تعاطفوا ثم اختفوا.. أوروبا أظهرت دعماً للاجئين مع غرق الطفل آلان ثم عادت لتتخلى عن منهجها الإنساني

تم النشر: تم التحديث:
ALAN
social media

يحمل محمد محمد، سائق التاكسي، وهو جالسٌ في مخيم لاجئين في اليونان، صورةً لـ آلان السوري (الكردي) ذي الثلاثة أعوام، مرَّ ما يقرب من عام منذ أشعلت الصورة نفسها موجة غضب في أنحاء أوروبا، وصعَّدت الدعوات للغرب بفعل المزيد من أجل اللاجئين. بعد اثني عشر شهراً، يستخدمها محمد لتسليط الضوء على عدم تغيُّر الوضع كثيراً.

يقول إنَّ آلان ربما يكون قد مات في البحر، «ولكن ليس هناك فرق حقاً بينه وبين آلاف الأطفال الذين يموتون الآن [مجازاً] هنا في اليونان».

لقد حوصِر عشرات الآلاف في ظروفٍ بائسة في اليونان منذ مارس/آذار، عندما أغلق قادة البلقان حدودهم، وهو كما قال محمد «كارثة بشرية»، وفق تقرير نشرته صحيفة الغارديان البريطانية، الجمعة 2 سبتمبر/أيلول 2016.


آلان غير سياستهم


منذ عام، بدا أنَّ موت آلان المأساوي قد غيَّر الخطاب السياسي حول اللاجئين. بدا أنَّ القادة الأوروبيين قد صُدِموا، ممَّا سيجعلهم يصيغون سياسات أكثر تعاطفاً، بينما استخدمت المنافذ الإعلامية التي كانت عدائية سابقاً نبرةً أكثر استرضائيةً.

بعد يومين من موت آلان، وافقت ألمانيا على دخول آلاف اللاجئين الذين حوصِروا في المجر. شجَّعت هذه الخطوة قادة وسط أوروبا وشرقها لصنع ممر إنساني من شمال اليونان إلى جنوب بافاريا، بينما وعدت كندا بإعادة تسكين 25 ألف سوري.

وفي المملكة المتحدة وافق ديفيد كاميرون على قبول 4000 لاجئ سنوياً حتى عام 2020. كان هذ العدد أقل من العدد الذي ينزل إلى شواطئ الجزر اليونانية كل يوم في تلك المرحلة، ولكن أكثر كثيراً ممَّا تجرأ كاميرون على عرضه سابقاً. وقد حيَّته على ذلك جريدة The Sun التي وصفت صفحات مقالات الرأي فيها سابقاً اللاجئين بالصراصير، ولكنَّها استفتحت الآن بحملة في الصفحة الأولى باسم الكردي «من أجل إيلان».

والأهم من ذلك، ففي أعقاب موت آلان وعد أغلب القادة الأوروبيين بتشارك المسؤولية عن بعض اللاجئين -على الأقل الذين ينزلون إلى الشواطئ اليونانية والإيطالية- وفي أواخر سبتمبر/أيلول 2015، صنعوا نظاماً سيشهد نظرياً إعادة ترحيل 120 ألف لاجئ من اليونان وإيطاليا إلى دول أوروبية أخرى -وهو عدد متواضع نسبياً- ومع ذلك عُدَّ لحظة فاصلة لسياسة الهجرة الأوروبية.


تغيرات مؤقتة


قال بيتر سوذرلاند المتفائل، الممثل الخاص للأمم المتحدة للهجرة، لصحيفة الغارديان في ليلة صدور القرار «المبدأ مهم جداً ويعكس تغييراً في التفكير، وهو في ذاته تطور مهم جداً».

ولكن بعد عامٍ، ثبُت أنَّ هذه التحوُّلات الصغيرة في السياسة والخطاب مؤقتة.

في سبتمبر/أيلول 2015، صوَّتت 4 دول فقط ضد صفقة إعادة الترحيل، ولا توجد أي منهم على طريق هجرة البلقان سوى واحدة -المجر- عندما أغلقت المجر حدودها في 15 من سبتمبر/أيلول، تولَّت كلٌ من كرواتيا وسلوفينيا المهمة ببساطة، سامحتين لمئات الآلاف من المهاجرين بعبور أراضيهما بدلاً من المجر.

وقف دونالد تاسك، رئيس المجلس الأوروبي، في ذلك الشهر جوار فيكتور أوربان، رئيس وزراء المجر، وقال إنَّه يختلف تماماً مع رؤية أوربان للمسيحية.

ولكن في الذكرى السنوية لوفاة آلان، تعتقد المجر أنَّها قد فازت في الجدال بشأن سياسة الهجرة الأوروبية. يقول سلطان كوفاكس، المتحدث باسم الحكومة المجرية «وصلت معظم الدول إلى نفس النتائج التي وصلنا إليها العام الماضي. لم يرونها كما رأيناها العام الماضي، وما زال هناك أشخاص في بروكسل لا يرونها كذلك، ولكن الحس العام قد ساد».


صعود اليمينيين


مع نهوض الشعبويين اليمينيين في أنحاء القارة، ومع وجود صلة ملحوظة بين الهجرة والإرهاب، تخلَّت أوروبا تدريجياً عن المنهج الإنساني الذي اتَّبعته الشتاء الماضي. تريد النمسا، التي كانت يوماً ما حليفاً رئيساً لألمانيا في سياسة الهجرة، منهجاً على الطراز الأسترالي يرى اليونان رسمياً تُستغَل كخليج عملاق مانع لطالبي اللجوء، تماماً كما تستخدم كانبيرا الدولة الجزرية، ناورو، على نحوٍ مثير للجدل، في احتجاز مَن يحاولون الوصول إلى أستراليا. وحتى السويد، التي كانت تمنح السوريين من قبل لجوءاً غير محدَّد المدة، قد كبحت جماح كرمها.

لقد أُغلِق الممر الإنساني البلقاني: وكان تاسك هو مَن أعلن إغلاقه. ثبُت أنَّ خطة إعادة الترحيل مختلة: فقد قبلت بقية أوروبا 5,142 شخصاً فقط من اليونان، بدلاً من الـ 66,400 الذين وعدت بقبولهم.

وإذا سارت الأمور كما يريد الاتحاد الأوروبي، سيُعاد ترحيل معظم الأشخاص القلائل الذين ما يزالون يصلون إلى الجزر اليونانية -الأعداد تبلغ الآن المئات أسبوعياً وليس عشرات الآلاف- من تركيا وفقاً لصفقة الهجرة الجديدة بين الاتحاد الأوروبي وتركيا.

ولكن مع تعطيل كلٍّ من الترحيل وإعادة الترحيل، هناك 57 ألف شخص محاصرين في ظروف حقيرة في اليونان دون كلمة واحدة عن مستقبلهم، ممَّا يدفع بالسوريين أمثال محمد إلى اليأس.

يلخِّص جيرالد نوس، رئيس مبادرة الاستقرار الأوروبي، وهي مركز التفكير الذي اقترح فكرة الصفقة بين الاتحاد الأوروبي وتركيا لأول مرة، الوضع قائلاً «في سبتمبر/أيلول، كان أوربان هو الشخص السيء. ولكن مع نهاية العام كان قائد تحالفٍ من الدول، ومع محاولة النمسا الآن الإقناع بنظام على الطراز الأسترالي، ألمانيا هي الطرف المعزول».


لم يحدث شيء في اتفاق تركيا


بل وحتى الصفقة بين الاتحاد الأوروبي وتركيا ليست فعلياً ما تصوَّره نوس عندما اقترحها في الأسبوعين اللذين تلَوا وفاة آلان. كانت الصفقة كما رآها نوس تعني أنَّه يمكن تبرير إعادة ترحيل اللاجئين إلى تركيا إذا قُيِّمت حالاتهم بسرعةٍ وكفاءة في اليونان، وإذا حسَّنت تركيا من نظام اللجوء الخاص بها، وإذا خلقت أوروبا الوسائل القانونية لإعادة التسكين الجماعية من تركيا. ولكن لم يحدث أيٌّ من هذا.

أضاف نوس أنَّ «الصفقة، على الورق، هي تقريباً ما أوصينا به، ولكن لم تتفعَّل هذه العناصر الثلاث الرئيسة في الواقع».

ولكن رغم ذلك، كانت هناك نتيجة واحدة مستمرة وإيجابية لأحداث العام الماضي، في نظر داعمي الحملة.

في هذا العام، منذ وفاة إيلان، تأسَّست موجة من مجموعات المساعدات الإنسانية الشعبية استجابةً للأزمة، أسَّسها العامة وموَّلها الآلاف. تعمل الكثير من هذه المجموعات على الأرض في اليونان وكاليه والبلقان، وتحمَّس الكثير من متطوِّعيها بالانخراط في الأمر في البداية بفعل أحداث أغسطس/آب وسبتمبر/أيلول الماضيين.

إحدى أبرز هذه المجموعات هي (ساعدوا اللاجئين - Help Refugees)، وهي مجموعة مقرها لندن، لم تكُن توجد العام الماضي. وبعد 12 شهراً تقريباً، أصبحت تموِّل مشروعات تركِّز على اللاجئين في 68 موقعاً في أنحاء اوروبا.

تلبِّي المجموعة في الكثير من هذه الأماكن حاجةً إنسانية لم تكُن الهيئات الأكبر والأكثر رسوخاً سريعةً بما يكفي في تلبيتها - وهي بناء البنية التحتية ومرافق المياه، من بين أشياء أخرى، في المخيمات اليونانية، حيث تلقَّت منظمات غير حكومية كُبرى مساعدةً من الاتحاد الأوروبي كي تعمل على على هذه الأشياء ولكنَّ وصول المساعدة كان بطيئاً جداً.

يقول نيكو ستيفنز، مدير المشروعات وأحد الموظفين الثلاثة بدوامٍ كامل في مجموعة Help Refugees، إنَّه خلال عامٍ واحد «واجه نموذج العمل الإنساني بأكمله تحدياً، وتكيَّف وتحسَّن بفضل مجموعة من الأفراد ذوي الشغف والاهتمام».

هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.