75 ألف طفل في حلب يصارعون من أجل البقاء أحياء.. المدارس والمستشفيات أهداف مفضلة للقصف الروسي

تم النشر: تم التحديث:
CHILDREN ALEPPO
Anadolu Agency via Getty Images

صُدِم العالم بوجه الطفل السوري عمران دنقيش ذي الأعوام الخمسة المغطَّى بالغبار والدماء والذي انتُشِل من الأنقاض التي خلَّفتها ضربةٌ جوية .

لقد أصبح عمران رمزاً للحرب الأهلية المستمرة في سوريا، ولكنه واحد فقط من بين ما يقدَّر بـ 75 ألف طفل يصارعون من أجل البقاء في حلب الشرقية، المدينة المنقسمة التي كانت عظيمة يوماً ما الواقعة في قلب الصراع بين نظام بشار الأسد والمتمردين الذين يحاولون إطاحته بحسب تقرير صحيفة "تايم" الأميركية.

صعَّب قطع طريق الكاستيلو، الطريق الوحيد الباقي المؤدي إلى الجزء الشرقي من المدينة الواقع تحت سيطرة المتمردين، في يونيو/حزيران 2016، على يد القوات الداعمة للحكومة بمساعدة المساندة الجوية الروسية، حياة السوريين الذين ما زالوا يعيشون هناك ويبلغ عددهم 300 ألف.

عجزت فرق المساعدات الإنسانية عن الوصول وتمكَّن بعضها ممَّن كانوا محاصرين هناك من المغادرة. نجحت قوات المعارضة في كسر الحصار في أوائل أغسطس/آب 2016، ولكن القتال ازداد حدةً منذ ذلك الحين. تحذِّر الأمم المتحدة ومجموعات المساعدات الإنسانية من كارثة إنسانية.

ليس هناك مَن هم معرَّضون للخطر في تلك الكارثة أكثر من أطفال حلب الشرقية سوى القليلين، فهُم ممنوعون من الذهاب إلى المدرسة أو حتى المستشفى، إذ يُعد كلاهما خطراً للغاية، ويعيشون في ظل خوف مستمر من الهجوم. فما يفعلونه الآن هو البقاء، لا الحياة.

تحدثت مجلة تايم إلى عاملين بالإغاثة على دراية بحلب من أجل معرفة كيف يحيا الآلاف حياتهم اليومية في الجزء الشرقي من المدينة الذي مزقته الحرب:


الغذاء والمياه


هناك نقص في الغذاء. وبسبب عدم وجود أسواق أو محال لشراء المؤونة منها، يحاول العديد من السوريين زرع مواردهم الغذائية الخاصة في حدائق صغيرة بمطابخهم. ومع ذلك، وصلت معدلات المجاعة إلى مرحلة جعلت الناس يطهون أوراق الأشجار.

وفقاً لمنظمة هيومن رايتس ووتش، فقد ارتفعت أسعار الأطعمة الأساسية ارتفاعاً حاداً منذ بدء الحصار. تبلغ تكلفة كيلو الأرز الآن 14 دولاراً أميركياً، وكيلو السكر 20 دولاراً، وزيت الزيتون 44 دولاراً.

ووضع المياه أسوأ كثيراً. وفقاً لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، لم تصل المياه الجارية إلى ما يقرب من مليوني شخص في المدينة منذ 31 من يوليو/تموز 2016، عندما قطع القصف الكهرباء عن محطات ضخ المياه.

يعتمد المدنيون في حلب الشرقية -ثلثهم من الأطفال- على مياه سيئة الجودة من آبار قد تكون ملوثة بالغائط وغير آمنة للشرب. ومع عدم وجود وقود لغلي المياه، يمرض الكثيرون، وخاصةً الأطفال، ذوي الجهاز المناعي الأضعف.

قال الدكتور عبد الكريم إكزايز، المنسق الصحي بهيئة إنقاذ الطفولة الدولية (Save the Children) لفريق تايم، إنَّ فريقه قد شهد حالات متزايدة من الأمراض المنقولة عن طريق المياه والمرتبطة بالأطفال، ووصف غياب الصرف الصحي في حلب بـ «أكبر خطر صحي» يواجهونه.

وقال: «لا يمكن أن يضمن أحد جودة هذه المياه وهي سرعان ما تتلوث. الأطفال بصورةٍ خاصة أكثر عرضة للأمراض المنقولة عن طريق المياه، ولأنَّه لم تكن هناك تطعيمات في سوريا لأكثر من أربعة أو خمسة أعوام؛ بسبب عدم القدرة على الوصول إليها، فالأطفال الصغار أكثر عرضة للمرض».


الرعاية الطبية


إحدى أكبر خسائر حلب هي مستشفياتها، فمن بين ثمانية مستشفيات في حلب الشرقية، دمَّر القصف ستة في الأربعة أعوام ونصف الأخيرة. وقد اتُّهم نظام الأسد وحلفاؤه باستهداف المرافق الطبية.

لم يبقَ اليوم سوى 35 طبيباً لعلاج الـ 300 ألف شخص الباقيين في المدينة. يقول بابلو ماركو بلانكو، مدير العمليات في الشرق الأوسط بمنظمة أطباء بلا حدود: «يُعد كون المرء طبيباً في حلب أحد أخطر المهن التي يمكن تصورها اليوم".

".. قُتِل الكثيرون جراء التفجيرات، وقد فرَّ آخرون، والقليلون الذين بقوا يخاطرون بحياتهم كي يواصلوا تقديم الخدمة للسكان، ولكنهم يعلمون أن المخاطرة كبيرة جداً».

نتيجةً لذلك، لا يذهب المدنيون المصابون -بمن فيهم الأطفال- أحياناً إلى المستشفى كي يتلقوا العلاج. فيقول بابلو: «يقول الأطباء إنَّه عندما يصاب شخص ما، يحتاج إلى اتخاذ قرار إما بالمخاطرة بالذهاب إلى المستشفى، أو بانتظار زوال الألم في المنزل».

المستشفيات هي مرافق صغيرة، مقرها الأقبية أو الشقق. تحتوي عادةً على 40 سريراً حداً أقصى، وبضعة أطباء وفريق طبي، ولكن في بعض الأيام، بعد وقوع قصف، يتدفق لديهم جرحى يبلغ عددهم المئة.

قال السيد بلانكو: «يخبرنا الأطباء عن القرارات البشعة التي يضطرون إلى اتخاذها، إذ يكون لديهم الكثير من المرضى، فلا يستطيعون مساعدتهم جميعاً، فعليهم أن يختاروا مَن ينقذون ومَن يتركون للموت».

تقول هيئة إنقاذ الطفولة إنَّ عربات الإسعاف الثمانية التابعة لها جميعاً تقريباً لا تحتوي الآن على أبواب ولا نوافذ، وفي حالة تلف ناتج عن القيادة في الطرقات المليئة بالحفر التي خلَّفها القصف.

خلال الأسبوع الماضي، أصيبت عربتان بضربة مباشرة من الضربات الجوية. ما زالتا تعملان، ولكن كل ما يمكنهما فعله هو نقل الضحايا إلى المستشفى، لا معالجتهم في الطريق.


المأوى


هناك نقص في مواد البناء تماماً مثل الأغذية والمياه النظيفة والمعدات الطبية، لذا فعندما يتلف مبنى أو يُدمَّر، يظل كذلك. يميل السوريون إلى الانتقال من منطقة إلى أخرى لتجنب القصف، وغالباً ما توجد خمس أو ست أسر تحت سقف واحد.

ليس هناك دعم رسمي للأطفال الذين يفقدون آباءهم بفعل الضربات الجوية، ويحتاج وصول العاملين بالإغاثة إليهم كفاحاً، لذا يعتمد الكثيرون على أفراد المجتمع في إيوائهم.

قال الدكتور إكزاير لمجلة تايم، إنَّه من الشائع وجود منزل به أب واحد أو أم واحدة مع العديد من الأطفال من أسر مختلفة يعيشون هناك لأنهم فقدوا رُعاتهم.


التعليم


تقول هيئة إنقاذ الطفولة إنَّ 16 مدرسة من أصل الـ46 مدرسة التي يتحملون تكاليفها قد تعرَّضت بصورةٍ مباشرة أو غير مباشرة للضربات الجوية شهر يوليو/تموز 2016 الآباء الآن مرعوبون للغاية من إرسال أبنائهم إلى المدرسة، ويفضلون بقاءهم في المنزل أو حتى في مأوى تحت الأرض لضمان حمايتهم إذا بدأ القصف.

قال دكتور إكزايز: «اعتدتُ أن أرى الكثير من الأطفال يسيرون ويجرون في شوارع حلب، ولكنهم الآن يبقون داخل المنزل». وأوضح أنَّه حتى عندما يذهب الأطفال إلى المدرسة، فالضوضاء المستمرة وخطر الضربات الجوية يجعلان من الصعب عليهم التركيز بأي حال.

قال خالد خطيب، المصور في حلب التابع للخوذ البيضاء، مجموعة الإغاثة والمساعدات الإنسانية السورية القائمة على التطوع فقط، لمجلة تايم إنَّ الكثير من الأطفال يهملون تعليمهم من أجل «الحصول على الطعام».

وقال: «هناك الكثير من الأطفال الذين يفقدون آباءهم ويحتاجون إلى العمل من أجل الحصول على الطعام. فيعملون في الخياطة وبيع الأشياء وحملها. لا يستطيع الأطفال في سوريا العيش مثل الأطفال في البلاد الأخرى».

أوضح السيد خطيب أنَّ اليوم العادي في حياة طفلٍ في حلب يتمثل في «مشاهدة التلفاز بضع دقائق، ثم حمل المياه إلى منزله والاستماع إلى التفجيرات والضربات الجوية».

وأضاف: «رأيت الأسبوع الماضي صبياً يبكي لأن وعاء المياه الخاص به قد سقط، هل يمكنك تخيل ذلك؟».

من المستحيل على أي شخص لم يزُر حلب منذ بداية الحرب بالطبع فهم مدى وحشية الظروف هنا بالفعل. ولكن في نظر أولئك الذين قد عاشوا وعملوا ودرسوا في المدينة، كما فعل الدكتور إكزايز، فإنَّ الدمار الذي تركته الحرب في أعقابها مهلكٌ.

وقال: «أشعر أن بلادي لم تعُد بلادي. لا تحاول كل الأطراف المتصارعة تغيير المناطق الجغرافية في سوريا وحلب فقط، بل يحاولون في الحقيقة تغيير شخصية الشعب. أستطيع أن أرى بلادي تنهار أمام عيني».

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة Time الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.