وزير الداخلية الفرنسي: نحن بحاجة ماسة لعلاقة سليمة مع المسلمين..وحظر البوركيني انتهاك للحرية الفردية

تم النشر: تم التحديث:
BERNARD CAZENEUVE
Philippe Wojazer / Reuters

قال وزير الداخلية الفرنسي، برنار كازنوف، الإثنين 29 أغسطس/آب 2016، إن "فرنسا في حاجة، أكثر من أي وقت مضى، إلى علاقة سلمية مع المسلمين"، داعياً إلى تجديد العلاقات بين المسلمين والجمهورية، عبر مؤسّسة جديدة للإسلام.

وتبدأ الحكومة الفرنسية اليوم مناقشات حول الإسلام في فرنسا، على أمل ترسيخ الديانة الثانية في هذا البلد بشكل أفضل "في قيم الجمهورية"، وسط نقاشات محتدمة في بلد ضربته عدة اعتداءات جهادية.


علاقة سليمة


واستعرض كازنوف، في مقابلة مع يومية "لا كروا" الفرنسية، بمناسبة يوم "إسلام فرنسا"، مشروع مؤسسة الإسلام في فرنسا، والهادف إلى "إنجاح بناء الإسلام في فرنسا في إطار احترام قيم الجمهورية".

وأضاف أن "فرنسا في حاجة، أكثر من أيّ وقت مضى، إلى علاقة سلمية مع المسلمين، وهذا يفترض أن تكون الجمهورية عاقدة العزم على ضمّ جميع أطفالها في أحضانها"، مقدّراً، علاوة على ذلك، أنه ينبغي على المسلمين، من جانبهم، الانخراط في الدفاع الكامل عن الجمهورية في مواجهة الإرهاب والتطرّف، "لأن الجمهورية هي أولى انتماءاتهم".


رفض لحظر البوركيني


وفي سياق متصل، أشار الوزير الفرنسي إلى أن المسلمين "أعربوا في معظمهم عن تمسّكهم بالجمهورية"، منتقداً، في معرض ردّه على سؤال حول الجدل المتفجّر مؤخراً في بلاده حول حظر لباس البحر للمحجّبات "البوركيني"، أو الحجاب، على بعض الشواطئ جنوبي فرنسا، فكرة سنّ قانون لحظر ارتداء هذه الملابس، كما تطالب بذلك أحزاب اليمين، وخصوصا الرئيس السابق نيكولا ساركوزي.

وتشهد فرنسا سجالاً سياسياً محتدماً وصلت أصداؤه إلى الخارج، بدأ مع حظر لباس البحر الإسلامي "البوركيني" على بعض الشواطئ الفرنسية هذا الصيف.

غير أن المسؤولين المسلمين يأملون أن تسمح هذه المشاورات التي تجري برعاية وزير الداخلية والعقيدة برنار كازنوف بتهدئة نبرة النقاش.

ورأى أنور كبيبيش رئيس المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، الهيئة التمثيلية الرئيسية لمسلمي فرنسا الأربعة ملايين تقريباً، أن "هذا الحدث الإيجابي سيضع حداً لقضية البوركيني".

وسجلت حوادث مؤخراً في فرنسا كشفت عن حدة التوتر المرتبط بالإسلام، ومنها رفض صاحب أحد مطاعم ضواحي باريس السبت الماضي تقديم طعام لامرأتين محجبتين.


انتهاك للحريات


وزير الداخلية الفرنسية وفي حديثه عن أوضاع المسلمين في بلده، قال إن فرنسا لا تحتاج إلى قانون جديد حول الحجاب، بما أن لديها ما يكفي منها، في إشارة إلى قانون 1905، والذي كرّس الفصل الجذري بين الدولة والدين، وقانون 2004 حول "حظر الرموز الدينية الظاهرة" في المنشآت المدرسية الحكومية، وقانون 2010 الذي منع ارتداء البرقع في الفضاءات العامة.

وأضاف أن "هذا الإطار القانوني المدافع عن العلمانية يعتبر الأقوى في العالم".
وفي ذات الصدد، تطرق كازنوف إلى قرار مجلس الدولة الفرنسي، الجمعة الماضي، رفع حظر البوركيني في إحدى المدن الجنوبية للبلاد، واصفاً قرار المنع بأنّه "انتهاك للحريات الفردية".

وأوضح الوزير الفرنسي، أن "قرار مجلس الدولة يستند إلى فقه القانون الذي يبيّن بوضوح الشروط التي تبيح إمكانية الحدّ من الحريات الأساسية، في حال وجود مخاطر مؤكّدة تمسّ بالأمن العام"، مشدّدا على أنه "يعود إلى كل واحد، في إطار المسؤولية، التهدئة، لأنها السبيل الوحيد لتفادي اضطراب الأمن العام، وتعزيز العيش المشترك".


مؤسسة لمسلمي فرنسا


وبعودته إلى مؤسسة الإسلام الجديدة في فرنسا، أكّد كازنوف تعيين وزير الداخلية السابق، جان بيير شوفنمان، رئيساً لمؤسسة الإسلام الجديدة في البلاد، تماما كما أراد الرئيس فرانسوا أولاند (بما أن الأخير هو من اقترحه للمنصب).

وستُعقد اليوم سلسلة اجتماعات مع مسؤولين ثقافيين وشخصيات من المجتمع المدني وبرلمانيين بهدف تشكيل "مؤسسة إسلام فرنسا" المزمع إنشاؤها.

ويجري العمل منذ أشهر على إنشاء هذه الهيئة وتم تسريع تأسيسها بعد اعتداء نيس الذي أوقع 86 قتيلاً، وذبح كاهن قرب روان على يد جهاديين في يوليو/ تموز 2016.

وهدف هذه الهيئة العلمانية والجمعية الثقافية التي ستتفرع عنها هو جمع أموال في فرنسا، بما أن الأموال الآتية من الخارج لا تعتبر على القدر المطلوب من الشفافية.

والتزاماً بضرورة فصل الدين عن الدولة، فإن "مؤسسة إسلام فرنسا" التي ستخلف في الخريف "مؤسسة أعمال الإسلام في فرنسا" التي لم تبصر النور في 2005 بسبب الانقسامات الداخلية، لن تعالج سوى قضايا محددة مثل تمويل أطروحات في الدراسات الإسلامية ومنح لتسهيل الحصول على الشهادات الجامعية للتعليم المدني التي تم إنشاؤها للأئمة ورجال الدين.


رئيس المؤسسة ليس مسلماً


وسيتولى رئاسة الهيئة جان بيار شوفنمان 77 عاماً لكن اختيار شخصية غير مسلمة أثار تساؤلات في صفوف المسلمين والطبقة السياسية.

ومتحدّثا عن شوفنمان، قال كازنوف: "إنه جمهوري عظيم (...) ويعرف العالم الإسلامي جيدا، وتشبّثه بالعلمانية أمراً لا جدال فيه"، في تبرير للانتقادات التي يواجهها تعيين وزير الداخلية السابق على رأس المؤسسة، من قبل بعض الساسة وجزء من الرأي العام المسلم، ممن يرون أنه ينبغي تسمية مسلم في المنصب.

وفي معرض توضيحه لمهام المؤسسة الجديدة، قال كازنوف في ختام حديثه، إنها لن تهدف إلى تمويل ممارسة الدين الإسلامي، وإنما لـ"دعم المشاريع في مجالات التعليم والثقافة ومشاركة الشباب"، لافتاً إلى أن "تمويلات عامة ستخصص لها عند انطلاقها، إلى جانب التمويل المتأتي من الشركات ومن الخواص".

من جانبه صرح شوفنمان لوكالة فرانس برس: "أعتقد أنه بصفتي وزيراً سابقا للداخلية لم يكن في وسعي رفض المساهمة في هذه الهيئة التي تخدم المصلحة العامة".

وسيضم مجلس إدارة المؤسسة الجديدة 11 شخصاً بينهم رئيس المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية وثلاثة ممثلين عن الدولة.

وسيكلف "مجلس توجيه" يضم 20 شخصاً البحث عن المشاريع الواجب تمويلها.

وكان شوفينمان مهَّد في 1999 لإنشاء المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية.


ضمان الشفافية


وستتمم جمعية ثقافية تكون الدولة غائبة عنها هذه الآلية المعقدة، وستتولى تمويل تعليم الفقه للكوادر المسلمين وتشييد المساجد.

وقال الوزير الفرنسي "نرغب في أن تمر عبرها أموال تضمن شفافيتها: ليست ضريبة بل مساهمة -طوعية يتم التفاوض بشأنها- من أفراد في شبكة الحلال وهبات الحجاج".

وترى وزارة الداخلية في إعادة تحريك المؤسسة "مرحلة جديدة" في عملية تم خلالها الدعوة في يونيو/حزيران 2015 ثم مارس/آذار 2016 لـ"هيئة حوار" موسعة من شأنها التعويض عن أوجه القصور في المجلس الفرنسي للديانة الاسلامية.

وقال كازنوف: "الهدف هو إبراز الديانة الإسلامية في فرنسا بصورة طوعية في إطار احترام مبادئ العلمانية والحوار والاحترام المتبادل الذي يقوم على قيم الجمهورية".

ورأى أنور كبيبيش أن "منح المؤسسات الإسلامية الوسائل المالية سيساهم في ترسيخ دورها في الوقاية من الفكر المتطرف خصوصاً من خلال إعداد الائمة".

وأضاف أن "الجميع يتخذ موقفاً بنَّاءً لإنشاء هذه المؤسسة لتكون فعالة هذه المرة".