كرة القدم صوت المظلومين: لماذا رفع مشجِّعو نادي سلتيك الإسكتلندي علم فلسطين؟

تم النشر: تم التحديث:
SOCIAL MEDIA
social media

يكره السياسيون مشجعي كرة القدم أكثر من زعماء الجريمة، يقلقهم تجمع حشود الفقراء وحبهم المتفاني لناديهم، فهذه اللعبة كانت متنفساً للمظلومين للتعبير عن هويتهم.

وهكذا رفعت جماهير نادي سلتيك الإسكتلندي علم فلسطين كانت تعلم ذلك وتستعيد تقاليد النادي الذي خاض عام 1888 أي بعد عام من تأسيسه مباراة لدعم المهاجرين الأيرلنديين المنبوذين في إسكتلندا

دافيد ماكينا نائب رئيس تحرير صحيفة The Herald البريطانية سابقاً والمحرر التنفيذي الحالي لصحيفة The Daily Mail بإسكتلندا كتب مقالاً في الغارديان البريطانية عن دفاع كرة القدم عن المقهورين والمظلومين والذي كان آخر مظاهره رفع جماهير نادي سلتيك الإسكتلندي علم فلسطين ثم ردهم على عقاب الاتحاد الأوروبي لهم بجمع تبرعات لفلسطين تعادل الغرامة المفروضة على ناديهم.

إليك نص المقال

تختلف حياة مشجع كرة القدم البريطاني العتيد عن بقية الناس؛ فمنذ نعومة أظفاره حينما يدخِله أبوه أو أمه عالم الكرة المستديرة وطقوسها المقدسة، ينشأ محاطاً بنظرات الشك والخوف والحذر التي تحدجه بها الحكومة وترمقه بها السلطات المدنية بل وحتى التي ينظر بها إليه مُلّاك النوادي وأصحاب اللعبة أيضاً.

جميع تلك الجهات استفادت على مر العقود منذ خُطت أول مرة قواعد رابطة كرة القدم في البلاد؛ فهناك مكانة واعتبار وطني لهذه الجهات والمؤسسات، كذلك تتمتع بتنقل مجاني خارج البلاد مع إقامة مرفهة، ناهيك عن المجد الذي تكتسبه كل حين وآخر حينما يتحقق نجاح أو إنجاز باهر تلتمع له جباه هذه المؤسسات ويزداد بريقها.
أما الخسارة فلا تأثير لها عليها ولا تصحبها أيٌ من أعراض الكساد أو الخذلان أو الخيبة، لأن تخصص تلك المؤسسات ينحصر في عالم المال وجمع الأمجاد فقط.

ينتعش عالم كرة القدم ويعيش على المباريات الكبرى التي تحشد لها المقدرات العالمية وتقتنصُ لها الفرص للتسويق، أما في الوقت الفاصل بين هذه المباراة "الحدث" وتلك فتنشغل هذه الجهات الرسمية الـ3 بأمرين لا ثالث لهما: إما إيساع مشجعي الكرة ضرباً مبرحاً، وإما التفكر بطرق جديدة لضربهم. ففي عالم ودنيا خيالهم لا يمكن نجاحات كرة القدم و"برستيجها" مع حفنة مشجعين ينتمون إلى طبقة حثالة كهؤلاء.

لماذا العجب؟ فطوال تاريخ الدولة وحياة مؤسساتها ودوائرها لم يسبق أن شعرت بالارتياح لتجمع رجال الطبقة العاملة الكادحة في جمعٍ واحد غفير ولأي هدفٍ كانَ تجمّعُهم. أضف إلى الجمع قدراً من الكحول وزد عليها رشة من الشطة السياسية، تحصل على مزيج حار المذاق لا يستسيغه حُكام البلد.

لطالما كانت المباريات والمغامرات العسكرية وأخبار خِلفة العائلة المالكة الوسائل المفضلة لإلهاء الشعب وشغل أجساد هؤلاء العاملين "الرعاع" بشيء ما بينما يُنهبون ويُسرقون ويُستغلون. كل الضجة والطبول والزمامير والأقاويل والتشويق في صناعة كرة القدم هذرٌ فارغ، لكن أمام رِكاب المشجعين وأعدادهم الغفيرة، لا بد من إبقائهم تحت المراقبة.

في أعين مؤسسات إسكتلندا الإدارية الواقعة في منطقة هوليرود بالعاصمة إدنبرة، فإن مشجعي كرة القدم يشغلون مكانة هي فوق مروجي المخدرات بقليل وتحت أرباب عالم الجريمة بقليل؛ يعني لك أن تعقد صفقات مع أسياد الجريمة المنظمة وتتعامل معهم بالعقل والمنطق والذوق.
أما مشجعو كرة القدم فلا؛ لأنهم حشود غوغائية لا سبيل للسيطرة عليها أو التكهن بتحركاتها، هي أشبه ببحر متلاطم تلعب فيه تيارات غريبة خفية وعواطف دفينة لا يقدر رجال السياسة على فك شيفرتها.

فحتى بعد عقود ودهور من تغريمهم ورفع أثمان باهظة عليهم بل وحتى الحكم عليهم بالأشغال الشاقة فيما يشاهدون مباراتهم، يظل عشاق كرة القدم هؤلاء مخلصين لناديهم حتى النخاع.

من أجل هذا تنتشر سرايا وكتائب جيوش من رجال الشرطة في كل مكان للجم الحشود وتطويقها واقتياد الحشود من وإلى المباريات مكتفين من الوراء، ولهذا السبب تم وضع "قانون إساءة السلوك في كرة القدم" الفريد من نوعه في عالم القانون والذي بموجبه يتحول التعبير عن عاطفة بريئة في مبارة ركبي بأدنبرة إلى جنحة وجريمة نظراً لأنها تمت على مقربة من مباراة كرة قدم في مدينة غلاسغو!

وهكذا رحب الجميع بالتطور الذي صار عندما بدأت مجموعة من معجبي نادي سلتيك بجمع المال من الحشود دعماً لمنظمتي إغاثة محترمتين في فلسطين؛ ولما جاء إعلان أن النادي سيلعب ضد نادي هابوئيل بير شبعا الإسرائيلي في دوري الأبطال أراد بعض المشجعين استخدام فرصة المباراة لمظاهرة سلمية صغيرة ضد الممارسات الإسرائيلية ضد فلسطينيي الضفة الغربية.

رفع 100 من معجبي النادي الأعلام الفلسطينية من بين جمهور قوامه 60 ألفاً لإظهار التضامن مع فلسطين، فقد كانوا يعرفون أن المباراة منقولة على الهواء إلى جميع بلدان العالم، لذا أرادوا أن يوصلوا رسالة إلى الشعب المظلوم مفادها أنه في زاوية ما من مدينة تدعى غلاسغو لديكم من يذكركم ولم ينسكم. لم ينتقص أبداً من احترام اللاعبين الإسرائيليين طوال المباراة، فمثلاً وقف الجمهور مصفقاً تحية للاعب وسط سلتيك واللاعب الإسرائيلي الدولي نير بيتون عندما غادر الملعب.

لكن "اليويفا" أي اتحاد كرة القدم الأوروبي المشرف على دوري الأبطال اعتبر أن العلم الفلسطيني "راية غير شرعية" عندما ترفع في ملعب كرة قدم، وبدأ الاتحاد إجراءات تأديبية لسلتيك. قد ينتهي الأمر بغرامة قدرها رقم مؤلف من 6 خانات مثلما حدث من قبل مع جماهير سلتيك حينما نحت منحى سياسياً غير مبرر.

ما كان من جمهور النادي إلا أن أطلق حملة #matchthefineforpalestine (اجمعوا تبرعات لفلسطين تضاهي قدر الغرامة) لصالح 2 من المنظمات الخيرية في الضفة الغربية، أما أسباب الحملة ودوافعها فمكتوبة بكل وضوح وبلاغة على صفحة موقع GoFundMe لحشد الأموال للقضايا؛ حيث عبروا عن هدفهم وهو الوصول إلى مبلغ 75 ألف جنيه إستريني لمضاهاة غرامة اليويفا، ومن ثم يهدفون إلى توزيع المبلغ على المؤسستين الخيريتين اللتين وقع عليهما الاختيار. لكن حالياً وصل حد التبرعات إلى ما فوق 200 ألف جنيه إسترليني وستصل إلى نصف مليون جنيه إسترليني بحلول موعد جلسة استماع اليويفا المقررة في 22 سبتمبر/أيلول 2016.

أما اليويفا الذي ليس أروع منظمة في العالم فلا يريد لأجواء السياسة أن تلوث اللعبة الساحرة، لأن السياسة إن وجدت طريقاً إلى الملاعب فسيتطلب الأمر رقابة كأن كرة القدم تدير مافيا عالمية تستغل حب الناس العاديين لكرة القدم لتحقيق مآربها السياسية. لكن كرة القدم وحشودها مع ذلك متنفسٌ للشبان والشابات الغاضبين للتعبير عن تضامنهم.

خلال فترة النظام الفاشي الإسباني أيام الجنرال فرانكو كان رفع الراية الكاتالونية خطورة تنطوي على القتل أو السجن، لذلك كان المكان الوحيد الآمن كي يرفع الكاتالونيون علمهم هو ملعب برشلونة "نو كامب".

واليوم يمثل نادي برشلونة الهوية الكاتالونية وفخرها. بهذا أينما وجد الظلم والقمع في العالم تصبح كرة القدم عفوياً وسيلة للتعبير عن العزة بالانتماء والقضية الوطنية، أي أن كرة القدم لم تكن يوماً مجرد لعبة كرة.

وجماهير سلتيك تدري ذلك وتدركه جيداً، فناديهم تأسس عام 1887 وخاض مباراته الأولى عام 1888 لجمع التبرعات لإغاثة فقراء أيرلندا المتجمعين في الطرف الشرقي من غلاسغو، حيث واجه هؤلاء أول ما وصلوا إلى المدينة نفوراً وتفرقة ضدهم وضنك العيش. وهكذا مع كل مباراة يربحها نادي سلتيك كانت معاناة هؤلاء تخفُّ تدريجياً.

أما في إسكتلندا الآن فقد ولت تلك الأيام إلى غير رجعة، لكن في فلسطين هناك شعب مظلوم يعاني. ولربما بحركة تضامن ونخوة صغيرة سيشعرون أنهم ليسوا وحيدين.

-هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.