ازدياد العمر نعمة أم نقمة؟.. حياة الإنسان أصبحت أطول.. فهل تؤهل الحكومات نفسها لرعايتهم؟

تم النشر: تم التحديث:
1
social media

وصف توماس هوبز الحياة، على مدار مرحلة كبيرة من التاريخ الإنساني، بدقةٍ بأنَّها «فاحشة ووحشية وقصيرة». ولكنَّ التقدُّم العلمي والاجتماعي والاقتصادي المستمر عبر القرون رفع من معايير الحياة ومتوسط العمر. رغم أنَّ هذه الفوائد لم تنتشر في دول أخرى، أو حتى داخل نفس الدولة، على نحوٍ متساوٍ، إلَّا أنَّ الحياة الآن عموماً أقل فحشاً وأقل وحشيةً وبالتأكيد أطول. يكمُن التحدي الآن في ضمان استمرار هذا التقدُّم في مواجهة طول العمر الزائد.

على مدار المئتي عام الماضيتين، ازداد متوسط العمر الأمثل بمعدل ثابت تقريباً هو أكثر من عامين لكل عقد. إذا استمر هذا الاتجاه، ستكون لدى الطفل المولود في المملكة المتحدة اليوم فرصة نسبتها 50% في الحياة حتى عُمر 105 أعوام. في المتوسط، ستكون معظم هذه السنوات الإضافية سنوات صحية. يبدو الأمر وكأنَّ قوس الحياة قد امتد.

ينصب اهتمامنا على ما يعنيه قوس الحياة الممتد هذا للأفراد وكيف يمكن للحكومات أن تستجيب على أفضل نحوٍ. تركيزنا الأساسي حالياً على التعامل مع مشاكل الشيخوخة ونهاية الحياة مثل المعاشات والرعاية الصحية.


زيادة مرحلة العمل


ولكن طول العمر لا يتعلَّق فقط بالشيخوخة، إذ له آثار حيوية على كل الأعمار. فالناس بالفعل يتزوجون وينجبون في وقت متأخر أكثر، ويصنعون فواصل في منتصف الحياة المهنية، ويستقطعون وقتاً للاستكشاف، ويبنون مشاريعهم التجارية الخاصة، ويعودون للتعليم ثانيةً. يؤدِّي هذا بالفعل إلى إعادة تعريف العُمر، فكَم مرة سمعت أنَّ سنَّ السبعين هو سنّ الستين الجديد، أو أنَّ سنَّ الأربعين هو الثلاثين الجديد؟

أولئك الذين يعيشون حتى سن المئة، تكون لديهم حوالي 100 ألف ساعة إنتاجية إضافية أكثر ممَّن يعيشون إلى السبعين. لا شك أنَّ العمل سيستحوذ على جزءٍ كبير من هذه الساعات. تُدمِّر أسعار الفائدة المنخفضة تاريخياً وطول العُمر المتنامي المؤونةَ غير الكافية التي خصَّصتها المجتمعات لدعم المعاش المستقبلي. إلَّا إذا كان الناس مستعدِّين لادِّخار المزيد، حينها ستكون النتيجة الحتمية هي أنَّه سيكون عليهم العمل لوقتٍ أطول.

تلمح الحسابات البسيطة إلى أنَّه بالنظر إلى المستوى الحالي للمدخرات العائلية، فمن المحتمل أن مَن تبلغ أعمارهم اليوم 20 عاماً سيظلون يعملون حتى أواخر السبعينيات من أعمارهم أو حتى أوائل الثمانينيات، وأن مَن وصلوا الآن إلى منتصف الأربعينيات سيعملون حتى أوائل السبعينيات من أعمارهم أو منتصفها. نحتاج إلى صنع عالمٍ يكون هذا فيه مفيداً وقابلاً للتطبيق، وطريقةً تجعل الحياة الأطول نعمةً لا نقمة.


هل يستعد العالم؟


ولكن لا يتعلَّق هذا فقط بالعمل لوقتٍ أطول، فالتحدي الأكبر هو كيفية إعادة هيكلة الحياة الاجتماعية والعملية لتحقيق الاستفادة القصوى من هذه الساعات الإضافية. من المستبعَد أن تنجو بنية الحياة التي ظهرت في القرن العشرين -الحياة ذات المراحل الثلاث، الدراسة ثم العمل ثم التقاعد- من هذه الاستطالة.

كيف يمكنك بناء الأصول المنتِجة والحفاظ عليها بينما يكون معظم التعليم في العشرينات من العُمر؟ كيف يمكن لما تعلَّمته أن يظل ذا صلةٍ خلال الستين عاماً التالية في مواجهة خلفية من الثورة التكنولوجية والتحوُّل الصناعي؟ هناك أيضاً مسألة الحيوية، إذ بينما قد تحل الحياة العملية الممتدة المتواصلة التحدي الاقتصادي، ستستنزف حتماً أصولاً حياتية مهمة أخرى، مثل الصحة والصداقات.

هناك طريقة للتحايل على هذا الأمر وهي الحياة متعددة المراحل، ذات الانتقالات والفواصل في المنتصف. في مرحلةٍ ما، ربما يكون التركيز على مراكمة الأصول المالية، وفي مرحلة أخرى يكون على خلق توازن أفضل بين الحياة وبين العمل. في بعض الأحيان، تكون التحوُّلات مدفوعة بخيارٍ شخصي، وفي أوقات أخرى تكون مدفوعة جبراً بالتطور التكنولوجي.

تتطلَّب هذه الحيوات متعددة المراحل انعكاسيةً وبراعةً في إدارة الانتقالات، أي تصور الذوات المحتمَلة، والتفكير في المستقبل، وتعلُّم المهارات وبناء شبكات جديدة ومتنوعة. فهي تقدِّم للناس في أفضل الأحوال فرصةً لاستكشاف مَن يكونون والتوصُّل إلى طريقة حياة أقرب إلى قيمهم الشخصية. هل يمكن أن يكون هذا الإدراك المتنامي لطول العُمر وراء المزاعم الكثيرة حول تمتُّع جيل «الألفيات» بمواقف وقيمٍ مختلفة عن الأجيال السابقة؟


مخاوف من طول الحياة


تخلق طرق الحياة الجديدة هذه فرصاً واحتمالات. ومع ذلك فإنَّ معظم الحوار العام حول استطالة العمر سلبي للغاية. تسيطر عليه المخاوف بشأن مخاطر الخرف والصحة الضعيفة والإدراك المؤلم بأنَّ التقاعد لن يأتي في السن التي يتوقَّعها الكثيرون، ولا حتى بمستوى الأمان المالي المتخيَّل. يثبت أنَّ مؤسَّساتنا الاجتماعية القائمة غير ملائمة للتعامل مع متوسط العُمر المتنامي، وتلقي بضغوطٍ تتطلَّب حواراً وأجندة سياسات جديدة.

هناك مشكلتان ملحَّتان تخصَّان عدم المساواة: بين الأجيال، وبين مجموعات الدخول المختلفة. المشاكل بين الأجيال هي موضوع تقرير مؤسسة ريزولوشن حول جيل الركود: الحُجة المؤيدة لتجديد العقد بين الأجيال المختلفة. إذا تراجع النمو الاقتصادي طويل الأمد، سيكون الشباب الحاليون هُم أول مَن يواجه احتمال جني دخل أقل من دخل آبائهم منذ قرونٍ. وسيزداد الوضع سوءاً إذا فرضت الحكومة ضرائب على الشباب من أجل الوفاء بوعود قديمة قُطِعَت للأجيال الأكبر.

لقد ازدادت استطالة العمر مع الوقت ولذا تؤثِّر في كل جيلٍ تأثيراً مختلفاً. يريد أولئك الذين اقتربوا من التقاعد ضمانةً خاصةً بدخل المعاش، بينما يحتاج أولئك الذين يدلفون إلى طور النضج إلى دعمٍ كي يستفيدوا لأقصى حدٍ من حياةٍ فيها 100 عامٍ ومن رحلتهم متعددة المراحل. يعني ذلك أنَّ العقد بين الأجيال بحاجةٍ إلى تنقيح كي يعكس حقيقة أنَّ الحياة المهنية العملية الخاصة بالشباب ستكون لها احتياجات مختلفة جداً عن تلك الخاصة بالمتقاعدين حديثاً.

أمَّا المشكلة الملحَّة الأخرى الخاصة بعدم المساواة فهي الدخل. لا يزداد متوسط عُمر الجميع بنفس المعدَّل، بل ويتراجع متوسط عُمر البعض، مع تمدُّد الفجوة بين الأغنياء والفقراء إلى أكثر من 10 سنوات. والتغلُّب على هذه الفجوة صعب. من الممكن إعادة توزيع الدخل من الأغنياء، ولكن من المستحيل توزيع سنوات الحياة. تصبح المشكلة أكثر حدةً عندما تزداد أعمار التقاعد. وإذا لم يكُن متوسط عمر الفقراء يزداد، فإنَّ سن التقاعد يزداد، ثم تصبح هناك مخاطرة حقيقية باستبعاد الكثيرين من التقاعد، ممَّا يخلق حياةً «فاحشة ووحشية وطويلة».


ما الحل؟


إذاً، ماذا على الحكومات فعله؟ هناك بالفعل تركيز متزايد على مشاكل نهاية الحياة، مثل الرعاية الاجتماعية والمعاشات. فيما يخص المعاشات، كان التركيز الأساسي على تغيير معالم الحياة ذات المراحل الثلاث، مثل تغيير سن التقاعد واستحقاق المعاش ومعدلات الإسهام. تحتاج هذه الجهود إلى التوسيع كي تتجاوز نطاقاً أعرض من الإجراءات التي تساعد في تعزيز الشيخوخة المنتِجة والصحية ودعم الحياة متعددة المراحل.

هناك نوعان من السياسات الحاسمة. الأول هو تفعيل إجراءات مُصمَّمة لتحديد نبرة إيجابية للحوار. إنَّ عيش الناس حياةً أطول وأكثر صحةً ليس أمراً سلبياً، بل فرصة ينبغي انتهازها. يعني ذلك تحويل خصائص نظام الضرائب والمنافع المرتبطة بالسنِّ إلى منهجٍ مدى الحياة. كذلك ستكون هناك حاجة إلى التشريع لجذب دعم أكبر لأولئك الذين يسعون إلى المزيد من المرونة. لنأخذ على سبيل المثال، طول أسبوع العمل ومخزون وقت العطلات، الموحَّدين حالياً. عندما يدرك الناس أنَّهم ربما يعملون حتى السبعينات والثمانينات من أعمارهم، سيرغبون في الحفاظ على حيويتهم وإنتاجيتهم عبر التمتُّع بالإجازات كل سبع سنوات وبمرونة العمل. سيصنع كل فرد طريقته في العمل والحياة، وستكون هناك حاجة إلى التشريع لدعم هذا التنوع، إذ ربما تكون استجابة الشركات بطيئة، ولصالح قلة مُفضَّلة فقط. ومع الحياة الأطول، لن يعود التعليم لعبة مبكِّرة يلعبها المرء مرة واحدة، وهكذا يقدِّم دعماً مدى الحياة، بما يشمل التخفيضات الضريبية لأنَّ المزيد من الفترات الدراسية التعليمية ستكون ضرورية.

والمجموعة الأخرى من السياسات الداعمة، تضمن انتشار مزايا الحياة الطويلة الجيدة لتشمل الكثيرين. ينبغي أن يكون القضاء على عدم المساواة في متوسط العُمر أولوية وينبغي أن يتجاوز البديهيات المعتادة من التعليم العام والنفقات الصحية، من أجل التوصُّل إلى فهم أعمق لأسبابه. والأكثر من ذلك، فبالنظر إلى التفاوت في متوسط العُمر، يبدو من الحتمي عدم استدامة وجود سنّ واحدة للتقاعد ومعاش حكومي موحَّد. يشير هذا حتماً إلى نظام معاش متعدد الطبقات، به خيارات مختلفة من أعمار التقاعد ومنافع المعاش المرتبطين بمتوسط العُمر والدخل.

والأكثر من ذلك أنَّه إذا كانت الاختلافات في الاستثمار هي ما يدفع عدم المساواة، فعلى مدار الحياة الأطول، سيزداد عدم المساواة. خلال القرن العشرين، كان هناك استثمار حكومي كبير في التعليم المجاني ورعاية الرُضَّع، وهي الفترات الرئيسة للاستثمار في الحياة ذات الثلاث مراحل. بما أنَّ زيادة متوسط العُمر ينتِج حياةً متعددة المراحل، ستكون هناك الكثير من الفترات الأخرى التي تتطلَّب استثمارات مشابهة. إنَّ التغييرات اللازمة للتكيُّف مع حياة ذات 100 عام في طريقها للتنفيذ بالفعل، ولكن الحكومات والمشاريع التجارية متباطئة كثيراً.

هذه أجندة للعقود التالية وستُمثِّل موازنة الاحتياجات المختلفة لمجموعات مختلفة تحدياً. يكمُن الخطر في أنَّ جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية سيوجِّه تركيز الحكومات إلى التقاعد والرعاية الصحية، بينما ستُهمَل آراء الشباب في التعليم مدى الحياة وتنمية المهارات والانتقالات والعمل المرنين.

لقد حدثت الزيادة في استطالة العُمر ببطءٍ، ولكنَّها قد وصلت إلى مستوى يتطلَّب إعادة تعريف جوهرية للمؤسَّسات الاجتماعية والمالية التي تدعمها. يمكن لكلٍّ منّا النظر إلى المستقبل وبذل أقصى جهدنا لإعداد أنفسنا وأُسَرنا لهذه الحيوات الأطول. ولكن الحوار السياسي والمتعلِّق بالسياسات ما يزال في بدايته.

ليندا جراتون وآندرو سكوت، الأستاذان بكلية لندن للأعمال، وهُما مؤلِّفا كتاب The 100 Year Life: Living and Working in an Age of Longevity. لتقييم مدى استعدادك لحياةٍ أطول، تفضَّل بزيارة الرابط التالي http://www.100yearlife.com/diagnostic. ينكشف هذا الأسبوع عن بحث لجنة ما بين الأجيال بمؤسسة ريزولوشن، مع جراتون وسكوت، عن التحديات التي تفرضها الحياة الأطول. www.intergencommission.org.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.