حزن، غضب وخوف.. هكذا تستجيب نيس الفرنسية لحظر البوركيني

تم النشر: تم التحديث:
Y
ي

بعد الثامنة صباحاً، كانت الشمس تصبّ أشعتها على شاطيء كاراس، بمدينة نيس الفرنسية، وكانت دليلة، المرأة الفرنسية المتقاعدة، تطأ المياه في زي البوركيني الوردي البنفسجي المزهّر، تقول: "إنني أقضي وقتا طويلًا في المياه كل صباح، لأخفف آلام التهاب المفاصل في يدي وقدمي. النزول تحت الماء يهدّئ الأوجاع، ويصنع فارقاً كبيراً في صحّتي."

لكن دليلة، منذ الأسبوع الماضي، تحاول الوصول إلى الشاطئ في وقتٍ مبكّر كثيراً - السادسة صباحاً إن استطاعت - قبل بدء دوريات شرطة البلدية، بحسب تقرير في صحيفة "الغارديان" البريطانية.

y

أصبحت نيس، الواقعة على ساحل الريفييرا الفرنسي، منذ الأسبوع الماضي المدينة الأخيرة من ضمن 30 مدينة ساحلية منعت ارتداء البوركيني، بزة السباحة التي تغطي الجسد كله، معتبرة إياها خطراً على النظام العام. ما زالت المدينة تترنح بعد الهجوم الإرهابي الذي وقع في يوليو/حزيران الماضي، والذي قُتل فيه 86 شخصاً عندما اندفعت شاحنة في وسط الحشود التي تشاهد الألعاب النارية في احتفالات يوم الباستيل.

اشتدّت حدة الجدل حول القوانين المانعة لارتداء البوركيني هذا الأسبوع، بعد تداول صور لامرأة ترتدي الحجاب تنزع القطعة العليا طويلة الأكمام عنها، يحيط بها أفراد الشرطة المسلحون. احتجت امرأة في كان على إيقافها من قبل رجال الشرطة لأنها ترتدي حجاباً ولباساً فضفاضاً وتقف على الشاطئ.

يوم الجمعة، قضت المحكمة الإدارية العليا في فرنسا بتعليق قرار حظر البوركيني في بلدة كوت دازور ببلدية فيلنوف لوبيه، في سابقة لم تحدث في أي منطقة شاطئية أخرى، لا سيما كوت دازور التي أصدر المسؤولون المحليون فيها قرارات مثيرة للجدل بشأن البوركيني. أمام هؤلاء خياران الآن، إما سحب قراراتهم بشأن البوركيني، أو الإبقاء عليها ومواجهة التحركات القانونية من قبل جماعات حقوق الإنسان.


انقسام فرنسي


y

وقد سبّب النزاع انقسامات سياسية في فرنسا، إذ دعم رئيس الوزراء الاشتراكي مانويل فالس قرارات الحظر، بينما قالت نجاة فالو بلقسام، وزيرة التعليم، إن القرارات تطلق العنان للخطاب العنصري.

وبينما سبحت دليلة في البحر الأزرق الصافي، بقيت قريبة من الصخور، تتحدّث إلى أخيها وصديقها الإيطالي اللذين يسبحان على مقربة منها. قليلٌ من الأزواج الذين يضعون شمسياتهم على الشاطئ، لم يُلاحظ أيُّ شيء غريب. صيادون هواة يرمون خيوط الصنارة، والجالسون في الشمس غيّروا ملابسهم، وعشرات قوارب الجت سكي تنتظر سيّاح اليوم. لم ينظر أحد. وما إن أنهت سباحتها حتى وضعت حجابها المعتاد سريعاً، وزياً طويلاً يخفي بزة البوركيني، وسارت مسيرة خمس دقائق إلى منزلها.

وقالت دليلة إن قرار المحكمة بتعليق الحظر يجب أن يُرى على أنه انتصار للمنطق السليم. تقول: "الحظر والنزاع حول البوركيني يجعلانني أشعر بالحزن الشديد ويبدو الأمر ظالماً. إننا ندفع الضرائب مثل أي شخص آخر، وأنا فقط أريد اجراء بعض التمارين من أجل صحتي على شاطئ عام."

ابتاعت دليلة البوركيني قبل فترة من متجر في نيس. هذا الأسبوع ذهبت إلى متجر للأدوات الرياضية يبيع بدلات غوص لتعرف إن كان بإمكانها شراء واحدة كبديل للبوركيني. تقول:

"بدلات الغوص ليست محظورة وأردت شراء واحدة. ظننت أن هذا قد يكون الحل، لكنني لم أجد واحدة على مقاسي. أكثر شيء محزن هو أنه حتى الأمهات اللاتي يرتدين الحجاب بقين بعيدات عن الشواطئ بسبب هذا. يمكثن في منازلهن، وهو ما يُتعس الأطفال لأنه بقيت أيامٌ قليلة من العطلة المدرسية يُمكن لهم فيها الاستمتاع بالشاطئ. الآن العديد من النساء يشعرن بأنهن لا يمكن لأقدامهن أن تطأ الشاطئ إن كن يرتدين الحجاب والأكمام الطويلة."

أخوها محمد، الذي يعمل في مطعم، كان قد أتى ليسبح معها. قال مستهجناً: "إن كل هذا متعلّقاً بالانتخابات الفرنسية المقبلة. ألاعيب سياسية لا أكثر. الأحرى بنا أن نركّز على أن نعيش جميعاً متناغمين سوياً، على تنوّعنا."

y

باولا برامبيلا، مدرّسة حضانة عمرها 53 عاماً من ميلان، ويمتلك والدها منزل عطلة في نيس وتلتقي دليلة على الشاطئ كثيراً، تقول: "ليس من الصائب أن تستبعد الناس. لقد دعوتهم العام المقبل إلى إيطاليا، حيثُ يمكن للجميع السباحة بأي زي يريدونه."

الهجوم الإرهابي في نيس أثّر على جميع أطياف سكان المدينة. من ضمن القتلى كانت نساء محليات محجبات، وأطفال مسلمون.

ميشيل لو بيفير، معلّم القيادة المتقاعد ذو الثلاثة والسبعين عاماً، كان يجري تمارين رياضية مباشرة بعد رحيل دليلة. يعيش ميشيل في شقة قريبة، ويأتي إلى الشاطئ يوميًا من الربيع إلى الخريف. يقول: "إنني هنا كل يوم، لكنني لم أر أحداً أبداً في بوركيني رؤية العين. فقط في الصحف."

يقول إنه قلق من أن إثارة السياسيين ضجة حول "مشكلة هامشية" يمكن أن يكون لها نتائج عكسية، وتتسبب في إقصاء الناس.


دعم للحظر


جيان بيشيه، متقاعدة محلية ترتدي بزة سباحة بحمالات، لم تر أحداً يرتدي البوركيني هي الأخرى، لكنها دعمت الحظر بقوة. قالت: "إنني أتفق تماماً مع قرارات حظر البوركيني. لا يمكنك النزول إلى الماء مرتدياً ملابسك، إن هذا قذر وغير نظيف. هذه فرنسا وليست السعودية - لابد أن يلتزم الناس بما نفعله هنا. هناك الكثير من التوتر في نيس منذ الهجمة الإرهابية؛ هذا التوتر لابد من تهدئته. الناس غاضبون وحزينون. إنهم يبكون ويشتعلون غضباً في الوقت ذاته."

لكنها لا تعتقد أن السياسيين يمتلكون الحلول، ومن ضمنهم نيكولا ساركوزي، الذي يسعى إلى نيل ترشيح حزبه ليخوض الانتخابات الرئاسية مجدداً في 2017. نعت ساركوزي البوركيني بأنه "استفزاز"، وحرض على منعه في جميع أنحاء البلاد. قالت بيشيه: "لا، ليس هو مجدداً. إنه لم يفعل شيئاً عندما كان في السلطة، فما الذي سيفعله الآن؟"

ثريا، 25 عاماً، مديرة في مكتب محلي، كانت تنتظر في محطة حافلات بحجاب وردي فاتح. عندها ابنة تأخذها في المعتاد لتلعب على الشاطئ كل مساء في السادسة. ورغم أنها لا تسبح أبداً، فقد خافت حتى الجلوس على الشاطئ منذ قرار الحظر، خشية أن يوقفها أحدهم ويغرمها لارتدائها الحجاب والملابس الفضفاضة الطويلة. تقول: "إنني مصدومة بفعل هذا الحظر، فرنسا هي بلاد الحرية والمساواة. وهذا الحظر يتعارض مع هذا، وهذا يبدو أمراً غير إنساني."

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية.