أصوات أعلى من الفوضى.. مدرسة أدبية جديدة تزدهر بأقسى أنواع الشعر وأقلام لا تعترف بالحب، قدمت من سوريا

تم النشر: تم التحديث:
S
s

تتحول مدينة حلب السورية إلى ركام تحت وطأة القنابل الروسية والمدفعية الحكومية والأسلحة الكيميائية. وفي خضم المعركة، استدارت القوات التركية والمقاتلون الأكراد تجاه بعضهما البعض، لخوض حربهما القديمة، وعلى الرغم من أنهما من المفترض أن يُحاربا نفس العدو المشترك - "الدولة الإسلامية" (داعش)- التي تمضي قدماً في قصف وتعذيب مدنيي حلب والمجتمعات السورية والكردية الأخرى.

فيما يستمر الشرق الأوسط في الانهيار، في خضم هذه الفوضى تبرز قوة أخرى – قوة قد لا يتوقعها أي أحد- القوة الشعرية والأدبية، يتمثل الأمر في الصحافة الجريئة، مثل القصة التي أُذيعت على التلفاز الأسبوع الماضي (الأسبوع الأخير من أغسطس/آب 2016) حول البستاني الحلبي الذي قُتل في انفجار قنبلة بينما كان يعتني بزهوره، وتيتم ابنه الذي كان يُساعده.


مدرسة شعرية جديدة


وفي خضم هذا الدمار ظهرت مدرسة شعرية ناشئة. الكثير من شعر هذه المدرسة كُتب بواسطة امرأتين هما: بيجان ماتور ومرام المصري الأولى كردية والثانية سورية، بحسب تقرير نشرته صحيفة الغارديان البريطانية.

بيجان ومرام هما- أبرز اثنتين في هذا الجيل من الشاعرات الإناث. تجتمع أبياتهما لتنشئ مشهداً مدمراً ولكنه غني في نفس الوقت، أسطورية في لحظة وفي اللحظة الأخرى تُصبح إنسانية جداً. حية وغنائية، ولكنها في نفس الوقت تتسرب إلى ذاكرة شعوبهم، فوراً وإلى الأبد.


الاختلافات بينهما


تكتب المرأتان بطريقتين مختلفتين للغاية. ففي حين يُصور شعر مرام المصري بوضوح هشاشة حالتنا الإنسانية في مجتمع وحشي. يمكنها أن تسلخ مشاعرك حين تقرأ لها لأول مرة. من الإنصاف أن نرى مرام على إنها شاعرة الحب التي لا تدخر في أبياتها الحديث عن سعادة الحب وقسوته، وعندما أتت الحرب ومزقت وطنها الأم سوريا إلى أشلاء طغت عليها وصبغتها بصبغتها.

أما أشعار بيجان فهي أكثر روحانية: إنها تتسامى بالسياسي وتُسيس المتسامي، تحدد شرود قومها من خلال التأمل الفلسفي في معنى الوجود والعدم على حد سواء.
بينما تتميز أبيات مرام المصري بالحداثة، وشعر الحرب الحديثة من أقسى الأنواع، تُحاكي بيجان الرومانسيين، كولريدج وإميلي برونتي. كلاهما كتب عن السلطة والإنسانية الحساسة، وعن دوامة الحرب في عالمنا اليوم، وعن الملايين الذين تبعثرهم وتُحطمهم هذه الحروب، وليس على شواطئ أوروبا فقط.

تقول بيجان "بالنسبة إلي، لا يُمكنني الوصول إلى أفقي إلا من خلال كتابة الشعر". نتحدث في مقهى على ضفاف النهر، بعد مناقشة عملها في مكتبة المدينة. وخلال المناقشة، تواجه حقيقة أن جميع أشعارها حتى الآن مكتوبة باللغة التركية، بدلاً من الكردية لغتها الأم والممنوعة، لذا فهي خاصة بالبيت والأسرة، حسب تقرير الصحيفة البريطانية.


أمها تصحح لها


ولكن في المكتبة، قرأت بصوت عال أولى قصائدها بالكردية. أخبرت المستمعين أن "والدتي تُصحح لي". ثم تابعت "على سبيل المثال، أشارت إلى عبارة كردية مختلفة لمعنى "الالتفاف "و" للعودة"، وكنت قد استخدمت واحدة خاطئة. لذلك كانت أمي – التي لا تستطيع القراءة- محررتي".

الآن تعكس بيجان هذه الأصول. "كنا نعيش حياة سعيدة، ولكنها كانت مقيدة دائماً. حتى عندما كنت طفلة كنت على دراية بهذا. أنا كردية، وتتعلم مبكراً أن الآخرين لا يرون أو يقبلون بأن تكون الأرض التي ولدت عليها لك"، حسب قولها .


صدام حسين


ولدت بيجان في عام 1968، في المدينة الحيثية القديمة ماراس، في الركن الجنوبي الشرقي لتركيا، والعراق إلى جنوبها، وإيران شرقها. وقالت "كنت طفلة صغيرة محبة للكتب".

هيمن اضطهاد صدام حسين على أيامها كطالبة في أواخر الثمانينات بالإضافة لقصفه الغاز على الأكراد داخل الحدود العراقية، بينما كان الاضطهاد في تركيا أقل دراماتيكية ولكنه كان مضاعفاً ضد الأكراد، ناهيك عن التعبير السياسي.

تقول "وهكذا صارت فكرتي ومفهومي عن كوني كردية أكثر جوهرية بالنسبة لي." وكطالبة قانون في أنقرة "كان يُشتبه في الطلبة الأكراد ويُعتقلون بسبب نشاطاتهم، وكنت واحدة منهم".

يوضح اعتقال بيجان والحكم عليها بالسجن لمدة 12 شهراً بين عامي 1988 و 1989، كيف بدأت كتابة الشعر في السجن.

ذهبت مؤخراً إلى حفل زفاف تابع للأسرة في سويسرا، حيث التقت والديها وأقاربها وأصدقاء لم ترهم منذ الطفولة، وهذه هي حياة الشتات.

تقول "في حفل الزفاف، حاولنا والدي وأنا حساب كم من الوقت احتجزت فيه داخل الحبس الانفرادي أثناء اعتقالي". وتتابع "أعتقدت أن المدة بلغت 18 يوماً؛ صحح والدي لي بأنها كانت 28. وكان ذلك غريباً جداً بالنسبة لي، لأنه لم يكن هناك أي وسيلة لمعرفة ذلك. كنت أقيم في ظلام دامس، وحدي – في مكان لم يكن به وقت. كنت أعتمد على من في الخارج، على أبي، كي يُحصي الأيام".


شعر في الزنزانة


كان الأمر كالتالي "في تلك الزنزانة المظلمة بدأت التحقيقات. هكذا يُنتزع منك عالمك، في ظلام دامس. وعندما توقفت التحقيقات، فكرت أنني "لا أستطيع مجرد محاولة حساب الوقت في هذا الظلام الأبدي، لا بد لي من إيجاد طريقة أخرى لأشعر بذاتي". وهكذا بدأت في كتابة الشعر. لأعيد للحياة كياناً كانوا يحاولون طمسه. شعري يدور حول إعادة تجميع ذواتنا المدمرة.

"بدأت في التركيز على هذه الطريقة للنجاة. كلمات - ومعها واقع وجودي - أصبحت واضحة بالنسبة لي. كان لدي ورقة وقلم في رأسي، وكنت أتحدث بالكلمات بصمت إلى نفسي. وكما في تقاليدنا الشفهية، فللكلمات إيقاع، نوع من الموسيقى - في السجن لا يمكنك الشعور بالطاقة اللازمة للغناء، ولكن الكلمات أمدتني بالتوازن في الظلام. لم أعد ملكهم أكثر من ذلك".

اعتقلت بيجان مع زميلاتها للاشتباه في عضويتهن في الحركة السياسية الكردية المتمردة، " لكنهم لم يتمكنوا من العثور على أي شيء - أن تكون كردياً كان كافياً لأن يُقبض عليك".
بعد احتجازها لمدة ثمانية أشهر، تمت تبرئتها من قبل المحكمة -"ولكن عندما وصلت إلى بوابات السجن، ووالدي ينتظرني، اعتقلتني الشرطة مرة أخرى، من دون سبب. حتى أنهم احرقوا كل الشعر الذي كنت قد كتبته في السجن بعد الحبس الانفرادي. عندما أطلقوا سراحي أخيراً من قبل الشرطة، انتهى الأمر بإعادتي إلى السجن لمدة أربعة أشهر أخرى، اكتئبت، انهرت، وكُسرت - أردت أن أموت".

ولكن في أعقاب هذا الكابوس، تحدثت بيجان في مؤتمر لمنظمة العفو الدولية، وللمرة الأولى "وجدت الطاقة لمشاركة قصتي". كتبت ما أصبح أكثر الكتب المعارضة مبيعاً في تركيا، "البحث وراء الجبل"، مجموعة من الأصوات الكردية، ببساطة ولكن بذكاء – فهي كالمتفجرات - المُجمعة. تبدأ بمقال، تقول فيه: "نحن بحاجة إلى شخص مثل المهاتما غاندي".

كانت بيجان تكتب الشعر منذ عقود، نُشر كتابها الأول في 1996، وحصد العديد من الجوائز الأدبية، وتوالت الجوائز منذ ذلك الحين.
كتب الناقد جون بيرجر عن عملها "هدفه هو التغلب على السخف بالالتفاف حوله. وهو ما ينجح في فعله. كان هناك كل شيء ثم لا شيء. انكسر هذا الخواء إلى شظايا، إلى قطع حقيقية، كُتب عليها عبارات غامضة، تفسرها الشاعرة اليوم. لا يتبعها القارئ عبر الكلمات بل تصطحبه يداً بيد ليلمس القطع المتتالية ويتعرف على كل منها في الظلام".

s

نُشر الجزء الأول من ديوانها ( في معبد رب صبور) بالإنجليزية في عام 2003، وسطر مورين فريلي مقدمته قائلاً "أن تقرأ لبيجان ماتور يعني أن تسير في صحراء تعصف بها الرياح حيث تحيط بك العظام والأجساد المحطمة والصخور المصبوغة بالأحمر على أيدي أرباب غائبين. إنها أرض مقفرة ومسكونة ومفتتة".

واستشهد كل من فريلي والمترجمة روث كريستي بمرتفعات ويذرينج في إشارة ماتور إلى "القصور التي تعوي فيها الرياح"، أو بيكيت الذي يعجب ماتور "فهمت/أن الزمن يمر./ ليس الذهاب هو الذهاب/ ولا البقاء هو البقاء".

ثم هناك الحرب. كتب فريلي "هذه ليست أعمالاً للسيرة الذاتية. تكتب ماتور عن الناس لا عن شخص واحد".

كما كتبت ماتور عن اللاجئين الذين يسكنون نشرات أخبارنا المسائية حالياً "تحوم الطيور بين السماء والأرض./ ليس أمام القبيلة احتمال النجاة/ قالوها ثم طاروا بعيداً/صدقنا الطيور/ في ارتباكها/ بأنه أمام القبيلة ما من سبيل للنجاة./ مع الأرواح المرتعشة/ للمهاجرين الذين حدقوا بنا./ عبر الجبال أولاً/ ثم عبر السهول".

تتحدث ماتور بمزيج غريب من المشاركة الشغوفة والجودة الأثيرية. كما يتضح في شعرها، فصخرة العصر وأصول الأنهار ومجلس الأسلاف هم جزء لا يتجزأ من السبيكة التي تنتمي إليها هي الأخرى.

"أنا لا أستخدم اللغة السياسية، لكن شعري سياسي للغاية. يبحث الشعر عن المعنى البعيد، عن الغرض من وجودنا ومعناه؟ وعند نقطة ما، تصبح هذه الأسئلة سياسية أيضاً".

وأضافت أيضاً "لقد سافرت مثل بدوية، لكن حين أعود إلى قريتي وأجلس مع أمي، فأنا وسط أهلي مجدداً. أريد أن أقول إننا لسنا محجوبين كما تقول تركيا عنا. لدينا ثقافة ولغة ونرغب في أن نُرى. ما أحاول فهمه هو معنى وجودنا ، وإذا فعلت ذلك، فأنت تتخذ موقفاً سياسياً، وتعلن مقاومتك".

تسعى ماتور حالياً للاستقرار في المملكة المتحدة حيث تملك عائلة، بعد المحنة التي واجهتها على أيدي النظام التركي والتهديدات المتجددة الموجهة لأهلها ولأصدقائها. بعد عدة شهور من مقابلتنا في أيرلندا قالت أثناء سيرنا في كينوود بلندن "في اللحظة التي تنضم فيها للقتال ضد النظام الرهيب للأشياء بشروطه هو، تصبح جزءاً منه. عليك إيجاد طريقة أخرى، ويتعلق الشعر بإيجاد طريقة أخرى".


قتله الأسد


أما مرام المصري فتبقى على الطاولة خارج أحد المقاهي الباريسية بينما أدخل لدفع الفاتورة. عدت لأجد عينيها ممتلئتين بالدموع، بينما تمسح دمعة على جانب فمها قائلة "انظر إليه" مشيرة إلى وجه وسيم بشوش على هاتفها قبل أن تستطرد "لقد قُتل للتو على أيدي قتلة من نظام الأسد. صحفي ومصور آخر، صديق آخر. وهو ما يحدث يومياً، في كل مرة أتابع فيها الأخبار القادمة من سوريا".

كان اسمه خالد العيسى، وقالت عنه "رجل طيب، ومتفوق في وظيفته ولطيف، انظر!" بينما أرته فيديو لخالد أثناء إطعامه لطائر مغرد على إصبعه حبة من حبوب الطيور الموضوعة على لسانه".

وأضافت مرام "إنه عذاب ممتد، الانتظار والمعرفة وغيابها والتساؤل: من التالي من أهلي وأصدقائي؟ ومن بقية الناس، كل يوم". أخبرتني مرام لاحقاً أن ابنها الذي لم تره لثلاثة عشر عاماُ كان ضمن الثوار حين اشتعلت المظاهرات.

وقالت "سألته: هل انضممت للثورة؟ وقال نعم، شعرت بالسعادة، كنت سأشعر بالسوء إن قال لا".
ومع زيادة الحصار حول حلب، تقول المصري "حصار حلب هو الانتقام الأخير ضد المدينة التي كانت مهداً للثورة السلمية. إبادة الجميع ممن لم يفروا تاركين كل ما يملكونه، وقبور عائلاتهم. أتابع كل لحظة".

"يقولون إن الشعر سلاح، لكنني لا أظن ذلك" وتابعت "لم على القصائد أن تصبح أسلحة؟ إن كانت كذلك، فستأخذنا مرة أخرى إلى الحرب. يجب أن يكون الشعر مضاداً للسلاح، وسيلة لإيقاف الأسلحة".
أما ساعات يقظتها فتتمزق جراء الانهيار الداخلي لبلادها، "وساعات النوم أيضاً. أحلم بالحرب. أنا هنا ولست هنا. أنا هنا، لكن عائلتي وأصدقائي في سوريا، الأهم من ذلك هو أن شعبي هناك".

أما شعر مرام فهو أكثر تعقيداً وتعذيباً كما ينتمي إلى ما بعد الحداثة، هذا شعر عن الحرب من الشتات، من هؤلاء الذين ليسوا هنا، المنتشرين في طي النسيان. هناك قصيدة في وصف المنفيين "نحن المنفيين/نعيش على حبوب التخدير../ ننام معلقين بهواتفنا/ وبالضوء الذي تخرجه شاشاتنا".

وتقول مرام لاحقاً على العشاء "يمكنني أن أشعر بالعطش والجوع كأنني أسكن معهم، حتى بوجودي هنا". تحتل غرفة صغيرة في مونتبارناس "بلا ضوء نهاري تقريباً، لكنني أحب هذا الحي. نصفي هنا ونصفي هناك. إنها طريقة مزدوجة للعيش".

ولدت مرام المصري في مدينة اللاذقية، التي تقع على الساحل الشرقي من البحر الأبيض المتوسط. وبجانب جذورها التي تنتمي للوطن العربي، ترعرعت المصري على أغاني بعض الأيقونات الغربية أمثال بوب ديلن، وجوان بيز، وليونارد كوهين.

ومنذ طفولتها، كانت المصري قارئة وكاتبة شرهة، وكان والداها يتقنان الفرنسية. درست المصري الأدب الإنجليزي في جامعة دمشق.

وخلال سبعينيات القرن المنصرم، بدأت المصري في نشر الشعر الخاص بها في المجلات في جميع أرجاء العالم العربي. وخلال الثمانينيات، انتقلت المصري إلى فرنسا.

وفي عام 1987، نشرت المصري ديوانها الأول. وبعد مرور 10 سنوات، نشرت المصري ديواناً آخر بعنوان كرزة حمراء على بلاط أبيض. وكان لهذين الديوانين الفضل الأكبر في حصولها على جائزة أدونيس للإبداع.


العاطفة


تتعاطي دواوين المصري ليس مع القلوب المحطمة أو الشهوة المكبوتة، وإنما مع العاطفة، التي – مع عدم وجود أية تباينات فيها - تأخذنا في اتجاهات متضاربة ومحفوفة بالمخاطر. وتتعاطى دواوينها أيضاً مع مواضيع مثل الخيانة الزوجية، والأكاذيب، والخضوع الفعلي لتلك الأكاذيب إذ تقول " قُص علي أكاذيبك.. وسوف أُنقيها.. وأصدقها بكل سذاجة.. وسوف أعتبرها حقائق."

تقول المصري "قبل اندلاع الحرب، كانت المرأة التي بداخلي هي عالمي، ومصدر إلهامي. لقد أصبحت هشة، ودفعت الثمن. هذا الأمر يشبه تعريتك لنفسك تماماً أمام الناس."

وتضيف "لقد استُخدمت قصائدي ضدي من قبل محامي زوجي أثناء قضية الطلاق، وقد وافقه القاضي في أن شعري لا يتوافق مع معاني الزواج، ولا مع نوايا وعقل الزوجة الوفية."

في عام 2009، كُرمت المصري في الأوساط الأدبية الفرنسية عن مجموعتها الرابعة بعنوان أرواح حافية الأقدام. وتقول المصري "لقد تحدثت في هذا الديوان عن عالمي الصغير، عما امتلكه وهو قلبي".

وتضيف "وبعد ذلك جاء الدور على تلك النوافذ التي فتحتها لنفسي على عوالم الآخرين بصفتي امرأة، وأم، وزوجة، ومدبرة منزل".

ألّفت المصري دواوينها الأهم، والتي مهدت لها الطريق في عالم الشعر، قبل اندلاع الحرب والمذابح في سوريا، وقبل أن تندثر فكرة الحب في حياتها بواسطة الحرب، العدو الأعظم للحب.

تعتمد المصري بشكل رئيسي في دواوينها على تجسيد المرأة والأنوثة بشكل ضمني، إذ تعبر كل مقطوعة شعرية عن صوت شخصٍ ما.

تأخذنا المصري في دواوينها لعوالم صنعتها هي بنفسها، بدايةً من أسلوبها الهزلي المؤثر الذي يذكرنا بأغنية Eleanor Rigby الخاصة بفريق البيتلز، التي تتحدث عن "بيتي" مديرة المدرسة المتقاعدة، وقطتها كاثلين المكروهة من الجميع ماعدا بيتي، التي لا تحب أحداً سوى كاثلين.


مناطق محظورة


اقتحمت المصري بكل جرأة بعض المناطق المحظور التطرق لها في العقيدة الإسلامية، وتحكي من خلال شعرها قصة فاطمة، البالغة من العمر 12 عاماً، وتقول عنها "حصروها في زاويةٍ/ كي يخبروها أنها من الآن/ أصبحت مؤهلة للزواج والإنجاب. وفي نهاية المطاف تزوجت رجلاً هجرها و"باع سوارها الذهبي" من أجل أن "يشتري عذرية جديدة، ولكن الشيء الذي لن تستطيع استعادته مطلقاً هو طفولتها".

ثم تتساءل إتيف عما إذا كان حبها للحياة وشعورها بأنوثتها جريمة، هل هي جريمة "أن أشعر بجوهر الحياة، أن أترك شعري ليطير بحرية، أن أضع أحمر الشفاه، أن أقول إنني أمتلك فماً".
وتمثل هذه القصيدة الاحتفاء بالوجود ذاته حتى تأتي اللحظة التي ينتهي فيها الوجود بشكل مفاجئ في المقطع الأخير "هل هي جريمة أن أعيش في بلدٍ تُشنق فيه الحرية؟" البلد المقصودة هنا هو إيران، والقصة صحيحة، إذ شُنقت الفتاة بعد أن عبّرت عن أنوثتها وحبها للحياة.

تناولت المصري أيضاً الأسلوب الهمجي المتبع في تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية، تقول المصري "عاشت آميناتا من السنغال حياتها وهي تنزف من بين ساقيها، لقد قطعوه تماماً/ أخذوا يقطعونه جزءاً تلو الآخر/ وهم يقولون بكل فخر لقد تخلصنا من منبع الفساد".

ولكن، الآن ها هي الحرب قد أتت. الآن يبدأ القصف بالقنابل والأسلحة الكيميائية. الآن، يُفرض الحصار على مدن حلب، وحمص، واللاذقية مسقط رأس مرام المصري. الآن أصبح أصدقاؤها وعائلتها محاصرين داخل واقع الحياة الخاوي، داخل الواقع الذي بدأ بالربيع السوري، ثم تحول إلى الثورة السورية، إلى أن أصبح الآن قتالاً مريراً من أجل البقاء.

تقول المصري "ثم أتت الحرب، والآن أصبح عالمي متسعاً للغاية". وتضيف "لقد بدأ الأمر مع وقوع الثورة، التي أشعر بها في كل صباح. لقد شعرت أنني قد تغيرت".


لا مكان للحب


الآن، أصبح لا مكان للحب داخل قلب المصري سوي لبلدها، وأهله الذين يعانون ويموتون في كل لحظة داخل سوريا، أو أولئك الفارين من الحرب لمواجهة الأخطار في بحر إيجه أملاً في الذهاب إلى ألمانيا وإلى مخيمات اللاجئين في تركيا ولبنان حيث تُجري المصري بعض الجولات في تلك المخيمات وتقرأ على اللاجئين بعضاً من أبيات الشعر من ديوانها الشعري، الحربي، الحرية تمشي عارية.

تقول المصري "يتحتم علي الذهاب لتلك المخيمات، إن هذا أقصى ما يمكنني فعله، فليس بإمكاني الذهاب إلى سوريا."

وأردفت قائلة "إن ذهبت إلى سوريا سيتم وضعي في السجن فوراً أو سيتم قتلي، إذ ليست هناك معركة حقيقية بين قوى متكافئة، ليس هناك شيء في سوريا سوى المذابح".


اغتصبت 6 مرات


تتحدث المصري عن اللاجئين، وتقول "لقد التقيت بسيدة تعرضت للاغتصاب من 6 رجال، وكل ما أمكنني فعله هو ضمها بين ذراعي".

وتستطرد "بعض من النسوة المُغتصبات اللائي التقيت بهن قد قُتلن بواسطة ذويهن بحجة جلبهن العار لهم. لقد أخبرتني سيدة في أحد المخيمات التركية أنها فقدت أولادها الثلاثة، ومنزلها، وكل شيء. عندما نظرت إلى عينها رأيت ألماً ومعاناة شديدة، وتساءلت: كيف لي أن أساعد أشخاصاً كهذه السيدة؟ بإمكاني أن أعطيها مالاً، بإمكاني أن أقرأ عليها بعض أبيات الشعر من دواويني. فأنا لست بطلة، وليس بإمكاني أن أكون كذلك".

وتضيف " لكنهن مُستمعات جيدات، فكثيراً ما يبكين عندما أقص عليهن بعض شعري، ويتحدثن إلي حول ما حل بهن من فظائع. لم أعلم ما حدث لهؤلاء النسوة فيما بعد، لكنني ما زلت أسمع أصواتهن".


جائزة نوبل


فازت المصري بـ 8 جوائز في مجال الشعر، بما في ذلك جائزة دانتي أليغييري عام 2015، وكانت هناك بعض التحركات في باريس للدفع من أجل ترشيحها لجائزة نوبل".

تتحدّث المصري عن الجنود وتقول "أشعر بالحزن أيضاً عندما أرى الجنود يموتون، فهم أيضاً أبناء سوريا. لا يوجد رابح في تلك المعركة".

وتضيف وهي في غاية التأثر "يتشدق الغرب بقيم الديمقراطية والحرية الموجودة لديه، لكنه لا يحاول تطبيقها في سوريا".

وسط القنابل التي تتساقط في كل مكان، مازال الشعب الذي تنتمي له مرام المصري يعيش بين الحياة والموت.

وهو الشعب القابع بداخل قلب وعقل المصري "على أرضية العربة السوزوكي المصغرة/ وضع الرجل جثة زوجته على أرضية العربة/ يعيد الرجل تسوية ملابس زوجته الممزقة في محاولةٍ منه لتغطية جسدها كما لو كانت نائمة/ وحتى لا يذهب موتها سُدى/ يضع الرجل بحرص/ في مكانٍ مرتفع بالقرب منه/ الخبز الذي ذهبت لتشتريه اليوم لإطعام الأطفال".

وبحسب ما تقوله المصري، فقد بدأت بكتابة تلك القصائد في أعقاب قصف الجامعة، إذ استوحتها من مشهد لسيدة تُمسك بيديها حذاء ابنتها الصغيرة، كل ما تمتلكه السيدة هو الحذاء، إذ إن ابنتها قد ماتت.

وتقول المصري أنها الآن تعكف على عمل قصيدة تُجسد من خلالها مشهداً مروعاً لصبي صغير مقتول تحت الأنقاض، وتضيف وهي تتحدث عن الصورة الشهيرة للطفل الذي مات غريقاً "آلان آخر في سوريا لم يتمكن من الوصول للجزيرة اليونانية".

وتستطرد "بالنسبة إلي، فإن مثل هذا النوع من القصائد هو الذي أعكف على عمله، فالمشاهد تدور داخل رأسي. جُل ما يريده بشار الأسد ألا يظل هناك شيء في سوريا بعده، ولكن يجب أن تظل سوريا موجودة بعده".

هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.