مدينة ألمانية تنقسم بين مرحب ورافض للمهاجرين.. سوري يحكي كيف أنقذته اللغة من انتقادات المناهضين

تم النشر: تم التحديث:
SOCIAL MEDIA
social media

بعد أن تسببت حروب نابليون بونابارت في تخريب كثير من أجزاء وسط أوروبا منذ قرنين من الزمان، قرر حكام القارة أن يعيدوا ترسيم الحدود بين النمسا وألمانيا على طول نهر سالاتش، وتحديداً بين مدينة زالتسبورغ النمساوية وإحدى ضواحيها وبين مدينة تسمى فرايلاسينغ بولاية بافاريا الألمانية.

وعندما انضمت النمسا إلى منطقة شنغن عام 1995، صارت الحدود لا تمثل شيئاً سوى خطاً أبيض اللون وسط جسر الطريق السريع، ليس له وظيفة سوى توضيح نقطة تقسيم البلدين.

ومنذ عام من الشهر الحالي، عاد جسر فرايلاسينغ مرة أخرى ليتحول إلى رمز للحواجز بين الأمم والثقافات.

ففي ظهيرة السبت الموافق الخامس من شهر سبتمبر/أيلول لعام 2015، أي بعد يوم من اتفاق أُبرم بين المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، ومستشار النمسا آنذاك فيرنر فايمان، والذي يقضي بقبول آلاف اللاجئين العالقين في محطة بودابست المركزية، وصل حوالي 400 لاجئ على متن القطار الذي سمح لهم برؤية ألمانيا لأول مرة.

وبعد أسبوع من ذلك التاريخ عاد جسر فريلاسينغ ليشهد المأساة مرة أخرى، بعد أن وجد اللاجئون أنفسهم عالقين مرة أخرى بعد أن قرر وزير الداخلية الألماني توماس دي ميزير إجراء عمليات تفتيش على الحدود استمرت بشكل متقطع، مما تسبب في مشاهد صاخبة تركت المدينة الحدودية منقسمة في كثير من المناحي.

يتذكر راينر بورتشرز (38 عاماً) ذلك اليوم عندما كان عائداً من ورديته الليلية -إذ إنه يعمل ممرضاً بأحد المستشفيات- في الساعات الأولى من ذلك اليوم، ليجد مئات الأشخاص الذين يخيمون خارج منزله الواقع على الجانب الألماني من نهر سالاتش.

يقول بورتشرز "كان هؤلاء مرهقون وعطشى وجياع. باعتباري ممرضاً، أردت أن أساعدهم، لذا سمحت لهم باستخدام الحمام الخاص بالمآرب، كما تركت إحدى النساء التي كانت حاملاً تستريح في شاحنة التخييم الخاصة بي".

استمر بورتشرز في تقديم المساعدة لأسبوع، لكنه صار بعد ذلك متحرجاً من الموقف خارج منزله، وادعى أنه تعرض لمشاحنة مع أحد الأشخاص كما هدده آخر بسكينة بعد أن أعطى اللاجئين زجاجات المياه.
وفي أحد الليال سمع طلقات رصاص على الجسر، وحينها أصرت الشرطة أن صوت الضجيج كان بسبب مرور إحدى الشاحنات فوق أحد أقماع المرور.

يضيف بورتشرز قائلاً "كانت المولدات الكهربائية تعمل لـ24 ساعة يومياً، مما تسبب في اهتزاز غرفتي، لقد اشتريت ذلك المنزل بأموالي ووظيفتي في الحقيقة لا توفر لي راتباً يقترب من 5 آلاف يورو شهرياً".

وأوضح بورتشرز أنه يتذكر "اللحظات الإيجابية" خلال أسبوعه التطوعي، لكنه صار أكثر إحباطاً خلال الأسابيع التالية.


المناهضون يتفاعلون أكثر


وأردف الممرض الألماني قائلاً "لم يكن لدي أي علاقة بالسياسة، لكنني اتصلت بأعضاء الحزب الديمقراطي الاجتماعي لأشكو ما يحدث، واتصلت بعمدة فريلاسينغ، واتصلت بمكتب المنطقة، ولم يستمع إلي أي منهم".

لكنه يوضح أنه اتصل بأقرب مكتب لحزب البديل من أجل ألمانيا، وهو الحزب الألماني اليميني الجديد الذي يناهض المهاجرين، وعندما فعل ذلك يقول إنهم "منحوني الوقت ليستمعوا إلي". ومنذ ذلك الحين انضم الرجل إلى الحزب.

في الرابع والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول، نظم حزب البديل من أجل ألمانيا تظاهرة تجاوز عدد المشتركين فيها 1000 متظاهر، فضلاً عن مئات المتظاهرين الذين عبروا عن رفضهم لسياسة ميركل في الإدارة "غير القانونية" للأزمة.

وبعد عام من تلك الأحداث، يقول بورتشرز، إن مدينته صارت خائفة. وأضاف "جيراني منقسمون بين يساري ويميني، وليس ثمة من هو في المنتصف بينهم. فإما أن تكون داعماً للاجئين أو مناهضاً لهم".

ويختلف آخرون بالمدينة مع هذا الرأي، إذ أن عمدة المدينة جوزيف فلاتشر يقول إن وصف مدينة فريلاسينغ بأنها مدينة منقسمة يعد "مبالغة شديدة".

في سبتمبر/أيلول الماضي كان السياسي وعضو حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي بولاية بافاريا عائداً من عطلة عائلية قضاها في إيطاليا عندما سمع في الإذاعة الأخبار المتعلقة باستمرار عمليات التفتيش على الحدود بين النمسا وألمانيا. لكنه عندما كان يقود سيارته فوق الجسر ليصل إلى مدينته بعد ساعة من سماعه لتلك الأخبار، لم يكن ثمة أي فرد من حرس الحدود في المشهد.

وفي الصباح التالي، أجرت الشرطة المحلية دوريات على فترات متفرقة وسط الجسر. وفي الظهيرة، استبدلت قوات الشرطة الوطنية بأفراد الشرطة المحلية، والذين لا يزالون يجرون عمليات التفتيش على الحدود بصورة متقطعة.

وبعد مرور عام من ذلك اليوم، يقول فلاتشر "إنني أشعر بالطمأنينة تجاه الموقف في فريلاسينغ، لكننا بكل تأكيد نضع أعيننا على المناخ الداخلي للحدود"، مشيراً إلى الأخبار التي انتشرت عن إنقاذ 6500 مهاجر من أمام الشواطئ الليبية في يوم واحد خلال هذا الأسبوع. ويصف الأمر قائلاً "لن يتوقف ذلك الأمر كلياً. ولكن في المرة القادمة سنعرف كيف يمكننا التعامل مع الموقف".

يقول عمدة المدينة عن تكرارالازدحام المروري على الجسر إنه "جعلنا ندرك عظمة أن تعيش في أوروبا بلا حدود. علينا أن نتحدث عن ذلك الأمر في كثير من الأحيان". ولم يتعرض المسؤول لذكر قناعة المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل فيما يتعلق بتلك الأزمة، إذ قال "سوف نعالج الأمر"، كما أنه لم يعارضها، فأوضح قائلاً "إننا دولة قوية ويمكننا معالجة الأمر".


يدعون أنهم سوريين


ربما يتفق خالد ميشو البالغ من العمر 21 عاماً مع ذلك. وصل ميشو إلى ألمانيا في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2014، وهو سوري يتشارك غرفته مع ثلاثة شباب آخرين، وغرفته تقع بالطابق الأرضي لأحد المنازل الواسعة التي تتكون من ثلاثة طوابق وحديقة صغيرة وبعض الأشجار الضخمة في المدخل.

يأوي ذلك المنزل 60 لاجئاً وضعهم المسؤولون به إلى أن تنتهي إجراءات اللجوء الخاصة بهم. يخصص الطابق الأرضي للرجال، وأحد جناحيه مخصص للمتحدثين باللغة العربية- ومعظمهم من سوريا- أما الجناح الآخر فهو مخصص للاجئين الذين يتحدثون لغات أخرى، ومعظمهم من الدول الأفريقية.

في الوقت الذي استمرت فيه أمواج اللاجئين التي وصلت أحياناً لـ 1500 لاجئ يومياً، قادمين من مدينة زالتسبورغ بعد عبورهم الجسر خلال شهري سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول الماضيين، كان ميشو في ألمانيا منذ ما يقرب من عام، كما أنه استطاع أن يتقن أساسيات اللغة الألمانية.

يقول ميشو "لذا فقد ذهبت إلى الجسر لأدعم المتطوعين الذين يوزعون الطعام والملابس ولأساعد في الترجمة. وشعر المسؤولون الألمان وأيضاً اللاجئون بالعرفان لمساعدتي لهم، إلا أن الأمر انقلب عن ذلك السياق في مرات عديدة عندما اكتشفت أن هؤلاء الأشخاص الذين يدّعون أنهم سوريون لا يتحدثون العربية على الإطلاق. لم يكن لدي فكرة من أين أتى هؤلاء الأشخاص، لكنهم بالتأكيد ليسوا من سوريا كما كانوا يدّعون".

ومنذ ذلك الحين، انحدر عدد الأشخاص الذين يصلون عبر الجسر بصورة كبيرة. فوفقاً للمكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين، لم يعد يصل أكثر من 40 لاجئاً ومهاجراً كل يوم في مركز استقبال فرايلاسينغ. حتى أن المأوى الذي كان في الماضي مصنعاً للأثاث، يعمل ب "أقل قدرات استيعابه".

وعن ذلك يقول ميشو "نحن محظوظون أننا في منزلنا مع اللاجئين، وأمامنا مساحة خضراء ويمكننا جميعاً التواجد بجوار بعضنا. إنني لا أزال أشعر بالعرفان لألمانيا أنني تمكنت من المجئ إلى هنا، وثمة كثير من الناس الذين يساعدوننا بكل سرور".


الألمانية تحميني


يقول ميشو إن بعض الأشخاص في فرايلاسينغ يبدون غير سعداء لوجودنا، ويوضح قائلاً "ربما شخص من أصل خمسة أشخاص. ففي مرات قليلة أخبرني بعض الناس أنني لا ينبغي أن أكون هنا. لكنني أرد عليهم دائماً بالألمانية، فيشعرون بالخوف والحيرة لأنني أتحدث الألمانية، وتلك هي الطريقة المثالية كي أدافع عن نفسي".

في بداية سبتمبر/أيلول، بدأ ميشو وظيفة جديدة بأحد المطاعم في تشييمسي، وهي بحيرة قريبة يقصدها السياح. ويعمل في الأساس في تحضير السلطات لكنه يأمل أن تزيد مهامه في يوم من الأيام.

لا يمتلك كل لاجئ تمكن من عبور جسر فرايلاسينغ سبباً يجعله يشعر بالأمل. وعلى الرغم من أن الشرطة الموجودة على الجسر لا تجري عمليات تفتيش في الوقت الحالي إلا بصورة متقطعة، فإن عمليات التحكم في الحدود تعمل حالياً في الداخل الألماني وليست مقتصرة على النقاط الحدودية، ولا سيما في مراكز استقبال اللاجئين والمهاجرين التي يلجأون إليها فور وصولهم.

وبالنسبة للأشخاص الذين لا يمتلكون جوازات سفر أو لا يستطيعون التقدم للحصول على اللجوء السياسي، فإن السلطات تعيدهم مرة أخرى إلى النمسا عبر الحدود. ففي أغسطس/آب، أعادت الشرطة 300 لاجئ من فرايلاسينغ الألمانية إلى زالتسبورغ النمساوية. ومع إغلاق طريق البلقان في الوقت الحالي، يضطر كثير منهم للبقاء في النمسا على عكس إرادتهم أو يحاولون المرور من فوق نهر سالاتش مرة أخرى من خلال معبر آخر.

يقول كارل هاينز مولر (77 عاماً) وهو متقاعد يعيش في مدينة فريدولفينغ القريبة "في فرايلاسينغ، قد يبدو الأمر كما لو أن أزمة اللاجئين توقفت، لكنها بدأت في زالتسبورغ". ولعب مولر دوراً رئيسياً خلال الأسابيع المضطربة لشهر سبتمبر/أيلول العام الماضي.

ومع اختلاف المشهد بنهاية الشهر، يتذكر مولر عندما رأى أمهات يحملن أطفالهن وينتظرن لأيام فوق الجسر من أجل غايتهن، ولا يعتزمن أن يتحركن خوفاً من فقدان أماكنهن في الصف. وعن ذلك يقول "لقد كنت في غاية الحزن بسبب القصور الجماعي الذي نعاني منه".

في الثامن عشر من سبتمبر/أيلول، قرر مولر، الذي كان يدير شركة تحليل علمي متخصصة في اختراع تقنيات جديدة لفصل المواد الكيميائية، أنه "ما دام لا يمكن الاعتماد على الشرطة، فينبغي عليّ أن أستخدم عقلي" حسب ما يقول.

استخدم مولر قلماً ليكتب حرف "أ" كبير على معصم أول عشرة أشخاص بالصف، ثم رسم خطوطاً تفصل بين الأماكن على الأرض. أما المجموعة الثانية فكتب على معاصمهم الحرف "ب"، والعشرة الذين يقفون خلفهم الحرف "ج"، وهكذا.

وبعد مرور وقت قليل، وجد مولر نفسه مضطراً لاستخدام الأرقام العشرية لكي يتمكن من استيعاب كل تلك الأعداد.

وبعد مرور أيام قليلة، شبّهت إحدى الصحف نظام مولر بنظام النازيين عندما كانوا يعطون علامات للسجناء اليهود في المخيمات الكبرى، مما جعل الرجل الكبير يشعر بالسوء.


نظام مولر


يقول مولر "لم نكن نحاول سوى أن نضع نظاماً عادلاً لهم". وفي نهاية الأمر، تبرع نائب عمدة مدينة زالتسبورغ النمساوية بصناديق ممتلئة بالأساور الملونة التي كانت تُستخدم في التجمعات السياسية، ليستخدمها مولر بدلاً من نظام الأرقام.

وبعد مرور أشهر قضاها متطوعاً، والتي اعتاد أن ينام خلالها لساعتين أو ثلاث ساعات في أحد المضاجع التي خصصت للمتناوبين على مساعدة المخيمات، يشعر مولر بالريبة نحو المستقبل، إذ يقف محتاراً بين التعاطف مع الأشخاص الذين يحاولون القدوم إلى ألمانيا وبين تفهمه لأسباب الأشخاص الذين يشعرون بالقلق من الآثار طويلة الأجل للمهاجرين. فيوضح الأمر قائلاً "عليك أن تحترم كل شخص لا يرغب في وجود مزيد من اللاجئين. علينا أن نتعامل مع ذلك الأمر، ولكن إن كان عدد كبير من السكان يشارك في تلك العملية".

ويخطط مولر لأن يؤسس متحفاً بمنزله يحتوي على الوثائق العديدة التي امتلكها والأساور التي استخدمت في تلك الأيام الخوالي وأيضاً صور الأطفال. وعن ذلك يقول "ينبغي على أحد الأشخاص أن يحتفظ بالحكاية التي حدثت خلال العام الماضي وأن يبقي تلك الحكاية على قيد الحياة" للأجيال القادمة.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.