رغم علمهم بعدم الوصول إلى مكان أبعد داخل أوروبا.. ما الذي يدفع اللاجئين للتدفق نحو اليونان؟

تم النشر: تم التحديث:
REFUGEES IN GREECE
Anadolu Agency via Getty Images

قبل أسبوعين، أقدمت ياسمين علي على خوض رحلة محفوفة بالمخاطر؛ للوصول إلى هذه الجزيرة الموجودة في بحر إيجة، قادمة من تركيا، رغم علمها بأنها ستعلق هناك، ولن تتمكن من الوصول إلى مكان أبعد داخل أوروبا.

تُعَّد طالبة الاقتصاد السورية صاحبة الـ 19 عاماً، واحدة من الأفواج المتزايدة التي قررت تجاهل الاستراتيجية المزدوجة، التي تحاول أوروبا تفعيلها لردع الهجرة الجماعية، المُمَثلة في الاتفاق مع تركيا الذي نص على عودة الوافدين الجدد وغلق حدود البلقان في الشمال، وهو ما قلل من قدرة اليونان على استيعاب المزيد من طالبي اللجوء.

وقالت ياسمين لصحيفة The Wall Street Journal الأميركية "نعلم بالاتفاقية مع تركيا، لكننا قررنا القدوم في كل الأحوال". تعتقد ياسمين أنه سيكون على الاتحاد الأوروبي السماح لها، ولأمها وشقيقتها، بالانضمام إلى الرجال من عائلتهن الذين لجأوا إلى ألمانيا قبل عام. "لا يمكنهم إعادتنا مرة أخرى لأن لدينا عائلة في أوروبا".

ازداد متوسط عدد الأشخاص الذين وصلوا إلى الجزر اليونانية ليبلغ 100 فرد يومياً في أغسطس/آب، مقارنة بأقل من 50 في مايو/أيار، ويونيو/حزيران. وشهد يوم الإثنين، وصول حوالي 460 شخصاً إلى الجزر اليونانية، وهو الرقم الذي لم تشهده اليونان منذ أوائل أبريل/نيسان الماضي.


مخاوف من انهيار الاتفاق الهش مع تركيا


لم يزل الرقم أقل من أعداد الذروة اليومية التي بلغت 6800 في أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي، لكن الأعداد المتزايدة تثير قلق مسؤولي اليونان والاتحاد الأوروبي بشأن احتمالية انهيار الاتفاق الهش مع تركيا الذي انصب هدفه على إعادة الوافدين إلى الشواطئ اليونانية.

في الوقت نفسه هدد بعض المسؤولين الأتراك، الغاضبين جراء غياب الدعم الأوروبي للديمقراطية التركية، بينما تعمل أنقرة على اجتثاث مؤيدي انقلاب يوليو/تموز الفاشل، بإفشال اتفاقية الهجرة إذا لم يمنح الاتحاد الأوروبي للمواطنين الأتراك حرية السفر بدون تأشيرة عبر أوروبا بحلول أكتوبر/تشرين الأول، وهو الامتياز الذي وُعدت به تركيا كما تقول.

وقال أحد كبار المسؤولين الأتراك "لا يمكننا التحقق من ارتفاع الأعداد بشكل مستقل، لكن بفرض صحة ذلك فسيكون مرتبطاً باعتقاد المهاجرين غير الشرعيين بأن الاتفاق بين تركيا والاتحاد الأوروبي على حافة الانهيار، وأنه ما من آلية قضائية بإمكانها إعادتهم إلى تركيا بمجرد عبورهم بحر إيجة"، متابعاً "إذا لم يُقَدِّر الاتحاد الأوروبي اتفاقه مع تركيا، فسيشكل ذلك حافزاً أكبر للمزيد من المهاجرين من أجل المخاطرة بحياتهم لعبور البحر، مهما ازدادت قوة محاولات تطبيق الاتفاق".

أثار الخطاب التركي الحاد انتباه أثينا، إذ إن أي ارتفاع مفاجئ للهجرة سيؤثر على اليونان بشكل رئيسي. وقال وزير الهجرة اليوناني يانيس موزالاس هذا الشهر "سنواجه اختباراً شديد الصعوبة إذا انهار الاتفاق مع تركيا".

كما عبر مسؤولون يونانيون عن شكِّهم في أن الارتفاع الأخير في أعداد المهاجرين يعكس -بشكل جزئي- تغيراً في القوى العاملة، بعد إيقاف العديد من أفراد الجيش والشرطة الأتراك كجزء من حملة التطهير التي قادتها الحكومة التركية بعد الانقلاب. بينما تقول تركيا إنها تعمل بدأب على تنفيذ جانبها من اتفاق الهجرة، وإن القدرة التشغيلية لقواتها الأمنية لم تتأثر جراء محاولة الانقلاب.


إغلاق ممر الهجرة عبر البلقان


أسفر إغلاق ممر الهجرة عبر البلقان عن حصار حوالي 60 ألف لاجئ ومهاجر في اليونان. وصرح موزالاس أنه لولا وجود الاتفاقية مع تركيا، والتي أبطأت من عدد القادمين منذ مارس/آذار، لزادت أعداد العالقين في اليونان بحوالي 130 إلى 180 ألف آخرين.

كما تواجه إيطاليا المجاورة ضغوطاً شديدة هي الأخرى، جراء ازدياد معدل المهاجرين القادمين إليها من شمال أفريقيا، والذين بلغت أعدادهم 116 ألف مهاجر حتى الآن، العديد منهم من جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا، مقارنة بـ154 ألف خلال عام 2015 بأكمله، وهي الظاهرة التي طغت عليها موجات المهاجرين القادمين إلى اليونان عبر تركيا.

أما إغلاق الحدود الأوروبية أمام المهاجرين، على العكس من السنوات السابقة، فسيعني أن الغالبية العظمى ستبقى عالقة في إيطاليا، ولن تتمكن الوصول إلى شمال أوروبا كما أملت. ووفقاً لوزارة الداخلية الإيطالية، تستضيف مراكز الاستقبال الإيطالية حالياً 145 ألف مهاجر.

أما في اليونان الأصغر والأكثر فقراً، فلا تحتاج أعداد القادمين إلى جزر بحر إيجة أن تبلغ ما بلغته في عام 2015 لتتسبب بالمشكلات، إذ إن الجزر الخمس الأكثر استقبالاً للوافدين، ليسبوس، وليروس وخيوس وكوس وساموس، تكافح بالفعل.


مراكز استقبال الجزر شديدة الازدحام


تحتوى مراكز استقبال الجزر شديدة الازدحام على ما يزيد على 12 ألف شخصاً، أي أكثر بـ4500 من قدرتها الاستيعابية. ويقول رئيس بلدية خيوس، إيمانيول فورنوس "الاتفاقية (التركية) رائعة بالنسبة للاتحاد الأوروبي، لكنها فشلت في وضع زيادة الأعداد التي تستقبلها الجزر اليونانية بعين الاعتبار"، مضيفاً "تحولت جزرنا إلى منطقة حصار غريبة للمهاجرين، لكن مواطني الجزر عالقون أيضاً، ولم تأخذ الاتفاقية الآثار الاجتماعية والمالية الواقعة عليهم في الحسبان".

تؤوي خيوس حالياً حوالي 3300 مهاجراً ولاجئاً، وهو العدد الذي يبلغ 3 أضعاف قدرة مخيمها الاستيعابية. يسكن المهاجرون، في المخيم المقام حول أحد مصانع الألومنيوم المهجورة، في حاويات مكتظة وفي ظروف غير صحية، حيث يتشارك
6 - 8 أشخاص، من عائلتين مختلفتين عادة، حجرة لأربعة أشخاص.

ويقول وسيم عمر، معلم الإنجليزية السوري البالغ عمره 34 عاماً، "نحيا هنا كالحيوانات" بينما ينتظر في الصف للحصول على عشاء أسرته المكون من البطاطس والخبز والزيتون.

في الوقت نفسه يشكو الكثيرون من عدم توافر الغذاء أو الأطباء. وتقول النسوة إنهن، وأطفالهن، يخفن الخروج من حجراتهن بعد حلول الظلام، بسبب المشاجرات التي تنشب بين المهاجرين من مختلف الجنسيات.

ومع زيادة أعداد الوافدين، ينام العديد ممن تقطعت بهم السبل في خيوس في معسكرين مفتوحين بالقرب من ميناء الجزيرة. وتسمح الثقوب الموجودة في السياج الشائك المحيط بالمركز الرسمي للناس بالدخول والخروج. كما يشكو السكان المحليون من زيادة السرقات وتدمير محاصيلهم.

أما الحكومة اليونانية فتنوي، أملاً في تخفيف الضغط على الجزر، نقل بضع مئات إلى مخيم جديد في الداخل اليوناني، إلا أن المسؤولين يخافون أن يشجع ذلك المزيد من الناس على القدوم.

في الوقت نفسه عبر فورنوس، رئيس بلدية خيوس، عن مخاوفه من سهولة تصاعد التوتر بين السكان المحليين والمهاجرين.

هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Wall Street Journal الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.