نقص الطيَّارين وتهديدات "داعش" يدفعان الجيش الأميركي إلى التعاقد مع شركاتٍ خاصة

تم النشر: تم التحديث:
AMYRKA
social media

استخدام الجيش الأميركي المفرط للطائرات بلا طيار في حربه ضد تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) وغيره من التنظيمات أدى إلى نقص حاد في طياري سلاح الجو وغيرهم من أطقم الطيران الملاحية، ما دفع بوزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) إلى الاعتماد أكثر على الشركات الخاصة والتعاقد معها على القيام بمهمات استطلاعية في أفغانستان والعراق.

صحيفة نيويورك تايمز الأميركية قالت إنه منذ هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 والبنتاغون يتعاقد مع الشركات الأمنية والعسكرية الخاصة من أجل القيام بمهام عادة ما تضطلع بها القوات العسكرية الرسمية ، مثل حماية القواعد العسكرية وإطعام أفراد الخدمة العسكرية.


شركات خاصة تقود طائرات بدون طيار


أما الآن فقد أوكلت لتلك الشركات مهمة ملاحة الطائرات بلا طيار في مناطق نشاط تلك الطائرات، لكن يمنع عليهم قانوناً "الضغط على الزناد" وإطلاق النار من الأسلحة، وفق ما قاله مسؤولون في سلاح الجو الأميركي.

لكن ما من حدودٍ أو قيود على أنواع النشاطات الاستطلاعية التي قد تؤديها تلك الشركات، كما أنهم يقدمون تقارير مصوَّرة وصور بث حي ومباشر للمعارك والعمليات الخاصة.

ومع تصعيد إدارة أوباما لعجلة حملتها ضد تنظيم داعش في العراق وسوريا وليبيا خلال الأشهر الـ10 الماضية، ضم البنتاغون 4 طائرات بلا طيار تقودها أطقم الشركات الخاصة إلى طائراته الرسمية الـ60 بلا طيار والتي يقودها كالمعتاد وفي كل يوم أطقم سلاح الجو الرسمية.

وخلال العامين المقبلين ينوي البنتاغون إضافة 6 طائرات أخرى تابعة للشركات الخاصة حسب أقوال المسؤولين، لكنهم قالوا أن أعداد وهويات الأطقم الخاصة المتعاقد معها لقيادة الطائرات بلا طيار هي معلومات سريةـ واكتفوا بالقول أن ثمة عدة مئات من أفراد الطواقم هذه المتعاقد معها، وأن العديد منهم كانوا سابقاً طياري طائرات مقاتلة أو بلا طيار، وأنهم الآن يجنون ضعف مرتباتهم العسكرية أو ربما 3 أضعاف.


قصور في المساءلة


وتقول لورا ديكنسون أستاذة القانون في جامعة جورج واشنطن الأميركية والتي لها أبحاث موسعة في تعاقد الولايات المتحدة مع الشركات العسكرية الخاصة :"إن هذه مقدمةٌ لتشكيلة جديدة كلياً من المتاعب، فلقد رأينا مشاكل متعاقدي الجيش على أرض المعركة منذ 11 سبتمبر/أيلول، وقد رأينا تحسناً عاماً في هذا الخصوص ولكن بعد 10 سنوات كاملة من المشاكل. أما في مجال الطائرات التي بلا طيار فهذا بابٌ جديدٌ لا نملك فيه قدراً كافياً من الشفافية، فمع قيام الشركات المتعاقدة بملاحة هذه الطائرات سينقصنا نظام واضح صريح للإشراف والمساءلة."

وكانت الطائرات بلا طيار استخدمت بكثافة أول مرة على يد الجيش الأميركي في حرب البلقان أيام التسعينيات؛ ومع منتصف العقد الأول من الألفية الجديدة صار التحليق الأميركي بلا طيار أمراً يومياً معتاداً بالعشرات في كل من العراق وأفغانستان وباكستان وغيرها. وفي عام 2010 زادت كثافة التحليق زيادة مطردة إلى 60 تحليقاً، من بعدها قرر الجيش الأميركي خفض هذه الوتيرة لأن حرب العراق كانت قد شارفت على النهاية.

ولكن مع حلول عام 2014 أمر الرئيس أوباما بتصعيد الحملة العسكرية على تنظيم داعش في العراق والشام، وفي وقت لاحق من العام نفسه قرر أوباما ضم عدد صغير من القوات المتمركزة في أفغانستان والتي بقيت هناك بلا دور حربي قتالي، فأوعز إليها الانضمام والمشاركة في النطاق الموسع لمهامها.


أعداد الطيارين لا تكفي


وهكذا وجد سلاح الجو الأميركي نفسه فجأة أمام طلب متزايد لم يكن في الحسبان، فأعداد الطيارين لا تكفي والبحث عن طواقم جديدة أمر صعب، خاصة أن عمل هؤلاء ينطوي عادة على الجلوس ساعات طويلة في غرف بلا نوافذ يحدقون في شاشات الحاسوب ولا يحصلون على أيام عطل كثيرة.

كذلك وُجِد أن الكثيرين من طياري الطائرات بلا طيار المسلحة يعانون لاحقاً من اضطرابات نفسية لما بعد صدمات الحروب من هول الغارات الجوية التي شهدوها.

من جهة أخرى ثمة نظرة عامة سائدة بقوة في أوساط سلاح الجو تؤمن بأن وظائف الطائرات بلا طيار هي أقل شأناً وأحط مكانة وأقل جاذبية من ملاحة الطائرات الحربية التقليدية، ما جعل الإقبال على هذه الوظائف شحيحاً جداً.

كما أن طياري هذه الطائرات أصبحوا أهدافاً في مرمى شباك الإرهابيين الذين يقولون أن تلك الطائرات بلا طيار تقتل المدنيين دون تمييز؛ ففي فصل الربيع الماضي نشر تنظيم داعش قائمة مفصلة بعشرات المسؤولين الكبار في سلاح الجو الأميركي الذين قال التنظيم إن لهم علاقة ببرنامج الطائرات بلا طيار. وضمت القائمة صور المسؤولين وعناوين منازلهم وغيرها من المعلومات الشخصية.

ملاحة الطائرات بلا طيار تستدعي وجود شبكة دعم موسعة، فالطائرة الواحدة يتحكم بها طيار واحد وفني كاميرا، وبما أن عمل هذه الطائرة هو أن تظل تحلق في الجو على الدوام فبالتالي يستدعي ذلك وجود عدة أطقم لتشغيل الطائرة.

أما تحليل وتفحص الصور التي تلتقطها هذه الطائرات فهو أكثر تطلباً للعمل المضني، حيث تحتاج كل طائرة إلى فريق من 48 محللاً وخبيراً لتفحص الصور عن كثب وتدقيق وإمعان النظر فيها لعدة ساعات بغية تقييم الأهداف العسكرية وغير ذلك من مهام الاستطلاع والتجسس.

ولما أسقط في يدها وضاقت بها السبل اضطرت إدارة سلاح الجو الأميركي لإطلاق "خطة حسّن وضعَك" في يناير/كانون الثاني 2015 والتي ضمت عدة تدابير منها زيادة الرواتب، في محاولة منها للتخفيف من وطأة الضغط الناشئ على أفراد الخدمة.

تقول ديبورا لي جيمس السكرتيرة في سلاح الجو الأميركي "لقد قدم لنا رجال الطيران معلومات كان من المهم حصولنا عليها في إطار وقت زمني محدد، كما أنهم ضربوا الأهداف وقدموا الدعم لقادة القتال دون توانٍ منهم، لكننا لا يسعنا الإبقاء والمحافظة على هذه الوتيرة من العمل إلى أجل غير مسمى، ففي حين تطورت التهديدات ظل الطلب على هذه الإمكانية ثابتاً."

أسهمت كل من الطائرات بلا طيار المسلحة منها وتلك التي للاستطلاع فقط بتحقيق نجاح بارز على أرض المعركة، لكن إدارة أوباما طالتها انتقادات واسعة على عدم شفافيتها في استخدام هذه الطائرات.

فقد قال مسؤولو سلاح الجو أن ثمة العديد من الضوابط الأمنية وعناصر تدريب الشركات الخاصة المتعاقدة يشرفون على أدائهم ويدربونهم، لكن المسؤولين رفضوا تقديم تفاصيل عن الطلعات الجوية المنفذة مثل مكان نشر قوات هذه الشركات المتعاقدة وأي الشركات تشغل كلاً من تلك الطلعات.

كذلك رفض المسؤولون توضيح دور الشركات الخاصة في مجموعة منتقاة من الطلعات السرية للطائرات بلا طيار والتي يقوم بها سلاح الجو يومياً مع طيارين من الـCIA هم أصلاً مستعارون من قبل الـCIA، حيث يشغلون الطائرات فيما تعمد وكالة الـCIA بنفسها لتخطيط أهدافها مسبقاً قبل التحليق ثم تتفحص الصور ما بعد المهمة بنفسها أيضاً.


بإشراف رسمي


وقالت إيريكا يبسين المتحدثة باسم سلاح الجو أن المهام التي تنفذها الشركات الخاصة "تحظى بإشراف ممثل رسمي من سلاح الطيران وممثل رسمي عن قوات البر."

وأضافت "كما إن تخطيط وتنفيذ هذه المهام يتم تحت نفس الإشراف الذي يقدم حالياً للطواقم الجوية الرسمية للجيش، ثم يتم جمع المعلومات الاستخباراتية وتحليلها وإرسالها ثم تخزينها بالطرق المناسبة التي تتبعها وحدات الاستخبارات العسكرية."

لكن مع ذلك يتحفظ سلاح الطيران كثيراً على تفاصيل عمل الشركات الخاصة المشاركة في مهام الطيران بلا طيار، فهم عادة ما يتقاضون مبالغ أكبر من أفراد الخدمة الرسمية، وقد قال مسؤولون حاليون وسابقون في سلاح الجو أن التعاقد مع هؤلاء قد يفاقم المشكلة والنقص الحاد في الطيارين الرسميين لأن أجور القطاع الخاص قد تغريهم بالتسرب بعيداً عن الجيش الرسمي.

يقول فريدريك روجيرو اللواء المتقاعد "إن القوات الجوية هي التي تنتج طياري طائرات بلا طيار على درجة من الخبرة، فلا مكان آخر ينبع هؤلاء الطيارون منه."

وكان روجيرو بعد تقاعده من القوات الجوية غدا الرئيس التنفيذي لشركة Resilient Solutions التي تقدم استشارات لسلمة وأمن الطائرات بلا طيار.

وقد عقد روجيرو مقارنة بين الوضع الحالي وبين الوضع في أعقاب الحرب العالمية الأولى، فقال "ثقافياً إننا نمر بنفس المرحلة، فالطيارون الوحيدون ذوو الخبرة هم من القوات الجوية، وستشهد هذه الصناعة نمواً مطرداً في طياري الطائرات غير الآهلة"، مضيفاً أن ذلك سيخلق المزيد من الطلب الذي سيغريهم بالابتعاد عن الجيش الرسمي.

هذا الموضوع مترجم عن صحيفة New York Times الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.