هل يطلِّق الجزائريون الفرنسية؟.. حملةٌ واسعة لإحلال الإنكليزية كلغةٍ ثانية خاصّة بالتعليم.. فمن ينتصر؟

تم النشر: تم التحديث:
DN
sm

انتهت بالجزائر الأربعاء 31 اغسطس/آب2016 حملة التوقيعات التي بادرت بإطلاقها المنظمة الوطنية لأولياء التلاميذ بداية الشهر، والتي تهدف إلى الضغط على وزارة التربية لتعليم الإنكليزية بدل الفرنسية في المؤسسات التربوية.

هل يطلق الجزائريون عن اللغة الفرنسية التي اكتسبوها من فترة استعمار قاسية طالت حتى استمرت 130 عاماً؟

ويتوقع أن تقوم المنظمة بتسليم تقرير ورسالة عاجلة للوزير الأول (رئيس الوزراء) عبد المالك سلال الأسبوع القادم، تطالبه بالنزول عند رغبات الشعب، وأولياء التلاميذ على وجه التحديد في هذا الشأن.
ومن المعروف أن اللغة الأولى في الجزائر هي العربية، تليها الأمازيغية بعد ترسيمها في الدستور، ويتم تدريس الفرنسية كلغة أجنبية أولى، فيما تُلقن الإنكليزية كلغة أجنبية ثانية.


أكثر من 17 ألف توقيع


كانت المنظمة الوطنية لأولياء التلاميذ في الجزائر مع بداية الحملة تأمل في جمع 10 آلاف توقيع لتدريس الإنكليزية بدل الفرنسية في المؤسسات التربوية.

إلا أن هذا الرقم، بحسب سمير القصوري، عضو بالمكتب الوطني للهيئة تم تجاوزه، بحيث فاق عدد توقيعات أولياء التلاميذ الرافضة لهيمنة الفرنسية في المدارس 17 ألف توقيع قبل نهاية الحملة الأربعاء 31 أغسطس/آب 2016.

وقال القصوري لـ"هافينغتون بوست عربي" إن رقم الـ10 آلاف كان كافياً للضغط على وزارة التربية لتعليم الإنكليزية بدل الفرنسية، "ومع تجاوزنا العدد بما يقارب الضعف فإننا واثقون من تحقيق الهدف".

وعن سبب التأخر في إطلاق الحملة، أوضح أن كثيرين انتقدوا الحملة، ويلومون المنظمة في تأخرها، "لكن أريد القول بأن المنظمة حديثة النشأة، وميلادها لم يكن سوى عام 2016".


90 % يريدون تطليق الفرنسية


نتيجة غير متوقعة هي تلك التي وصل إليها استطلاع الآراء الذي وضعه موضع "سي إن إن عربية"، ليصوت عليه الجزائريون إن كانوا مع أو ضد جعل الإنكليزية لغة أجنبية أولى في الجزائر.

فمن مجموع 7700 مشارك في التصويت، قام 7400 مصوت باختيار الإنكليزية كلغة أجنبية أولى في الجزائر أي بنسبة تفوق الـ90 بالمائة، فيما لم تحرز اللغة الفرنسية سوى على 300 صوت.

مصطفى بن لطفي أستاذ جامعي متخصص في اللسانيات بجامعة الجزائر، يؤكد بأن النسبة تعد مؤشراً واضحاً على رفض الجزائريين مواصلة الاعتماد على الفرنسية كلغة أجنبية أولى.

ويضيف بن لطفي لـ"هافينغتون بوست عربي" أن النتيجة التي أفرزها ‏ ‏استطلاع آراء تُؤكد مدى رغبة الجزائريين في مواكبة العلوم، "والتعامل باللغة الأولى عالمياً، بعدما أيقنوا بأن اللغة الفرنسية باتت من الماضي".

ويردف أن اقتراح إحلال اللغة الإنكليزية محل اللغة الفرنسية في محله، "بل أقول إنه بتعلم الإنكليزية نستطيع مثل جميع الشعوب أن ندخل العالم من بابه الواسع، فماذا أفعل بالفرنسية التي لا تمكنني من طلب سلعة ما من البقالة، فلولا تكرم الكلية التي أشتغل فيها بدبي، بتقديم دروس مكثفة في الإنكليزية، لعشت الغربة في عالم كله حيوية. أنصح الشباب الجزائري أن يتعلم الإنكليزية بعد العربية طبعاً".


الشعب يريد الإنكليزية


لم يكتف الجزائريون بالتحرك من خلال جمع التوقيعات والمشاركة في استطلاعات آراء المواقع الإخبارية المتخصصة، بل أنشؤوا حسابات وصفحات على فيسبوك حملت عنوان الشعب يريد الإنكليزية لغة أجنبية أولى في الجزائر.

وقالت إحدى المدونات عبر حسابها على موقع فيسبوك إنه "على الجزائر أن تعي أن اللغة الإنكليزية هي لغة أساسية ويجب أن تعتبرها اللغة الثانية بعد العربية ".


الحملة "هجوم معاكس"


اهتمت الصحافة المحلية في الجزائر في شهر يوليو/تموز 2016 ، بما تسرب من وزارة التربية في الجزائر، حول قرار تعميم تعليم المواد العلمية باللغة الفرنسية ، خاصة للطلاب المقبلين على امتحان شهادة البكالوريا (الثانوية العامة).

وتعد مواد الرياضيات والفيزياء والكيمياء وعلوم الطبيعة والحياة، على رأس المواد المستهدفة لتعليمها باللغة الفرنسية، وهذا بهدف الرفع من التحصيل العلمي، وتكييفه مع التعليم عالمياً.

ويؤكد عضو المنظمة الوطنية لأبناء التلاميذ سمير القصوري، بأن تعنت وزيرة التربية نورية بن غبريط لتمرير مشروعها المسمى بإصلاحات الجيل الثالث، وجعل الفرنسية تهيمن على التعليم سيقابل بحملات مثل هذه.

ويقول القصوري "حاولت العديد من النقابات والجمعيات والهيئات، إقناع وزيرة التربية بأن الفرنسية أصبحت ميتة، وأن الفرنسيين أنفسهم تخلّوا عن لغتهم في التعليم العالي، إلا أن الوزيرة متمسكة بمشروعها الذي يرفضه الجزائريون أجمع".حسب قوله

ويضيف: "نحن وبدعم من جميع أولياء التلاميذ في مختلف المراحل، سنواصل التحرك من أجل تعويض الفرنسية بالإكليزية اليوم أو في الغد القريب".


الفرنسية في أروقة العدالة


حملة الكراهية للغة الفرنسية، لم تبرز فقط هذه الأيام قبيل الدخول المدرسي الجديد المقرر في 4 سبتمبر/أيلول 2016، بل كان شهدت البلاد حملات قام بها مواطنون عاديون.

فخلال شهر يوليو/تموز 2016، تقدم مواطنان من منطقة عين مليلة بأم البواقي 500 كلم شرق الجزائر، برفع دعوة قضائية ضد شركتين متخصصتين في الكهرباء ،الغاز والاتصالات، بسبب اعتمادهما على الفرنسية، في إرسال الفواتير والمراسلات.


واعتبر المواطنان ما تقوم به الشركتان خرقاً للدستور، الذي يعتمد على اللغتين العربية والآمازيغية وحسب، ويقول أحدهما: "لست مجبراً على التوجه كل مرة إلى مترجم، كي أعرف ما تحتويه الفاتورة أو المراسلة، فلغتنا عربية ونريد الفواتير والمراسلات بالعربية".


لغة مستعمر وميتة


يستند أنصار تعميم تعليم الإنكليزية في المدارس، بدلاً من الفرنسية إلى عدة اعتبارات، أبرزها السبب التاريخي كون الجزائر كانت مستعمرة فرنسيا منذ 1830 وحتى 1962، وكذا سبب علمي بحت باعتبار الإنكليزية حالياً هي لغة العمل والعلم.

ومن الغرابة يقول عبد الرزاق قسوم رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ،"أن نطرد مستعمراً حاول سلب الأرض، ومسح التاريخ والدين، وفي نفس الوقت نحافظ على لغته ونعمل على نشرها".

ويضيف قسوم لـ"هافينغتون بوست عربي أنه "يكفي أنها لغة مستعمر نكل بالأجداد والآباء حتى نكرهها، أضف الى ذلك اليوم هناك لغات عالمية ليست من بينها الفرنسية، وهي تستحوذ على جميع العلوم".

سمير القصوري عضو المنظمة الوطنية لأولياء التلاميذ يعتبر اللغة الفرنسية ميتة عالمياً، وهي الآن في طريقها إلى الاندثار كما حدث للاتينية ذات زمن.
القصوري يضيف: "شئنا أم أبينا الإنكليزية هي لغة العالم رقم واحد، ومتطلبات العلم تجعل أبناءنا أمام حتمية تعلم هذه اللغة، أما الفرنسية فلا أراها تصلح لشيء في الآونة الأخيرة".


شأنها قائم


رغم الحملة الكبيرة لتعويضها بالإنكليزية في مختلف الأطوار التعليمية، يرى متتبعون أن الفرنسية ما زالت ذات شأن في الجزائر، بل واجتاحت حتى العامية في الحديث بين أبناء البلد الواحد.
ويرى الدكتور عبد المالك مرتاض منسق دائرة اللغات الأجنبية بجامعة الجزائر، أن نسبة كبيرة من الإدارات والمؤسسات في الجزائر مازالت تعتمد على الفرنسية، ودخول العمل بها يتطلب تعلم هذه اللغة.

ويضيف: "الشركات والمؤسسات التي تعطي رواتب محترمة لموظفيها، مازالت تعمل باللغة الفرنسية، كسوناطراك، وسونلغاز واتصالات الجزائر، وشركات الاتصالات الخاصة، لذا فتعلم اللغة بات حتمية من قبل الطلاب".

ويردف قائلاً إن نسبة كبيرة من الجالية الجزائرية في المهجر متواجدة بفرنسا، وهي تملك صلة رحم واسعة في الجزائر، جعلتها وسيلة لنشر الفرنسية وتعلمها".


أهمية الفرنسية


ويرى أنه إذا نظرنا الى البعد التاريخي "فإن كل الأرشيف الجزائري سواء كان داخل أو خارج الوطن مكتوب باللغة الفرنسية، وفك شفرات هذا التاريخ يتطلب دراسته واللغة الفرنسية في ذلك أساسية".

من جانبها الدكتور كلثوم سامري، أستاذة لغة فرنسية بجامعة عبد الرحمن ميرة ببجاية 270 كلم شرق العاصمة، تعتبر أن تخلي الجزائريين عن اللغة الفرنسية سيجعلهم يفقدون توازنهم في المؤسسات والإدارات.

فأغلب الموظفين هناك، تضيف سامري لـ"هافينغتون بوست عربي"، درسوا بالفرنسية، ويتعاملون بوثائق فرنسية رغم أن الدستور يقر بأن لغة الإدارة عربية وفوق ذلك فإن أغلب البرمجيات وخدمات الإعلام الآلي كلها بالفرنسية".

وتشير إلى أن "التخلي عن الفرنسية في الوقت الحالي ليس حلاً، وإحلال الإنكليزية محلها يتطلّب سنوات طوال من التكوين والتعميم".