ألمانيا، أميركا، روسيا، إسرائيل.. ماهي عاداتهم السيّئة كما يراها ستيفن والت؟

تم النشر: تم التحديث:
YY
AP

روسيا تُسمم أعداءها، ألمانيا مهووسة بالمسؤولية المالية، وأميركا مدمنة على نشر الديمقراطية. ما يلي قائمة بالسياسات الحكومة التي يجب أن تتخلص منها، هكذا يستعرض البرفسور بجامعة هارفرد الأميركية ستيفن والت، في مقال له بمجلة "فون بولسي" الأميركية.

والت اعتبر أن دولاً مثل أميركا وألمانيا وروسيا وإسرائيل لكل منها عادات سيئة لكنها تصر عليها رغم فشلها أحياناً، معتبرين أن هذه سياساتهم ولن يتخلوا عنها.

الأكاديمي الأميركي يرى أن نشر الديمقراطية الأميركية عادة سيئة أثبتت فشلها في بعض البلدان رغم ذلك تصرّ واشنطن على انتهاجها.


وإلى نص المقال


روسيا تُسمم أعداءها، ألمانيا مهووسة بالمسؤولية المالية، وأميركا مدمنة على نشر الديمقراطية. ما يلي قائمة بالسياسات الحكومية التي يجب أن تتخلص منها.

نشرت صحيفة نيويورك تايمز مؤخراً مقالاً مُثيراً للاهتمام تُلمح فيه بأن الحكومة الروسية تقتل المعارضين، والمنتقدين، والمنفيين، والمسؤولين السابقين، وغيرهم من الاعداء المزعومين، وغالباً عن طريق تسميمهم. تشمل الحالات البارزة ألكسندر ليتفينينكو، الذي مات مسموماً بمادة البولونيوم في لندن عام 2006، وألكسندر بيربيليتشني، الذي توفي أثناء الركض عام 2012 ولكن اتضح فيما بعد أن جسده يحتوي على مستخلصات من نبات سام نادر.

ما أدهشني بخصوص هذه المقالة المقلقة كان استمرار هذه السياسة على مدى عدة عقود. وكما توضح مقالة منشورة في مجلة تايمز فيبدو أن منهج القتل السياسي - وعلى وجه الخصوص باستخدام السم - قد تغلغل في بعض الأجهزة الرئيسية للدولة السوفيتية / الروسية، ويعود هذا الأمر إلى أيام المفوضية الشعبية للشؤون الداخلية الروية (NKVD) بل وربما يرجع حتى إلى أيام القياصرة. فعلى سبيل المثال لم يعد ليون تروتسكي يُمثل أي تهديد بالنسبة لجوزيف ستالين في عام 1940، ولكن على الرغم من ذلك فقد قتله ستالين في منفاه في المكسيك. التعامل مع المنشقين وأي معارض بهذه الطريقة أصبح طريقة العمل القياسية المُتبعة، مع بيروقراطية متأصلة قررت الإبقاء على هذه القدرات كجزء من الأساليب المتبعة في موسكو، حتى عندما يكون الأشخاص المستهدفون قليلي التأثير جداً على روسيا، وقتلهم سيزيد من الضرر الواقع على موقف روسيا الدولي أكثر من تركهم وشأنهم.

باختصار، أصبح هذا السلوك عادة سيئة يجب على موسكو التخلص منها.

لكن روسيا ليست فريدة في هذا الصدد. في الواقع، فإن معظم (جميع؟) الدول لديها بعض "العادات السيئة" - ممارسات راسخة ولكن موضع شك تظل موجودة في مكانها حتى عندما لم يعد هناك مبرر واضح لوجودها (هذا إن كان هناك مبرر في أي وقت من الأساس). كما تعلمنا من أدبيات السياسة البيروقراطية المتجذرة، غالباً ما يستمر هذا السلوك لأن جزءاً من الحكومة ملتزم به ويريد الحفاظ على عمله. فقط حاول أن تخبر القوات الجوية أن الطائرات التي يقودها بشر في طريقها للزوال. لأن التخلص من الوكالات الراسخة أمرٌ صعب (ويكون أصعب إذا ما كانت سرية)، يمكن أن تستمر العادات طويلاً بعد أن تتوقف عن كونها مفيدة. كما يمكن أن تستمر لأنها تعكس قيماً راسخة على نطاق واسع، أو لأن جماعات مصالح مُنظمة جيداً خلال المجتمع تعمل نوبات زائدة للدفاع عنها، حتى إذا كانت العادات نفسها مُضرة.

انظر إلى الولايات المتحدة على سبيل المثال. لا يستطيع المسؤولون الأميركيون كف أنفسهم عن محاولة نشر الديمقراطية طوعاً أو كرهاً، بغض النظر عن عدد المرات التي أتي فيها الأمر بنتائج عكسية نتيجة مثل هذه المحاولات. يعود هذا الأمر جزئياً لأن الديمقراطية والحرية... إلخ، متجذرة في الثقافة السياسية الأميركية، مما يجعل من الصعب على النقاد القول بأن المجتمعات الأخرى قد تصبح أكثر سوءاً إذا صاروا فجأة ديمقراطيين. استمرت هذه السياسة أيضاً لأن العديد من الوكالات المختلفة سواء أكانت حكومية أو غير حكومية، أو هجينة (مثل الموقف الوطني للديمقراطية) ملتزمون بهذا المشروع. بالطبع تشجيع الديمقراطية ليس دائماً فكرة سيئة، ولكن الولايات المتحدة تستمر في فعل هذ الأمر حتى عندما يكون من المُحتمل أن تكون العواقب وخيمة. هذه عادة سيئة ويبدو أننا لا نستطيع التخلص منها.

وبالمثل، استمرت حكومة الولايات المتحدة في الاعتقاد أنها يمكنها حل المشاكل السياسية المعقدة من خلال القوة الجوية، وخصوصاً من خلال "الاغتيالات المُستهدفة" في بلاد بعيدة. هذه الأدوات قد تكون مفيدة في سياقات معينة (على سبيل المثال، يبدو أنها ساعدت على تدهور جماعة الدولة الإسلامية في ليبيا)، ولكن استخدام القوة الجوية في محاولة للانتصار في حملات مكافحة التمرد المعقدة فشلت في أفغانستان واليمن والعراق وأماكن أخرى. ولكن لأن كلاً من البنتاغون ووكالة الاستخبارات المركزية (CIA) ملتزمون بهذه الأدوات، ولأنها تمنح الرؤساء وسيلة رخيصة "للقيام بشيءٍ ما" دون أن يُرسل العديد من الجنود إلى الجبهات، أصبحت هذه الاستجابة الانعكاسية للمشاكل الفوضوية في أماكن بعيدة عادة سيئة أخرى.

وأخيراً، "علاقاتنا الخاصة" مع بعض دول الشرق الأوسط - على سبيل المثال: السعودية وإسرائيل ومصر - تُمثل حالة كلاسيكية لعادة سيئة لا يمكننا التخلص منها تماماً. ربما كان لكل هذه العلاقات مبرر منطقي سليم في الماضي - على الرغم من أن كلاً منها كان ينبغي أن يكون مشروطاً أكثر بالسلوك الجيد لتابعينا- ولكن المبررات الاستراتيجية والأخلاقية خلف كل علاقة ظلت تضعف مع مرور الوقت. ومع ذلك، فلا تزال "العلاقات الخاصة" قائمة. بل وفي بعض الحالات تتوسع، حتى مع تراكم الآثار السلبية.

بالمناسبة، فهذا ميزة كونك قوة عظمى غنية وقوية للغاية:

ربما يمكن لقوة عالمية عظمى أن تحظى ببعض العادات السيئة. ولكن القدرة على امتلاك المرء للرذائل لا يجعلها فضائل.

الدول الأخرى لديها الكثير من العادات السيئة الخاصة بها. اعتمدت إسرائيل سياسة صارمة للانتقام من الفدائيين الفلسطينيين العاملين في المناطق الحدودية غير المحددة الموجودة بعد هدنة عام 1948. وتضمنت هذه السياسة مهاجمة القوات الأردنية، والمصرية، والسورية - وهذا جزئياً لإعطاء هذه الحكومات حافزاً للقضاء على الفدائيين-. وربما يكون نجح الأمر في خمسينيات القرن الماضي. كما وضح جوناثان شيمشوني في كتابه (إسرائيل والردع التقليدي) فد نجحت هذه السياسة بشكل جيد مع الأردن. لسوء الحظ، ساهمت أيضاً في دوامة تكثيف العداء مع مصر، وبالتالي لعبت دوراً في التسبب في كل من حربي 1956 و1967.

اليوم، بطبيعة الحال، فإن سياسة الانتقام تتضمن استخدام قوات الدفاع الإسرائيلية القوية ضد مجموعات أضعف بكثير من الفصائل الفلسطينية، والذي يتسبب حتماً في سقوط ضحايا من المدنيين. الأضرار التي لحقت بصورة إسرائيل الدولية يفوق كل ما يمكن أن تكتسبه من فوائد استراتيجية، ولكن هذه عادة تبدو أن تل أبيب لا تستطيع التخلص منها. وفي الوقت نفسه، ظل الفلسطينيون غارقين في مجموعتهم الخاصة بهم من العادات السيئة - من الخصومات الداخلية، والفساد، وأشكال معينة من المقاومة تأتي بنتائج عكسية - وهى الممارسات التي عطلت تطلعاتهم الوطنية الخاصة لعقود من الزمن.

وماذا عن ألمانيا؟ بالنظر لتجاربها الكارثية مع التضخم الشديد عام 1923، فإنه ليس من المستغرب أن الألمان بعد الحرب العالمية الثانية كانوا شديدي الحساسية بخصوص عملة مستقرة ومهووسين بالمسؤولية المالية. وكما يلاحظ كريستوفر أليسي "تأسس البنك المركزي الألماني في عام 1957 كأول بنك مركزي مستقل تماماً في العالم مع مهمة بسيطة ولكن شاملة، وهي: الحفاظ على سعر المارك الألماني مستقراً عن طريق الحد من التضخم".

استمر هذا المنظور يُهيمن على نهج ألمانيا في السياسة الاقتصادية، ولهذا السبب أصرت برلين على سياسات التقشف القاسية بعد الأزمة المالية عام 2008، وهي السياسات التي أطالت الركود لفترات طويلة وفرضت المصاعب المفرطة على عدد من الدول الأوروبية. الأمر الصحيح في الخمسينيات ليس هو الصحيح بالضرورة في عام 2009، ولكن صناع القرار الألمان ركزوا فقط على العادات السيئة لليونانيين وغيرهم، وقللوا من دورهم في خلق الأزمة والتزامهم الصارم بشكل مفرط في السياسات المالية المتشددة.

هل من الممكن التخلص من العادات السيئة لأمة ما؟ بالطبع يمكن ذلك. كان لدى ألمانيا واليابان عادة سيئة للغاية بمحاولاتهما هزيمة جيرانهما، ولكن يبدو أن البلدين قد تخليا عن هذا الأمر بنجاح، وهذا أفضل للجميع. أعتادت الولايات المتحدة التسامح مع الاستعباد والعنصرية التي تلازمها، لكنها أمضت القرن الماضي أو أكثر من ذلك في محاولة لتخليص نفسها من هذا الإرث السام، وإن كان هذا الأمر غير كامل بعد. تجربة لي كوان يو رئيس وزراء سنغافورة الشهيرة في تحويل بلده من مدينة ساحلية معروفة بالفاسدة إلى نموذج من الاستقامة، على الرغم من الملامح غير الديمقراطية. وتخلى الرئيس المصري أنور السادات عن العادة السيئة لجمال عبد الناصر بمحاولة قيادة العالم العربي وركز فقط على محاولة تعزيز المصالح المصرية الخاصة.

ولكن كما نعلم جميعاً، فالتخلص من عادة سيئة ليس سهلاً. كما تشير الأمثلة الألمانية واليابانية، فأحياناً لا يأتي التغيير إلا بعد وقوع كارثة وطنية كبرى، مثل المدمن الذي وصل إلى القاع أخيراً. التخلص من العادات السيئة أيضاً يكون أقل احتمالاً عندما يتم إخفاء كل من الإجراءات والنتائج المترتبة عن الأنظار، سواء أكنا نتحدث عن اعتماد روسيا على التسميم أو محاولات وكالة الأمن القومي (NSA) النشطة بشكل مفرط إلى "جمع كل شيء". وعندما تتأصل العادات السيئة بقوة داخل المؤسسات السياسية القائمة - كما هو الحال في المجتمعات الفاسدة بشدة - فانتزاعها من جذورها قد يكون مستحيلاً تقريباً.

وكل هذه الأمور تذكرنا بأننا يجب أن نكون - نعم، كلمتي المُفضلة - واقعيين حول قدرة المجتمعات المعقدة على تغيير مواقفها بين ليلة وضحاها. هذه الحقيقة يمكن أن تكون مطمئنة في بعض الأحيان، لأنها تساعد على تحصين السياسات الناجحة من العزل على أيدي معارضيها الذين يريدون إزالتها عن طريق الخطأ. ولكنه يعني أيضاً أن السياسات التي عاشت أكثر من المدة المفيدة لها يمكن أن يكون من الصعب استئصالها مثل االنباتات المتجذرة في الأرض. لذا، ففي المرة القادمة التي تجد نفسك تعتقد أن الزعيم الكاريزمي الجديد سيُصلح كل شيء بمجرد حصوله على المنصب: فكّر مرة أُخرى.

هذا الموضوع مترجم عن مجلة Foreign policy الأميركية