قرية فلسطينية أُغرم بها ‏دبلوماسيون أوروبيون وأرجأت ‏إسرائيل هدمها.. لهذه الأسباب حظيت بتلك الأهمية

تم النشر: تم التحديث:
FLSTYN
social media

للتعرف على الواقع الذي يعاني منه الفلسطينيون في ظل الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية، فليس هناك مكان يمكن زيارته أفضل من هذه القرية الصغيرة ذات الأكواخ المهدمة وحظائر الماشية.

أصبحت تلك القرية الواقعة على تلال مدينة الخليل ساحة لحرب باردة بين المستوطنين اليهود والحكومة الإسرائيلية والدبلوماسيين الغربيين ونشطاء السلام ونحو 340 من رعاة الماشية العرب، الذين كانوا يقطنون الكهوف بالقرية، ولكنهم يعيشون حالياً في خيام بائسة.

وترغب السلطات العسكرية للاحتلال الإسرائيلي بالضفة الغربية، في هدم هذا المجتمع الفلسطيني تحت مزاعم أن المباني الآيلة للسقوط المصنوعة من إطارات السيارات القديمة والأغطية البلاستيكية، قد تم بناؤها دون تصاريح ولا بد من إزالتها على الفور، وفق تصريح نشرته صحيفة واشنطن بوست الأميركية، الأحد 28 أغسطس/آب 2016.

الفلسطينيون ليسوا محتلين، بل ورثة شرعيين لتلك الأراضي التي يقومون بزراعتها ورعي الماشية بها منذ العصر العثماني.

ويرى هؤلاء أن إسرائيل ترغب في إخلاء العرب من المنطقة وإحلالهم بمستوطنين يهود.

تقرير الصحيفة الأميركية نقل عن ناصر نواجا، أحد سكان القرية ويعمل لدى الجماعة الحقوقية الإسرائيلية بيت سلم التي تعارض عمليات هدم المنازل، قوله: "إنها عملية تطهير عرقي".

بينما قال غوش هاستن، المدير الدولي لجماعة ريجافيم الموالية للمستوطنين: "هذا هراء"، فيما تدفع جماعة ريجافيم الحكومة الإسرائيلية على طرد هؤلاء "المغتصبين" من الأرض.


قرية مصطنعة


وينقل التقرير عن هاستن زعمه أن قرية سوسيا مصطنعة، وأنها تمثل جزءاً من حبكة يمولها الاتحاد الأوروبي وتدعمها السلطة الفلسطينية للتأكيد على الحقوق غير القائمة وتأسيس "دولة فلسطينية فعلية" على أراض تمتلكها دولة إسرائيل، حسب زعمه.

وتعمل عشيرة نواجا في مجال الرعي ويتسم أفرادها بالقسوة والصلابة، وقد أمضوا العقود الثلاثة السابقة في استخدام مياه الخزانات المالحة وتوليد الكهرباء من خلال المولدات.

ومن غير المحتمل أن يغادر هؤلاء المنطقة، ما لم يتم إجبارهم على ذلك تحت تهديد السلاح، حسب تقرير الصحيفة.

وذكر جهاد نواجا، أحد حكماء القرية "لو أننا نستطيع منع الإسرائيليين من دخول هذه القرية، فسنمنعهم من هدم قرى أخرى".

وقد تم تأجيل صدور القرار النهائي بهدم القرية في منتصف أغسطس/آب 2016 حينما طلب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من المحكمة وقف إصدار حكمها لمدة شهرين -لحين انتهاء الانتخابات الرئاسية الأميركية- وفقاً لما ذكره محامون لدى كلا طرفي القضية.

وحذرت إدارة الرئيس أوباما هذا الشهر إسرائيل من أنها ترى أن عملية الإخلاء المقترح "مثيرة للمتاعب".


مشكلة بين أوروبا وإسرائيل


وتقع قرية سوسيا في قلب العلاقات القائمة بين إسرائيل وأوروبا، ما يؤدي إلى منح القرية طوقاً للنجاة.

فقد منحت ألمانيا قرية سوسيا ألواحاً للطاقة الشمسية ومنحتها أسبانيا مدرسة بينما منحتها أيرلندا مضخات مياه. وساهمت بلجيكا وإيطاليا والنرويج وغيرها في إقامة ملاعب رياضية وحاوية شحن لاستخدامها كمكتب وبوقاً جديداً.

ورغم كل ذلك، لا تزال القرية تعد مكاناً يرثى له ويفتقر إلى شبكة مياه أو كهرباء، رغم وقوعها على بعد بضع مئات الأمتار من خطوط الطاقة والمياه الإسرائيلية التي تخدم مستوطنة إسرائيلية تحمل نفس الاسم.

وأصبح الوزراء اليمينيون بحكومة نتنياهو الائتلافية، أعلى صوتاً خلال دعوتهم لبلدان أوروبا بعدم التدخل فيما يصفونه بالشئون الداخلية الإسرائيلية.

ولكن الأوروبين مازلوا مصرِّين على الاهتمام بالقرية، فقد قام اثنان من كبار الدبلوماسيين البريطانيين بزيارة سوسيا هذا الشهر للاستماع إلى آراء المواطنين.

وقام توني كاي، نائب رئيس البعثة بالسفارة البريطانية بتل أبيب، بزيارة سوسيا بعد أسابيع قليلة من وصوله إلى البلاد.

وقال كاي: "ينتقد الإسرائيليون الفلسطينيين لبناء المباني بدون تصاريح؛ ومع ذلك، فإن عدد التصاريح الصادرة للفلسطينيين بالمنطقة "ج" يساوي صفراً".

وتمثل المنطقة "ج" 60% من الضفة الغربية الخاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي بالكامل، والتي تتولى الإشراف على الشؤون الأمنية والمدنية هنا.

وتذكر جماعة بيت سلم، استناداً إلى تقديرات حكومية، أنه من بين 242 طلب رخصة بناء قدمها الفلسطينيون للبناء بالمنطقة "ج" على مدار عام 2014، لم يتم منح سوى رخصة واحدة.

وفيما بين عامي 2009 و2012، تم تقديم 1640 طلباً وتمت الموافقة على 37 منها فقط، أي حوالي 2.3%، بحسب الجماعة الحقوقية التي ذكرت أن معظم الفلسطينيين لا يقدمون طلبات ورقية، ما لم يواجهوا أحكاماً بوقف عمليات البناء.

ويرغب الفلسطينيون في إقامة دولة بقطاع غزة وهنا بالضفة الغربية، اللتين احتلتهما إسرائيل عقب انتصارها في الحرب العربية الإسرائيلية عام 1967.

بينما تريد الحكومة الإسرائيلية حالياً ضم المنطقة "ج" بصفة رسمية إلى الضفة الغربية، التي تقع بها نحو 200 مستوطنة يهودية، وتزعم أن حل الدولتين غير قابل للتطبيق عملياً.

وترى معظم بلدان العالم أن المستوطنات اليهودية بالضفة الغربية غير قانونية، وهي النتيجة التي ترفضها الحكومة الإسرائيلية كلياً.

وقد احتسى جيمس داونر، نائب القنصل العام البريطاني بالقدس، القهوة مع قبيلة نواجا، وقال "أنا مغرم للغاية بقرية سوسيا".

وضحك داونر قائلاً إنه زار المكان لعدد من المرات يكفي كي يجعله يحصل على المواطنة الشرفية.

ووعد المواطنين بقوله: "سنبذل قصارى جهدنا لمنع عمليات هدم المنازل وهنا وفي أي مكان آخر".


معسكر للاحتجاج


وأياً ما كان عليه الحال في الماضي، تعد قرية سوسيا حالياً بمثابة معسكر للاحتجاج أكثر من كونها مجرد قرية فلسطينية.

لا يوجد بالقرية شوارع أو متاجر أو مساجد أو منازل دائمة. ولا يبدو أن هناك الكثير من المواطنين أيضاً، بما يدعم مزاعم ريجافيم بأن معظم الأهالي يعيشون في قرية ياتا الفلسطينية المجاورة.

ويذكر المواطنون أنه منذ إقامة المستوطنة اليهودية المجاورة عام 1983، تم هدم القرية بالكامل مرتين وهدم أجزاء منها فقط أكثر من سبع مرات باستخدام البلدوزرات الإسرائيلية.

وفي كل مرة، يعود الفلسطينيون إلى أعلى التلال لإعادة بناء أكواخهم.

قام وزير العدل الإسرائيلي إيليت شاكيد بزيارة المنطقة في شهر أغسطس/آب 2016، وزعم أنه من الرياء أن تعترض أوروبا على بناء أي مباني جديدة بالمستوطنات الإسرائيلية بالضفة الغربية، بينما تتعهد بتمويل مباني غير قانونية بالقرى الفلسطينية. حسب تعبيره، ويتفق الجميع على أن سوسية قد أصبحت رمزاً.

وهدمت إسرائيل 614 منزلاً فلسطينياً بدون تصريح بالضفة الغربية هذا العام (2016) وفقاً لتقديرات الأمم المتحدة.

ويرى المستوطنون الإسرائيليون بالضفة الغربية، أن هناك تعدياً فلسطينياً على الأراضي التي يعتقدون أن الرب قد منحها إياهم.

واعتبر يوكاي دماري، الذي يترأس مجلساً إقليمياً يمثل المستوطنات اليهودية بتلال الخليل، أن مواطني قرية سوسية "غزاة" و"مجرمون"، حسب قوله.

وأخبر صحيفة هآرتز الإسرائيلية بقوله: "تم مناقشة الأمر وتقرر ترحيلهم بعد تلقي طلبات والتماسات لا حصر لها".

ويذكر رعاة سوسيا أن جماعة ريجافيم التي تطالب بترحيل الفلسطينيين، تضع يدها على الأراضي المجاورة لموقع أثري يضم أطلال مجتمع يهودي ومعبداً يرجع إلى القرن الثامن الميلادي.

ويضم الموقع ذاته أيضاً بقايا مسجد قديم تم تشييده أعلى المعبد.

- ­هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Washington Post الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.