التي تنتجع أجهزة صغيرة تستخدم في الإنتاج الحربي. أما النوع الثالث، وهو الأضخم، فهو خارج الموزانة العامة للدولة، على حد قوله.

وأشار مدير مركز المصريين للدراسات إلى أن أقل تقدير لحجم تلك الاستثمارات يصل إلى 200 مليار جنيه، وذلك بخلاف تقدير الأصول، مؤكداً أن تلك المشروعات تدار بطريقة تحقق أرباحاً تفوق مثيلاتها من القطاع الخاص، بسبب المزايا التي يمتلكها الجيش من الأراضي المملوكة له، ووجود قطاع بشري ضخم جزء من منظومة الخدمة العسكرية للشباب المصري.