افتح يا سمسم: مشروع تسريع الجزيئات يجمع الخصوم بالشرق الأوسط.. الإيرانيون والإسرائيليون والأتراك والقبارصة

تم النشر: تم التحديث:
SOCIAL MEDIA
social media

هناك مشروع عملاق تتبلور معالمه بمدينة البلقا الجبلية المتاخمة لوادي الأردن، حيث يتم بناء مسارع الجزيئات الجديد بالشرق الأوسط – السينكروترون – للعلوم والتطبيقات التجريبية، المعروف باسم سمسم.

ففي المنطقة التي تشوبها عمليات العنف والتطرف وتفكيك أو تفتيت البلدان، يبدو المشروع العملاق عالماً منفصلاً، حيث الرؤية التأملية السلمية للريف المحيط الذي يتناقض مع المراحل المتقدمة للبناء داخل الموقع، والذي من المزمع افتتاحه رسمياً خلال الربيع القادم في 2017، وبدء التجارب الأولية مع حلول فصل الخريف، بحسب تقرير نشرته صحيفة الغارديان البريطانية، الثلاثاء 30 أغسطس/آب 2016

يعد بدء تنفيذ المشروع بمثابة معجزة في حد ذاته. ويضم المشروع في عضويته إيران وباكستان وإسرائيل وتركيا وقبرص ومصر والسلطة الفلسطينية والأردن والبحرين. ولا تعترف إيران وباكستان بإسرائيل، بينما لا تعترف تركيا بقبرص؛ لذا يحظى الجميع بمجموعة من المشاحنات الدبلوماسية.

وتستمر إيران على سبيل المثال في المشاركة رغم اغتيال اثنين من علمائها المشاركين بالمشروع، وهما عالم الفيزياء الكمية مسعود علي محمدي والعالم النووي ماجد شهرياري، وإلقاء اللوم على الموساد الإسرائيلي.

وذكر جورجيو باولوتشي، المدير العلمي لمشروع سمسم: "إننا نتعاون معاً بصورة جيدة. ذلك هو الحلم الذي نرجوه".

وأضاف: "لا أدري كم عدد الأماكن التي تحظى من خلالها كل هذه الحكومات بممثلين لديهم الفرصة للحضور والتحدث معاً".

وفي اجتماعات المجلس، يلتقي ممثلو الحكومات لمناقشة القضايا التقنية والتوصل لاتفاقيات دون أن تشوب المحادثات أي عداوات قائمة خارج نطاق قاعات المؤتمر.

يتم تصغير مسارع جزيئات مشروع سمسم البالغ قطره 130 متراً من خلال هيكل هادرون كوليدر الكبير الكائن بسويسرا والذي تمكن في عام 2015 من اكتشاف ما وصفه البعض ب-"إله الجزيئات"، المعروف بخلاف ذلك باسم هيجز بوزون، وهو الجزيء الأولي الذي يمنح الجزيئات الأساسية الأخرى كتلتها.

ومع ذلك، يعد المشروع معقداً ويمكن أن يتضمن العديد من التطبيقات ويوفر الفرص البحثية لإقليم يعاني منذ عهد طويل من نقص التمويل والافتقار إلى الإرادة السياسية في مجال التقدم العلمي.


دراسة كل شيء


وقال باولوتشي "هناك الكثير من التطبيقات حتى إننا نعاني بالفعل إلى حد ما من قصور الخيال. يمكنك دراسة أي شيء. وهنا نستطيع دراسة كل شيء بدءاً بالذرات المنعزلة إلى الكائن البشري ويتم السماح بدراسة كل ما بين هذين النقيضين".

ويعد مشروع سمسم بمثابة "سنكروترون" جهاز كبير يسارع من حركة الإلكترونات حول أي أنبوب دائري، بفعل المغناطيس والمعدات الأخرى بما يجعلها تقترب من سرعة الضوء. ويولد ذلك أشعة يتم ترشيحها وتتدفق عبر خطوط الأشعة – وخاصة خطوط الأنابيب الطويلة التي يتم وضع الأدوات بها لجمع الأشعة وإجراء التجارب المختلفة.

يعتزم علماء مشروع سمسم فتح السنكروترون من خلال ثلاثة خطوط أشعة رئيسية، رغم أن المشروع يستطيع استيعاب 20 خطاً.
ويتمثل الخط الأول في أشعة إكس التي يرى العلماء أنه يمكن استخدامها لتحليل عينات التربة وجزيئات الهواء، وتحديد الملوثات بالبيئة، بالإضافة إلى مصادرها في إقليم يعاني من ارتفاع معدلات التلوث.

ويتمثل الخط الثاني في خط الأشعة تحت الحمراء، الذي سوف يسمح للباحثين بدراسة الخلايا والأنسجة. وقد ركزت بعض الاختبارات الأولية بالمركز على دراسة تطور خلايا سرطان الثدي، بما يفتح الطريق أمام إمكانية الكشف المبكر عنه.

وسوف يتم استخدام خط الأشعة الأخير – قيد التنفيذ حالياً – في علم بلوريات البروتين، وهي التقنية التي تسمح للعلماء بإجراء دراسة متعمقة لهيكل الفيروسات وتطوير العقاقير التي تستطيع استهداف تلك الفيروسات بصورة أفضل.

ويأمل باولوتشي أيضاً في إضافة خط أشعة تصويرية – يتضمن مجموعة من الاستخدامات، بدءاً بالسماح للباحثين بدراسة الحفريات الأثرية بصورة أكثر دقة وبدون الحاجة إلى نقلها خارج الإقليم، إلى تصوير الأجسام الدقيقة للغاية مثل الحركات العضلية للذبابة.

وقد استخدم علماء الآثار في إيطاليا خط الأشعة التصويرية في مشروعات معقدة مثل دراسة المجلدات المحترقة المدفونة بمدينة هيركيولانيام بعد انفجار جبل فيسوفياس الأسطوري، مما سمح لهم بتحديد الحروف اليونانية بالمجلدات دون الحاجة إلى فكها والمخاطرة بتمزيقها.

ويأمل مؤسسو مشروع سمسم أن يحفز المشروع على التقدم العلمي في الإقليم الذي يعاني منذ عهد طويل من النزاعات والصراعات وتوفير الفرصة أمام الحصول على الموارد الوفيرة بالغرب والمحدودة بالشرق الأوسط، بما يسمح للعلماء سواء من إسرائيل أو إيران بالتعاون معاً من أجل دراسة العناصر الأساسية للطبيعة.


هجرة العقول


وتأمل الدول الأعضاء أيضاً في الحد من هجرة العقول من الإقليم، الذي يدفع الشباب إلى التوجه إلى المؤسسات البحثية بالخارج والاستفادة من الخبرات التي يحصلون عليها من خلال التجارب التي سوف يتم أداؤها.

ولم يفقد هؤلاء العاملون بالمشروع الذي تبلغ تكلفته 100 مليون دولار رؤيتهم للصورة الأوسع نطاقاً.

وقال باولوتشي "إذا ذهبت إلى أي جامعة بالإقليم سترى عدداً من الطلاب أكبر من العدد الذي تراه بأي جامعة بأوروبا. ومن الواضح أن هناك حاجة لوجود مركز كهذا؛ وبمرور الوقت، سوف يكون مفيداً من وجهة النظر الاقتصادية".

وبينما كان يسير باولوتشي بالردهة الضخمة التي تضم مسارع الجزيئات، توقف لفحص الأجهزة المعقدة والماكينات التي أمام عينيه.

وذكر "إن ما تستطيع تلك الأجهزة فعله لأمرٌ مذهل للغاية".

-­هذا الموضوع مترجم بتصرف عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.