وصفها بـ"مفرخة التطرّف".. أكاديمي روسي يكشف أساليب موسكو في تجنيد "المسلمين الجدد" لصالح "داعش"

تم النشر: تم التحديث:
RUSSIA MUSLIMS
مسلمي روسيا | Anadolu Agency via Getty Images

يتواجد حالياً أكثر من 2000 مقاتل روسي في صفوف تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) في سوريا والعراق. وتعود أصول العديد من هؤلاء المقاتلين إلى مسلمي شمال القوقاز، وهو ما يغذي الرواية التي تزداد انتشاراً منذ تسعينيات القرن الماضي.

يربط العديد من الروس الآن بين شعوب شمال القوقاز المسلمة وبين التطرف والإرهاب، وهذه الصورة ليست مُختلقة تماماً، فقد اكتوت منطقة شمال القوقاز بالحرب والإرهاب وقمع الدولة الوحشي على مدار العقدين الماضيين.

لكن تاريخ مقاطعة شمال القوقاز هو قصة التحول الاجتماعي السريع مثلما هو قصة الصراع.

أسفرت السياسات التي انتهجتها الدولة الروسية على مدار العقدين الماضيين عن ظهور المتطرفين الأصوليين القادمين من شمال القوقاز الذين انتشروا عبر روسيا وعبر ساحات الحرب في الشرق الأوسط.

كانت الشعوب المسلمة في جنوب الاتحاد السوفيتي السابق ما تزال تعيش في مجتمعات ريفية تقليدية حين انهار الاتحاد السوفيتي قبل 25 عاماً. كما كانت الشيشان وداغستان وأنغوشيا وغيرها من مقاطعات شمال القوقاز آخر المناطق الروسية لحاقاً بركب المدنية. عمليات التحضر والتمدن التي عادة ما تستغرق أجيالاً عديدة ضُغطَت في عقدين قصيرين اتسما بالعنف.

وأجبر هذا الاضطراب آلاف الشباب والشابات على ترك قراهم الريفية الجبلية والاتجاه إلى القرن الواحد والعشرين الذي تعارض مع طرق حياتهم التقليدية التي لم تتغير كثيراً منذ العصور الوسطى.

مدفوعين بالحاجة، غادر كثيرون القرى الجبلية للقوقاز واتجهوا للمراكز الصناعية والحضرية الروسية أو غيرها، حيث عملوا سائقي شاحنات وباعة جائلين وفي التسويق والبناء وحقول النفط، بل وعملوا رجالاً للعصابات وواعظين وأطباء أسنان ورجال أعمال ومجاهدين متدينين.

أدى ذلك إلى إنشاء شبكات دولية غير مرئية من المهاجرين الذين تخلوا عن مواطنهم القديمة وحياتهم التقليدية، وانضموا للعصر الحديث، أو للمراكز الدولية للجهاد في أحيان أخرى، في موجة واحدة.

والأحداث التي دفعت هذه التحركات، وما تزال، ليست مفهومة للغاية، لكن علينا العمل على فهمها إن أردنا أن نفهم التطورات الكبرى التي تجري في ذلك الجزء من العالم، بما فيها تصاعد عدد مقاتلي هذه المنطقة المستعدين للهجوم داخل روسيا وخارجها.

ويقول دينيس سوكولوف وهو باحث كبير، بأكاديمية الرئاسة الروسية للاقتصاد الوطني والإدارة العامة ومدير الأبحاث فيها في مقال الرأي الذي نشره في مجلة نيوزويك الأميركية.. قضيت 7 سنوات في الميدان، بين هؤلاء الشعوب. بين أولئك الذين رحلوا وأولئك الذين بقوا، وذلك أثناء دراستي للتحول والهجرة في مجتمعات شمال القوقاز، شديدة التعقيد والتنوع العرقي، بالإضافة لبعض المدن الروسية الكبرى، وشمال غرب سيبيريا ( المنطقة الرئيسية لإنتاج النفط في البلاد) وتركيا. وهذا المقال هو ملخص لبعض استنتاجاتي:


التشرد والهجرة والدين


كان العامل الأول وراء الهجرة من شمال القوقاز ذا طبيعة اقتصادية. ترك المهاجرون مجتمعاتهم الريفية للعمل في المقاطعات الروسية المنتجة للنفط في خانتي مانسييسك ويامال نينيتس الواقعتين تحت الحكم الذاتي في شمال منطقة تيومين. كما اتجهوا للمدن الكبرى حيث يمكنهم كسب الرزق والسكن، ولم يواجهوا أي اضطهاد بسبب معتقداتهم الدينية حتى وقت قريب.

ويسكن حوالي 200 ألف داغستاني وشيشاني وإنغوشي في المناطق المنتجة للنفط في غرب سيبيريا، حيث تُستخرَج نصف المواد الهيدروكربونية الروسية. كما تمتلئ المنطقة بالمهاجرين القادمين من وسط آسيا من الأوزبك والطاجيك والقرغيزيين.

إجمالاً، ترك حوالي مليون شيشاني وإنغوشي ومليون داغستاني ونصف مليون من القبرديين والشركس والقراشاي والبلقاريين (المُقَّدَر عددهم بـ2.5 ملايين نسمة) موطنهم الأصلي بحثاً عن العمل.
لم يكن الاقتصاد هو الدافع الوحيد وراء تحركات السكان، إذ أجبر الصراع العرقي، الذي اشتعل في 1992 في أوسيتيا الشمالية، آلافاً من الإنغوش على ترك موطنهم، كما أسفرت حروب الشيشان في 1994 و1999 عن تشريد المزيد من مئات الآلاف.

ومع الوضع في عين الاعتبار الهجرة التي حدثت من المناطق الريفية في مناطق الفولغا وما وراء القوقاز وآسيا الوسطى، التي تتشارك ذات الفضاء الاقتصادي مع روسيا، إلى المناطق الحضرية، سنجد أمامنا ملايين "المتمدنين الجدد" الذين تركوا مناطق الاتحاد السوفيتي الريفية ونزحوا إلى المدن الروسية بشكل أساسي، صغيرها وكبيرها.


من هم "المسلمون الجدد"؟


عادة ما يلجأ هؤلاء السكان النازحون، المقطوعون عن أوطانهم وعاداتهم، لدينهم الإسلامي للتواصل مع ماضيهم وإعادة بناء هويتهم وإقامة مجتمع لهم. واكتسبت تلك النهضة الإسلامية قوة متزايدة في القرى ووسط المجتمعات التي تفرقت بحثاً عن الكسب.

تلا ذلك بداية اضطهاد السلفيين، أو المسلمين ذوي المعتقدات الدينية الأصولية، على يد وكالات إعمال القانون والأجهزة الأمنية في المناطق ذات الأغلبية المسلمة، سواء في روسيا أو في الدول المستقلة حديثاً بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.

وأُشير إلى هؤلاء الأشخاص أحياناً باعتبارهم "المسلمين الجدد" الذين لا يتبعون رجال الدين الرسميين أو الأئمة السوفييت القدامى المعروفين بولائهم لموسكو، والمخترَقين من قبل أجهزة الدولة. كما شكل الأئمة الجدد من السلفيين منافسة حقيقية للأئمة القدامى.

الأهم من ذلك أن الحكومة المركزية، والسلطات المحلية أيضاً، رأت في هذا المجتمع المتنامي من المؤمنين تهديداً لسلطة الدولة. فقد تلقى بعض الزعماء الإسلاميين الجدد تدريبهم الديني في الخارج، كما مُوِّلَت بعض المراكز الإسلامية في روسيا من الخارج.

في غضون ذلك شعرت السلطات بالخوف من أن يفضي الالتزام بما اعتبروه الإسلام الراديكالي إلى التحالف مع دعاوي الانفصال أو الحركات الإرهابية المتطرفة. وهو الخوف الذي ازداد مع الحربين الشيشانيتين وغيرهما من الصراعات التي شهدتها منطقة القوقاز.


الدولة تقاتل على جبهتين


استخدمت الدولة، بشقيها المركزي والإقليمي، أداتين رئيسيتين في مواجهة ما رأوه تهديد الإسلام لسلطة الدولة.

وتكمن أولاهما في اعتماد الدولة على استخدام، وإساءة استخدام، الأجهزة الأمنية ووكالات تنفيذ القانون لقتل واعتقال وتخويف الزعماء المحليين والمؤمنين. أما بالنسبة للأداة الثانية، فقد سُنَّت بعض القوانين، كما استخدمت الدعايا لاتهام بعض الطوائف الإسلامية وأتباعها بالتطرف.

أفضى الجمع بين هاتين الطريقتين إلى النتيجة المرجوة المُمَثَلَة في خفض تأثير بعض الزعماء أو القضاء على نفوذهم، لكنه أسفر أيضاً عن بعض التداعيات غير المقصودة.

على سبيل المثال، منذ 2003، وجد النشطاء الاجتماعيون المناهضون للفساد والمدافعون عن حق ممارسة الإسلام كما يؤمن الفرد، أسماءهم على قوائم المواطنين "غير الجديرين بالثقة"، بل وجد بعضهم أنفسهم على قوائم "المطلوبين"، وتحت التحقيق في انتهاكات مزعومة لبعض مواد القانون الجنائي التي ينتهكها المقاتلون الإسلاميون الراديكاليون.

فالوجود في تلك القوائم كان يعني الاحتجاز والتحقيق وما يتضمنه من تعذيب، بالإضافة إلى الاختطاف على أيدى الموكلين بتنفيذ القانون، وأيضاً الاختطاف مقابل فدية.


زرع التهم


اعتادت وكالات تنفيذ القانون في روسيا وآسيا الوسطى على زرع المخدرات والأسلحة أثناء تفتيشهم لمنازل وسيارات "المسلمين الجدد"، ثم اعتقال الضحايا وتخييرهم بين السجن لمدة طويلة أو شراء حريتهم مصحوبة بمغادرة البلاد.

وعادة ما تدبر الأجهزة الأمنية تفتيشاً مفاجئاً لمنازل النشطاء الإسلاميين أثناء وجودهم خارج البلاد، حيث زُرعَت قنبلة يدوية أو بعض الذخيرة. باعثة برسالة بسيطة "لا تَعُد وإلا سنسجنك".
خلقت روسيا، عبر هذه الهجمات على المجتمعات الإسلامية الورعة، تدفقاً من المهاجرين السياسيين والدينيين، أو حتى اللاجئين.

أما الجبهة الثانية التي عملت من خلالها الدولة على استهداف المسلمين فهي مجال الخطابة والقانون. فقد اعتبرت الدولة الروسية خصومها المحليين، خاصة من النشطاء الإسلاميين، عملاء للإرهاب الدولي أو للمخابرات السرية الأجنبية.

وظهر هذا التكتيك، خاصة ضد المعارضين الإسلاميين، في الأيام التي سبقت حرب الشيشان الثانية في 1999، إذ تسمح قوانين التطرف الحالية للسلطات بوصف أي اعتقاد أو مجموعة أو فرد أو كتابة بالتطرف بمنتهى السهولة.

بلغ اتهام الشخصيات والمنظمات بكونها إرهابية أو متطرفة مبلغاً سخيفاً في بعض الأحيان، حتى أن إحدى الدعاوى القضائية طالبت بوضع جمعية منازل الضواحي الصيفية على قائمة المنظمات الإرهابية لأن شخصاً ما في السلطة أراد الاستيلاء على ممتلكاتها.


"داعش" شمّاعة


كما تصاعد خطاب الكرملين الموجه لخصومه الإسلاميين في السنوات الأخيرة، مشيراً إلى وجود العديد من سكان شمال القوقاز في ساحات الحرب في صفوف تنظيم داعش، وإلى القادة العسكريين لإمارة القوقاز (منظمة جهادية مسلحة تهدف إلى إنشاء إمارة مستقلة في المنطقة بناءً على القيم الدينية الإسلامية) الذين أعلنوا البيعة العلنية لأبي بكر البغدادي زعيم تنظيم داعش.

وقد سهلت التطورات الحالية من مهمة مروجي ادعاءات الكرملين القائمة على تأسيس رواية يمكن تصديقها توحي بأن القوات المسلحة الروسية وكذلك القوات الخاصة يخوضون حرباً بطولية ضد قوات الإسلام الراديكالي.

ومع ذلك، لا تقتصر بلاغة مروجي المساعي الروسية من القوات الخاصة والجيش الروسي على اتهام المقاتلين الأجانب بالإرهاب وكذلك المتطرفين داخل بلادهم وحسب، بل إنهم أيضاً يستخدمون نفس الفصاحة ضد النشطاء الإسلاميين والمجموعات التي تشكل تهديداً لمصالحهم الاقتصادية والسياسية.

وليس ثمة تمييز في ذلك السياق بين مسلمي روسيا والمهاجرين لأسباب اقتصادية وكذلك المجتمعات التقليدية، فجميعهم شهدوا رداً من الدولة الروسية تجاه صحوتهم الإسلامية التي تطورت لتشكل حملة إرهاب سياسية.

وتسبب خوف الدولة الروسية (وكذلك المجتمع الروسي) وأيضاً استجابتهم لتلك الصحوة الإسلامية في خلق الراديكاليين المتشددين الذين كانوا يخشون منهم، فالإسلام يعد إحدى الديانات الأربعة التقليدية في الإمبراطورية الروسية.

خلق ذلك الأمر جيشاً سرياً في البلاد، فضلاً عن أنه شكّل مفرخة للمجاهدين الذين يتوجهون إلى الأراضي التركية والسورية التي يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية داعش. وبدوره، أنشأ تنظيم داعش شبكة لتجنيد المجاهدين في القوقاز ووسط آسيا، وأبقى على تلك الشبكة لخدمة أهدافه.


أساطير التطرف الإسلامي في روسيا


تروج الدولة الروسية لثلاثة أساطير لكي توحي بأنها تقاتل الإرهاب الدولي، بينما هي في الحقيقة منخرطة في شيء مختلف تماماً.


الأسطورة الأولى: الأجهزة الأمنية الروسية في شمال القوقاز تقاتل الإرهابين بشكل حصري.


وجهت موسكو جهودها لمواجهة الإرهاب الداخلي ضد مجموعة شديدة التنوع من مواطني روسيا بشمال القوقاز. وتشتمل القائمة المزعومة للمتطرفين على القوميين الشيشان الذين حاربوا خلال حرب الشيشان الأولى (1994-1996)، والمجاهدين الذين اشتركوا في حرب الشيشان الثانية (1999-2009)، والآن تدعي أنها تحارب إرهابيي الإسلام الراديكالي بالمنطقة كلها.

وكما توضح التفاصيل التي ذُكرت في السطور السابقة، فإن تكتيكات الجيش الروسي والقوات الأمنية التي لا تميز، جعلت كثيراً من المسلمين ونشطاء المجال العام في تلك المناطق يشعرون بالخوف من الاضطهاد والتعذيب على يد الجيش أو وكالات إعمال القانون.

فذهبوا إثر ذلك للعمل تحت الأرض، وقضى كثير منهم خلال عمليات مكافحة الإرهاب التي ينفذها ضباط إعمال القانون المحليين، والقوات الداخلية، ووحدات العمليات الخاصة، فكثير من هؤلاء يستخدمون مدرعات تشبه مدرعات الجيش وأسلحة ثقيلة.

وتوضح الحرب التي تخوضها الدولة الروسية ضد الصحوة الإسلامية بالمنطقة أن القضية في الأساس متعلقة بالحفاظ على السيطرة السياسية. فلا يحتاج أحد الأشخاص أن يكون جهادياً موثقاً لكي تستهدفه الدولة، فيكفي أن يذهب أحدهم إلى "المسجد الخاطئ" أو ألا يُبدي ولاءً كافياً للمفتيين "الرسميين" بجمهوريات شمال القوقاز.

وعليه، فإن الفشل في الالتصاق بالنسخة المقبولة من الإسلام والمرشدين الإسلاميين قد يؤدي إلى الاتهام بالتطرف، بل إنه في الحقيقة ليس ثمة احتمالية لعدم حدوث ذلك. إذ يوفر ذلك تبريراً لأجهزة إعمال القانون وكذلك الأجهزة الأمنية لكي تستجيب مع تلك الحالة من عدم الولاء.


الأسطورة الثانية: الأصوليون الإسلاميون من خارج الديار هم السبب الرئيسي وراء راديكالية المسلمين في شمال القوقاز والمناطق الروسية الأخرى.


يعد الادعاء القائل إن القوات الأجنبية هي التي تجلب السلالات المتطرفة من المسلمين إلى روسيا، أحد أكثر التبريرات التي تسوقها الدولة الروسية والسلطات المحلية شيوعاً؛ لكي تستخدمها في حملة المداهمات التي تقودها ضد أرباب النسخة غير التقليدية من الإسلام.

وفي الحقيقة، ثمة دول إسلامية بالفعل، بما في ذلك السعودية، دعمت طلاباً من المنطقة لدراسة تعاليم الإسلام بالخارج، كما أرسلت المعلمين إلى المنطقة. وتسببت عملية إعادة إحياء الإسلام التي صاحبت الحريات الجديدة والمتاعب الاقتصادية التي ميزت حقبة التسعينيات، من تحفيز العداوات مع الأئمة المعتمدين من الدولة.

وبمرور الوقت، مع إعادة تمركز القوى السياسية في روسيا، تعاملت السلطات في موسكو مع المناطق الأخرى من خلال إقصاء المنافسين من اللعبة بدلاً من منافستهم.

ويمكن أن يتم ذلك بطرق عديدة. على سبيل المثال، يمكن أن يُلقى القبض على ممثل وتُجرَّم منظمته إن كان يمتلك احتمالية واضحة لأن يلعب دوراً قيادياً.

وهذا هو ما حدث مع ميخائيل خودوركوفسكي. فعلى الرغم من اختلاف الاتجاهات بين المجموعات ذات الاهتمامات الاجتماعية، وبين الأخرى ذات الاهتمامات العرقية، وأيضاً الجماعات ذات الاهتمامات الدينية، فليس ثمة خيارٌ أسهل من اتهامهم بالتطرف.

وأثبتت موسكو أنها يمكنها أن ترعى حالات متكررة لخرق المواد الدستورية في مقابل أن تظهر السلطات الإقليمية ولاءً لها. ومن أوضح الأمثلة على تلك الأطروحة ما حدث في داغستان، عندما اعتُمد قانون في 22 سبتمبر/أيلول 1999، والذي يتعلق بـ "منع الأنشطة الوهابية وأي أنشطة متطرفة أخرى في الأراضي الداغستانية"، والذي مهد الطريق أمام اضطهاد مجموعات من المواطنين وفقاً للاهتمامات الأيديولوجية والدينية.

ويؤكد الخبراء القانونيون أن هذا القانون مخالف للدستور الروسي. إلا أنه يطلق العنان بشكل فعال للقوات المحلية والاتحادية والخدمات الأمنية لإجراء تحقيقات ذات دوافع سياسية، وإرساء نظام فعال يقوم على الإرهاب السياسي.

في أوائل الألفينات، أبعدت نخب ما بعد الاتحاد السوفيتي في شمال القوقاز كثيراً من منافسيها على السلطة من خلال اتهام خصومهم السياسيين والدينيين بالتطرف والإرهاب.

ونتيجة لذلك، تشكل مثلث القوة وكان يتكون من (1) السلطات الإقليمية، (2) إدارة الرئيس الروسي، (3) جهاز الأمن الفيدرالي FSB (خلفاً لجهاز المخابرات الروسية KGB) وخدمات خاصة أخرى. وفي ظل ذلك النظام، حصل كبار المسؤولين على المال والسلطة والحصانة من الملاحقة القضائية، وعلى اهتمام السلطة. وكان الجميع فيما عدا هؤلاء يعانون تمييزاً سياسياً واقتصادياً.

واضطر أولئك الذين يقاومون سياسياً أو في المسجد، للخروج "إلى الغابة" - كناية عن الانضمام إلى جماعة سرية مسلحة موجودة في مناطق الغابات بالقرب من القرى في شمال القوقاز، وفي بيوت آمنة في المدن.

وكان الدليل على إساءة استخدام السلطات الأمنية تلك الأرباح الهائلة التي حققها أولئك الذين يتصلون بالدولة: فساعة واحدة من عمليات مكافحة الإرهاب يمكن أن تكلف حوالي مليون دولار. ولم يكن الاعتقال والاحتجاز لردع ومنع الآراء السياسية أو الدينية غير المرغوب بها وحسب، بل كان أيضا مصدراً للربح، حيث يُضطر بعض الأقارب أحياناً إلى دفع الفدية للحصول على جثث ذويهم الذين لقوا مصرعهم خلال عمليات مكافحة الإرهاب لدفنها بصورة لائقة.

وعندما يذهب هؤلاء المتطرفون بالفعل إلى الغابة لحمل السلاح وممارسة الأعمال الإرهابية، مثل التفجيرات الانتحارية أو أزمات الرهائن في المدارس والمسارح أو المستشفيات، فإن المجتمع ككل يصير متوجساً بشكل أكبر من الأفراد في المنطقة ومن العقيدة الإسلامية. وبهذه الطريقة، تضمن الدولة تحقيق شرعية شعبية لتضييق الخناق على المتطرفين الذين ساهمت في خلقهم بالأساس.


الأسطورة الثالثة: جميع المسلمين الذين تركوا روسيا وغيرها من بلدان الاتحاد السوفيتي السابق متطرفون وإرهابيون ويتبنون العقيدة الداعشية ومستعدون للقتال في سبيلها.


تروج المصادر الرسمية الروسية هذه الأسطورة، وكثير من المسلمين يُفاجأون بوجود أسمائهم على قوائم المطلوبين ضمن مقاتلي داعش، أثناء قضائهم عطلة في تركيا أو أثناء دراستهم بجامعة الأزهر في مصر.

على مدى السنوات الـ 25 الماضية، غادر كثير من المسلمين روسيا للدراسة في تركيا وسوريا والإمارات العربية المتحدة ومصر. البعض يختار البقاء في تلك الدول الإسلامية، والبعض الآخر يفضلون العودة إلى ديارهم، ولكنهم يخشون الاضطهاد. واستقبل بعض النشطاء الإسلاميين تحذيرات لعدم العودة، كما هُددوا بالاعتقال.

وقد شهدت السنتان أو الثلاث سنوات الماضية ارتفاعاً حاداً في عدد النشطاء الإسلاميين الذين اتجهوا إلى تركيا ومصر وأوكرانيا. ويأتي ذلك نتيجة لزيادة الضغط من وكالات إعمال القانون ليس فقط في روسيا، ولكن أيضا في بلاد الاتحاد السوفيتي السابق الأخرى ذات الجاليات المسلمة الكبيرة.

ثمة عدد كبير من هؤلاء المهاجرين السياسيين (من عدة مئات إلى عدة آلاف) يعيشون في تركيا، وكثير منهم- إن لم يكن أغلبهم- هم نفس الأشخاص الذين كانوا دائماً يعارضون العنف.

مجموعة أخرى من المسلمين، يبلغ عددهم عدة مئات من الأشخاص، تركوا بلادهم من أجل القتال في سوريا مع قوى المعارضة، مثل جبهة النصرة وغيرها من الجبهات الإسلامية. وقد كانوا أعضاء في الحركة السرية المسلحة شمال القوقاز، التابعة لإمارة القوقاز التي أعلنها دوكو عمروف في عام 2007 باعتبارها الجناح الإقليمي لتنظيم القاعدة.

وانسحب معظمهم من القتال في عام 2014 عندما أعلن "داعش" إقامة "الخلافة"، وطالبت جميع المقاتلين بالبيعة، ولكن البعض منهم بقي من أجل القتال إلى جانب جبهة النصرة. يساعدون بنشاط أرامل المقاتلين الذين يحاولون إيجاد طريق للخروج من المناطق التي تخضع لسيطرة داعش، أو الذين يحتاجون مساعدات مالية بعد نجاحهم في مغادرة تلك المناطق.

تنتشر كثير من القصص الفردية المرتبطة بذلك، فبعض المقاتلين المسلمين الذين ذهبوا للقتال في سوريا فشلوا في الوصول لداعش وقرروا الانتقال إلى دولة أخرى في المنطقة. والبعض صاروا محبطين من داعش وتمكنوا من الفرار إلى تركيا أو مصر أو غيرها من البلدان الأخرى. ويمكن أن يمثل هؤلاء المقاتلون المحبطون، وإن لم يكونوا بالعدد الكثير، مصادر شديدة الفاعلية للدعاية المضادة لداعش.

وأخيراً، هناك 2000 من الروس الذين غادروا بغرض وحيد، وهو القتال لصالح داعش. وهم في أكثر الأحيان يمثلون الجيل الثاني. وكان بعض آبائهم هم الذين غادروا القرى الفقيرة في شمال القوقاز وآسيا الوسطى للبحث عن عمل في المدن الروسية الكبيرة وشمال غرب سيبيريا.

وكان بعض آبائهم لديه الإمكانات لإرسالهم مع الآخرين للدراسة في جامعات موسكو وسان بطرسبرج وماخاتشكالا (في داغستان). فهذا الجيل الثاني من المسلمين من شمال القوقاز وما وراءها، والذين تحملوا لسنوات العبء الأكبر من ضغوط وخرافات الدولة الروسية، يمثلون مصدراً غنياً للتجنيد في داعش والدعوة إليها.

مقاتلو داعش من روسيا ليس لديهم غالباً علاقة بمشروع إمارة القوقاز التابع لتنظيم القاعدة. وليس من المستغرب بالنسبة لهم أن يكونوا كالعبيد الذين تحولوا إلى الإسلام.


ختاماً


يبدو أن ثمة حاجة إلى مزيد من البحوث للفهم بدقة الكيفية التي ساعدت بها سياسة الدولة الروسية والإجراءات الأمنية لنشأة المتطرفين الإسلاميين الذين يخافون منهم. إلا أن هذه الدراسة لن تكون كاملة دون النظر إلى الجوانب الاجتماعية الهامة لهذه القضية، لا سيما التفكك الاقتصادي والهجرة القسرية لأعداد هائلة من الناس بعيداً عن قراهم.

وما يمكننا فهمه الآن هو أن دعاية الدولة الروسية ترسم صورة الغزو الأجنبي للإسلام المتطرف الذي جلب الإرهاب إلى روسيا، وهو ما يعمل الآن على نشأة المتطرفين الأكثر خطورة للقتال في الخارج.

لكن الحقيقة أن بلوغ الإسلام الراديكالي الموجود في روسيا إلى هذا الحد، هو نتاج لسنوات من السياسات الروسية القمعية على المستويات المحلية والفيدرالية، والتي أدت في المقام الأول إلى دفع الأشخاص اليائسين "إلى الغابة"، ما من شأنه أيضاً دفع العديد من الأشخاص (المتطرفين من المسلمين الروسيين القدامى، والجيل الثاني من المسلمين في المناطق الحضرية، والمسلمين المتحولين حديثاً من أصل روسي) من خلال المفرخة الروسية الجهادية ذاتها التي ترسل بالمقاتلين إلى ساحات القتال في الشرق الأوسط.

- هذا الموضوع مترجم عن مجلة Newsweek الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.