"ولادة طفل في حلب باتت كابوساً".. عمران ظهرت مأساته إلى العلن إلا أن الآلاف مثله ما يزالون يصارعون الموت

تم النشر: تم التحديث:
ATTFLAMRAN
الطفل عمران | social media

في الشهر الماضي، صارع أربعة مواليد جدد من أجل حياتهم في حاضنات في مستشفى صغير في حلب، المدينة السورية المحاصرة. ثم أصابت قذيفة المستشفى وقطعت الكهرباء والأكسجين عن الحاضنات، فاختنق الرضع.

وفي رسالة مشتركة إلى الرئيس الأميركي باراك أوباما هذا الشهر، وصف خمسة عشر طبيباً وفاة هؤلاء الرضع بأن "حياتهم انتهت قبل أن تبدأ".

لم يتبقَّ سوى عدد قليل من الأطباء في الجزء الشرقي من حلب، المركز التجاري التاريخي، حيث يوجد مائة ألف طفل محاصرون الآن من قبل قوات النظام والميليشيات الموالية له.

كتب الأطباء "يأتي الأطفال الصغار في بعض الأحيان إلى غرفة الطوارئ مصابين بإصابات شديدة، وعلينا أن نعطي الأولوية أحياناً لمن لديه فرصة أكبر للنجاة، أو ببساطة لا نملك المعدات اللازمة لمساعدتهم.

القليل من الطعام يمكنه التسلل من خلال الحصار البري المفروض من قبل نظام بشار الأسد. كوننا سنعيش أو نموت، الأمر يعتمد على الكر والفر في ساحة المعركة. لمدة خمس سنوات، واجهنا الموت من أعلى، بالقذائف، يومياً. لكننا الآن نواجه الموت من كل اتجاه".


الأطفال الضحية الأكبر


أكثر من ثلث الضحايا في حلب الآن من الأطفال، وفقا لمنظمة Save The Children. ومن بينهم عمران دقنيش، الطفل الصغير الذي استحوذت صورته على اهتمام العالم هذا الأسبوع.

دقنيش، ظهر ملطخاً بالدماء والغبار بعد أن استخرج من تحت الأنقاض بعد قصف استهدف منزل العائلة يوم الخميس 18 أغسطس/آب. رجال الانقاذ وضعوه على المقعد البرتقالي في سيارة إسعاف. تعبير الذهول والصدمة على وجهه يمثل جيلاً مزقته الحرب.

في يونيو/حزيران، وصف أسامة أبو العز، جراح عام من حلب، هجوماً صاروخياً على جناح رعاية الرضع. "تم نقل تسعة من حديثي الولادة إلى الطابق السفلي من المستشفى، كانت حاضناتهم قد دمرت. لقد كنت طبيباً ممارساً في مدينة حلب منذ عام 2012، وما زالت تسحرني لحظة خروج طفل للحياة. لا يوجد لها مثيل، تلك الأنفاس الأولى، تلك الصرخات الأولى. نظرة عيون الأم، بعد أن جاهدت لإحضار هذا الشخص الصغير إلى العالم. ينبغي أن تكون لحظة سلام وامتنان وفرح، ولكن في سوريا اليوم، تحولت الولادة إلى كابوس".

في الثالث والعشرين من يوليو/تموز، كان أحد عشر طفلاً على قيد الحياة في الحاضنات عندما نفذت قوات الأسد غارة جوية على مستشفى الأطفال في حلب، ثم غارة ثانية في اليوم التالي. لقى ثلاثة أطفال حتفهم من نقص الأكسجين واستنشاق الغبار، وفقاً لما ذكرته شبكة CNN. تصاعدت الهجمات البرية والجوية على المستشفيات هذا الصيف، وهو ما لا يمكن اعتباره أمراً عفوياً. رسالة الأطباء السوريين الخمسة عشر ذكرت اثنين وأربعين ضربة جوية على المرافق الطبية في حلب في يوليو/تموز وحده.


الأسوأ في العالم


إن المحنة الوجودية لأطفال سوريا هي الأسوأ في العالم. قال المتحدث باسم اليونيسيف كريس تايدي لمراسل The New Yorker يوم الجمعة 19 أغسطس "لم يعرف نحو 3,7 مليون طفل سوري تقل أعمارهم عن خمس سنوات شيئا سوى التشرد والعنف وعدم اليقين".

وأضاف أنهم ولدوا جميعاً بعد تحول انتفاضة شعبية إلى حرب أهلية في عام 2011. يقول تايدي "إن الأعداد هائلة، تفوق الوصف".

إجمالاً، يعتمد الآن أكثر من ثمانية ملايين من الأطفال -أكثر من ثلث السكان- في بلد كان يبلغ تعداده اثنين وعشرين مليون نسمة، على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة، بينما فر 2.5 مليون طفل من سوريا تماماً، وفقاً لما ذكرته تقارير اليونيسيف.

حينما اجتاح جنون البوكيمون الغرب الشهر الماضي، سعى المكتب الإعلامي لقوات الثورة في سوريا حشد اهتمام العالم عن طريق توزيع صور لأطفال سوريين رافعين صوراً لبيكاتشو، مرسومة بأقلام التلوين، مع عبارة "تعال أنقذني".

محنة هؤلاء الأطفال تعكس مخاطر مستقبل ما بعد الحرب في واحدة من البلدان الأكثر أهمية في الشرق الأوسط.


جيل كامل معرض للفناء


وقال مسؤولان من وكالات الأمم المتحدة لمراسل The New Yorker إن جيلاً بأكمله معرض للفناء. ما يقرب من ثلاثة ملايين طفل، أي ما يعادل جميع الأطفال في سن المدرسة في مدينة نيويورك، ولوس أنجلوس، ودالاس مجتمعة، قد تركوا الدراسة.

وقال تايدي إن هذا الصيف، أصبح أطفال حلب أكثر عرضة للخطر، بسبب نقص المياه الصالحة للشرب. كما كان الأطفال أيضاً من بين ضحايا غاز الكلور المستخدم من قبل النظام هذا الشهر.

قال ستافان دي ميستورا، مبعوث الأمم المتحدة الخاص لسوريا للصحفيين في جنيف أن "هناك الكثير من الأدلة" أن غاز الكلور قد استخدم في قصف شرق حلب. وأضاف دي ميستورا، "إذا حدث ذلك بالفعل، فهذه جريمة حرب."

منذ عام 2012، قسمت حلب بين القطاع الغربي، الذي تسيطر عليها قوات النظام والقطاع الشرقي، الذي تسيطر عليها فصائل المعارضة المختلفة. و تدعم الضربات الجوية الروسية قوات الأسد. القتال الذي دمر معظم المدينة التي يعود تاريخها إلى آلاف السنين، تصاعدت وتيرته منذ منتصف يوليو/تموز. يوم الجمعة، أطلقت القوات الروسية صواريخ كروز على حلب من سفن في البحر الأبيض المتوسط للمرة الأولى.


مأساة مستمرة


الهروب من القتال لا يشكل ضمانة للبقاء على قيد الحياة بالنسبة لأطفال سوريا. كانت الصورة الأخرى التي صورت جيل سوريا الضائع، في سبتمبر الماضي، كانت صورة إيلان الكردي، الطفل الذي جرفت جثته الأمواج على الشاطئ في تركيا بعد أن فرت عائلته من سوريا. لا تملك وكالات الإغاثة أرقاماً دقيقة، ولكن يعتقد أن المئات من الأطفال السوريين قد غرقوا في البحر المتوسط حين انقلبت قواربهم المكتظة.

يوم الخميس 18 أغسطس، غرقت فتاتان إحداهما تبلغ من العمر خمس سنوات، والأخرى ثمانية أشهر في البحر المتوسط عندما انقلب بهما قارب خشبي صغير وغرق قبالة سواحل ليبيا. لم يعثر على جثة طفل يبلغ من العمر خمس سنوات كان يسافر معهم. كان اللاجئون السوريون يسلكون سبلاً مختلفة، وأقصر طريق كانت عن طريق البحر من تركيا إلى الجزر اليونانية، إلا أن تركيا صعبت الأمر على اللاجئين هذا العام، لذلك يحاول المزيد من اللاجئين الهجرة عبر رحلة أطول وأكثر خطورة عن طريق شمال إفريقيا.

ومن المقرر أن يلتقى وزير الخارجية الأميركي جون كيري ووزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في جنيف يوم 26 أغسطس لمناقشة "وقف العدائيات" في سوريا مرة أخرى. ولكن وقف إطلاق النار الأخير، في فبراير/شباط الماضي، تآكل مع مرور الزمن، ومحادثات السلام بين حكومة الأسد والمعارضة السورية توقفت.

لا يوجد مؤشر يذكر أن الخصمين في الحرب التي استمرت لخمس سنوات قد اقتربا من التوصل إلى تسوية سياسية. وحتى لو حاولوا مرة أخرى، فتنظيم الدولة الإسلامية، المعروف باسم "داعش"، الذي يسيطر على ربع مساحة سوريا على الأقل، لا يزال يخوض حربه الخاصة.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The New Yorker الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.