وثيقة "علماء اليمن" الموقعة في السعودية.. هل توقف الخلافات بين علماء السُّنة؟

تم النشر: تم التحديث:
SHSL
SM

جدل أثير عقب توقيع 60 شخصاً من رجال الدين والسياسة اليمنيين، الاثنين 22 أغسطس/آب 2016، على ميثاق "العمل الدعوي بين علماء ودعاة اليمن"، في مقر وزارة الشؤون الإسلامية السعودية بالعاصمة الرياض.

وأُعدت الوثيقة من قبل ما يُعرف بـ"برنامج التواصل بين علماء اليمن"، الذي أنشأه رجال دين يمنيون بعد اندلاع الحرب في اليمن مطلع عام 2015.

يقول العلماء إن الميثاق مشروع يمني محض، واقتصر الدور السعودي على التهيئة والتنسيق، وفي المقابل يقول آخرون إن "الميثاق الدعوي"، مشروع سعودي أُعلن عنه مطلع عام 2014، وهو خاص بدعاة المذهب السني.

وتضمنت الوثيقة عديداً من المبادئ والأسس العقائدية في مذهب أهل السنة، وكان بعضها مثار تباين بين العلماء وقادة الأحزاب التي لها مرجعية دينية.


لماذا الوثيقة؟


هذه هي المرة الأولى التي يلتقي فيها رجال دين من مذاهب وتيارات متعددة، وهي الوثيقة الأولى التي أجمع عليها رجال دين من مدارس دينية مختلفة، حيث اجتمع علماء منتمين لأحزاب سياسية مختلفة.

وتأتي هذه الوثيقة - حسبما يقول معدّوها - لتنظيم الجهود وتحقيق التكامل بين التجمعات العلمية والفكرية والدعوية، ولتسليط الضوء على القواعد العامة والأسس المتفق عليها، كما أنه لا يلغي خصوصيات أي اجتهادات أو آراء لأي من العلماء.

ويقول عضو هيئة علماء اليمن نائب رئيس حزب السلم والتنمية، عبدالله الحميري، لـ"هافينغتون بوست عربي" إن الميثاق "يتحدث عن نفسه فقد وُضع ليعالج جملة من القضايا العقائدية والفكرية والسلوكية، ليقوم الاعوجاج الفكري والسلوكي كالإرهاب والعنف، والتعامل مع مسائل الخلاف". ويضيف أن الميثاق يوضح المنهجية الدعوية في التلقي والاستدلال والرد.

وأشار إلى "تبيين الأصول المشتركة بين الدعاة، وكيفية التعامل مع ما عداها من مسائل الفروع، كما يرسم العلماء بهذا الميثاق الطريق الصحيح لاجتماع الكلمة وتوحيد الصف أمام التحديات الكبرى، حتى يقتدي بهم الساسة والأحزاب والإعلاميون ومنظمات المجتمع المدني".

ولفت الحميري إلى أن الاجتماع ضرورة مجتمعية وإنسانية، وفريضة شرعية.


مواجهة المد الإيراني


لكن آخرين من ضمن الموقعين على الميثاق قالوا إن تلك الخطوة تقف ‏أمام المد الشيعي والصفوي للجمهورية الإسلامية الإيرانية، خصوصاً بعد الدعم الواضح والجلي من إيران لجماعة الحوثيين.

وتدعم الحكومة الإيرانية جماعة الحوثيين وانقلابها مع حليفها الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح، ضد حكومة الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي، أواخر عام 2014، وتتهم الحكومة الشرعية طهران بمد الحوثيين بالأسلحة.

وتحدّث الداعية الخضر بن حليس لـ"هافينغتون بوست عربي"، حول الميثاق، وقال إنه شرف علمي "صدر لتوحيد الجهود الفكرية لمواجهة المخطط الايراني في اليمن".

وأوضح: "بدلاً من انشغال العلماء في بعضهم البعض، تتجه جهود الجميع العلمية والدعوية في الحديث عن الرافضة ومخططاتهم وكشف أساليبهم وتحذير المجتمع منهم بمختلف الأنشطة".

لكن المادة 30 من الوثيقة المتعلقة ‏بمودة آل البيت أججت الاعتراض ما أدى لحذفها، ‏بينما اتهم آخرون رجال الدين ‏المشاركين في اللقاء بإذكاء الطائفية في اليمن.


المادة 30


والمادة 30 كانت تنص على"مودة آل بيت رسول الله - صلى الله وعليه وسلم - المتبعين لسنته، الموالين لأصحابه وأزواجه، دون تثريب عليهم بأعمال من يبغي على الأمة باسمهم، كما قال تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)، ولا نرى حصر الحكم فيهم".

إلا أن اعتراضات كبيرة قوبلت بها هذه المادة، واعتبر نشطاء أن المادة تُعزز من الدولة الدينية القائمة على النسب.

وذكر النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي أن جماعة الحوثيين التي يقودها الزعيم الديني عبدالملك الحوثي، أضرمت حرباً أهلية في اليمن، لأنه كما يرى أنه الأحق في الحكم، وإنه أهل لإمامة اليمن.

وأشاروا إلى أن جماعة الحوثيين جنّدت أبناء القبائل في جيوشها لغزو المدن اليمنية في وسط وجنوب اليمن، في محاكاة جديدة لحروب الأئمة الذين حكموا اليمن منذ مطلع القرن العاشر، كأئمة مختارين محصورة فيهم ولاية أمر المسلمين.


تعديل المادة


بعد أن أثارت الوثيقة لغطاً، واعتراضات كبيرة، ارتأت اللجنة التنسيقية للعلماء، بعد اجتماع موّسع حذف المادة، درءاً للباطل وتوحيد الصف، حسب اللجنة.

وظهرت الوثيقة الجديدة المكوّنة من 17 صفحة، بالمادة 29 والتي تنص على محبة جميع أصحاب النبي، وزوجاته، والدفاع عنهم.

أما المادة 30 من الوثيقة الجديدة فترفض التقارب مع الفكر الرافضي (الشيعي)، الذي يهدد الأمة، حسب المادة.

ويقول أحد العلماء الموقعين على الوثيقة لـ"هافينغتون بوست عربي"، إن المادة التي توصي بمحبة آل البيت، وُضعت مع ضبطها بشروط دقيقة، وهي مجرد موّدة فقط، ولكن عندما رأى العلماء ضرورة حذفها حُذفت بالاتفاق، وإنه "ليس هناك ما يدعو للإصرار ولكن هناك من ضخم الأمر ليبدوا أن هناك صراعاً".


إقحام الدين في السياسة


لم يكن الخلاف حول الوثيقة في مسألة حب آل بيت النبي وحدها، بل امتد إلى الاعتراض حول إقحام الدين في السياسة، وتوقيع السياسي محمد اليدومي، رئيس حزب الإصلاح اليمني، وهو أكبر الأحزاب في اليمن، بالإضافة لقادة بارزين من أعضاء الحزب، على الوثيقة.

كما وقّع أيضاً رئيس حزب الرشاد السلفي محمد العامري، وأعضاء من حزب السلم والتنمية السلفي وآخرين.

واعترض نشطاء على توقيع حزب الإصلاح على الوثيقة، ووصل الأمر إلى أن الحائزة على جائزة نوبل للسلام توكل كرمان والمنتمية لحزب الإصلاح، وصفت الموّقعين على الوثيقة بـ"الدراويش".

ورأى الناشط السياسي محمد المقبلي أن الوثيقة محاولة توجيه الصراع بين الإمامة (الحوثيين) والجمهورية (المقاومة) إلى صراع طائفي، معتبراً أن مشاركة حزب الإصلاح فيه "نكسة في المسار الديمقراطي".

وأضاف: "أعتقد أن الوثيقة ستجد رفضاً واسعاً من كوادر شباب ثورة فبراير بكل أطيافهم".

لكن المتحدث باسم حزب الإصلاح عبدالملك شمسان، قلل من هذه المخاوف، وقال: "مضامين هذه الوثيقة ليست جديدة، وهي تذكير ببعض الأسس الفكرية، وهي دعوة للتقارب والتلاحم على أساس هذه القواعد العامة".

وأوضح أن حزب الإصلاح معنيّ بتحقيق هذا الهدف، وكل ما يدعو إلى التقارب والاصطفاف في مواجهة مشاريع التمزيق والتفرقة هو في صميم ما يعمل من أجله الإصلاح ويدعو إليه.

وأضاف: "الإصلاح يمارس عمله السياسي ووظيفته السياسية والدعوية ولا يفصل بين الدين والسياسة، أو بين الدعوة والسياسة، وليس لديه قيادات دينية وغير دينية، وإنما لديه مؤسسات وقيادات منتخبة وفق اللوائح التنظيمية. والحديث بالتالي عن تعارض الوثيقة مع العمل السياسي حديث غير مفهوم".


نكوص فكري


يرى عدد من المفكرين والسياسيين في الوثيقة تراجعاً للحراك الفكري والديني، كما كشفت العوار في التراث الإسلامي والتربية والممارسة، وتفصح عن التراجع الذي لحق بعملية الفكر والتجديد في القرن الحادي والعشرين، حسب قولهم.

كما أن التوقيت في إصدار الوثيقة يوحي بأن الأمر سياسي، ولم يكن عن حاجة فكرية أو دينية، في الوقت الذي يتهم نشطاء السعودية بممارسة ضغوط على الحركة السياسية والدينية.

ومن بين المهاجمين للوثيقة وزير الدولة في الحكومة اليمنية هاني بن بريك، حيث وصف البعض من الدعاة والعلماء بالانتماء لجماعات إرهابية، حسب قوله.

وأضاف: "لمن يسأل عن نقدنا لهذا الميثاق الحزبي المغلف بالإسلام هو ميثاق لحماية الحزبية المتأسلمة على وجه الخصوص"، حسب تعبيره.