اطلب ما تتمناه في مصر يأتيك بـ"الدليفري".. الدواء والقهوة وكريم إزالة الشعر وأشياء أخرى

تم النشر: تم التحديث:
YY
AP

عندما نأتي لذكر خدمات توصيل الطلبات للمنازل أو "الدليفري"، لا يمكن أن أن يتفوق أي مكان على مدينة القاهرة.

هل تعاني من بعض آثار شرب الخمر من الليلة الماضية وتشعر بالقليل من الندم؟ كوستا كوفي ستتولى الأمر وسترسل لك كوباً من الإسبرسو (2.70 دولار)، أما عن الصيدلية الموجودة في الجوار فسترسل لك قرص الدواء اللازم في الصباح (دولارين)، بحسب تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية.

هل تريد كريم إزالة الشعر؟ يمكنك القيام بالأمر في منزلك وفي خصوصية تامة ولن يكلفك الأمر أكثر من 6 دولارات. هل تريد شهادة ميلاد أو شهادة وفاة؟ ليس عليك سوى إجراء مكالمة هاتفية للجهة المختصة في الحكومة، التي سترسلها إليك في خلال 72 ساعة.

فبالنسبة لسكان المدن في مصر يمكن توصيل أي شيء للمنزل، وبمقابل بخس.

تقرير نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية، الإثنين 29 أغسطس/آب 2016، ذكر أن خدمات خدمات توصيل الطلبات للمنازل بدأت بتوصيل الوجبات السريعة، لكنها سرعان ما توسّعت لتشمل مجموعة واسعة من السلع والخدمات الأخرى.

فمن الممكن أن ترسل المطاعم الفاخرة طبق سلطة أو شريحة واحدة من الكيك، والمكتبات ترسل الأقلام إلى المكتب؛ ومتاجر الخمور تزودك بالكحول التي تريدها في حفلتك؛ وأخيراً، المخابز تبعث إليك بالخبز الطازج والمعجنات التي خرجت تواً من الفرن، أما عن وسيلة التوصيل فعادةً ما تكون الدراجات النارية المتهالكة هي الحل.


الطبقة الوسطى الأكثر استهلاكاً للخدمة


الطبقة المتوسطة هي الأكثر استهلاكاً لتلك الخدمة، إذ إن الأشخاص المنتمين لهذه الطبقة على استعداد لدفع المال لتجنُّب المتاعب، كما يتجه الكثير من الفقراء على الناحية الأخرى إلى التجول على الدراجات النارية في مقابل 10 دولارات في اليوم. وتسببت الأزمة المرورية الموجودة في القاهرة، والصيف الطويل شديد الحرارة، إلى دفع سكان القاهرة لرفع سماعة الهاتف وطلب خدمة التوصيل. (وتبلغ خدمة توصيل الطلبات ذروتها في شهر يوليو/تموز وأغسطس/آب، إذ نادراً ما تنخفض درجة الحرارة عن 33 درجة مئوية).

وفي مقابل وسائل الراحة تلك، يدفع الزبائن القليل جداً، إذ إن رسوم التوصيل عادةً ما تكون أقل من دولار واحد.

thth

يقول شادي أحمد، الذي يعمل في خدمة توصيل الطلبات مع مقهى كوستا كوفي بحي الزمالك، الذي يعد من الأحياء الراقية في القاهرة: "الحرارة مرتفعة للغاية للتجوّل في الجوار، ولا يريد أحد أن يتحرك بالسيارة بسبب الزحام المروري، والبحث عن مكان لركن للسيارة بعد الهروب من ذلك الزحام. ومن غير المنطقي أن يهدر أحدهم المال على ركوب سيارة أجرة ذهاباً وإياباً مع وجود الخدمة التي نقدمها".

وبدأت الحكومة المصرية على الرغم من البيروقراطية المسيطرة عليها، في مواكبة الحدث وتوفير خدمة التوصيل للمنازل. ففي شهر يناير/كانون الثاني الماضي، خصص السجل المدني مركز اتصال للمواطنين، ليتمكنوا من تجديد بطاقة الرقم القومي الخاص بهم من خلاله، بالإضافة إلى شهادات الميلاد والوفاة، وبعد تجديدها تصلهم حتى باب المنزل، وهذه الخدمة متوافرة أيضاً من خلال الإنترنت.

وقال إيهاب العطار، مدير السجل المدني: "بدأنا في تطبيق خدمة مركز الاتصال للتسهيل على المواطنين. إذ لا يجيد الكثيرون استخدام الإنترنت، وبهذه الطريقة، لن يضيعوا الكثير من الوقت في محاولة الوصول إلى السجل والقيام بالإجراءات اللازمة، وبالتالي التسبب في المزيد من الزحام. ولا أظن أن هذه الخدمة على وجه الخصوص تعتبر دليلاً على الكسل". وأضاف ضاحكاً: "لكن هذه لا يعني عدم وجود الكثير من مظاهر الكسل في كل مكان".


خدمات الأشعة


وانتشرت ثقافة توصيل الطلبات للمنازل في الكثير من الخدمات الأخرى أيضاً. فإن كانت إحدى العدّاءات مصابة في ركبتيها، من الممكن أن تطلب خدمة عمل أشعة عليها وهي في سريرها، في مقابل 55 دولاراً، ليس ذلك فقط، بل يمكنها أيضاً الحصول على قصة شعر وباديكير أثناء عمل الأشعة.

ومع إدخال هذه الخدمة في العديد من المشاريع الأخرى، بدأ بعض العاملين في هذه المجال في الشكوى من سلوكيات الزبائن. قالت نجاة حسني، التي تقوم بإزالة الشعر للسيدات في منازلهن: "عادةُ ما تجلس السيدات مع كوب القهوة، وبالكاد ينظرون إليك. وأحياناً أود أن أقول لهن: لستم أغنياء، بل الخدمة هي التي تُقَدَّم في مقابِل زهيد".

أما عن مصطفى محمود، الذي يسافر عبر المدينة لأخذ عينات من الدم في المنازل — فهو تابع لمعمل تحاليل وليس مصاص دماء — ويعمل في معمل البرج، أحد أكبر معامل التحاليل الطبية في العاصمة.

يقول مصطفى: "عندما أذهب إلى العميل وأجده يجلس مستمتعاً في منزله بخير حال، يصيبني الكثير من السخط. كما أن البعض لديهم الجرأة على توبيخك إن وصلت 10 دقائق متأخراً عن الموعد".

ومع زيادة عدد المنتجات والخدمات التي تصل حتى باب المنزل للعملاء لم يكن هناك مفر من تطبيق بعض الحلول التكنولوجية ذات التقنية العالية.

فهناك وليد راشد، الذي أسس شركة تخطط لطرح تطبيق لخدمة توصيل الطلبات يسمى "فوو" في أكتوبر/تشرين الأول القادم. تطبيق فوو (والاسم يعبر عن صوت السرعة)، يهدف إلى القيام بكل الأعمال الروتينية لأي شخص في أي مكان.

يقول راشد: "ليس هناك أي دافع للخروج من المنزل. فإن قضاء ساعة واحدة فقط في الخارج، كفيل بإفساد يومك بأكمله".

وأوضح راشد أنه من الممكن مثلاً أن يذهب فوو لالتقاط مفاتيحك التي تركتها في منزل أحد أصدقائك ويأتيك بها في خلال ساعة، وفي مقابل 5 دولارات.

وهناك أيضاً "إنجز"، وهي شركة مصرية انضمت إلى موجة جنون توصيل الطلبات. تقدم خدمات متعددة مثل نقل البضائع المتنوعة - كغطاء الهاتف المحمول - بين أنحاء القاهرة المختلفة، في مقابلغ مبلغ 2.50 دولار، وإن كنت منشغلاً، وتريد القيام بزيارة إلى المشفى لأحد أقاربك ولا تجد الوقت، فيمكن أن تقوم فوو بتوصيل الزهور له في المشفى بدلاً منك.

ss

وقال أحمد فاروق، مدير العمليات في الشركة: "في بعض الأحيان يكون الأمر مضحكاً. فإن كان الأمر يرجع إلى اختياري الشخصي، لن أطلب أبداً خدمة التوصيل من أجل طلب صغير، ولكن على الأغلب، البقية لا يخجلون من القيام بالأمر".

وأرجع الروائي المصري البارز وعالم الاجتماع السياسي، عمار علي حسن، السبب في القيام بتلك السلوكيات إلى عودة الكثير من المصريين الأثرياء من العمالة الوافدة من المملكة العربية السعودية والدول الخليجية الأخرى.

وأضاف حسن قائلاً: "الكثيرين تأثروا بالحياة في الخليج. وأصبحت الطريقة التي يفكرون بها تبدو وكأنهم يقولون: أنا الآن ذو مكانة كبيرة في المجتمع وتابع للطبقة العليا، فلابد أن أتصرف على هذا الأساس. ولا أستطيع الوقوف في الطوابير مثل بقية المواطنين".

أصبحت خدمة توصيل الطلبات اعتيادية للغاية هنا في مصر، الأمر الذي تسبب في شعور المصريين بالحِرمان عند سفرهم إلى الخارج.

وتقول سلمى عادل، الطبيبة المصرية الشابة التي انتقلت إلى أيرلندا منذ أكثر من عام، إن خدمة توصيل الطلبات من أكثر الأشياء التي تفتقدها هناك.

وتضيف: "لا يقتصر الأمر على الوجبات السريعة فقط. بل يشمل جميع أنواع الوجبات والطعام". وتوضح "ثمة متعة خاصة عندما تكون جالساً في المنزل ولا تشعر بالرغبة في طهي الطعام، ولا يكون عليك حينها إلا أن تطلب وجبة جميلة تأتيك من العدم وبدون مجهود".

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The New York Times الأميركية.