بعد الهجوم النمساوي على تركيا.. ما حقيقة تشجيع القانون التركي للاعتداءات الجنسية على القاصرين تحت الـ15 عاماً؟

تم النشر: تم التحديث:
TRKYA
تركيا | social media

أثار قرار المحكمة الدستورية العليا في تركيا الخاص بإلغاء فقرة في قانون العقوبات خاصة بالاعتداءات الجنسية على الأطفال دون سن الـ15 عام، الكثير من الجدل داخل وخارج تركيا، ووصل الأمر إلى انتقادات مباشرة من مسؤولين أوروبيين.

أنقرة أبدت اعتراضها على مثل هذه الانتقادات مؤكدة أن الأمر ليس كما يرسمه الإعلام، وأنها "لا تشجع على الاعتداءات الجنسية على الأطفال"، كما يصفها البعض.

فما حقيقة أن تركيا لا تجرم ممارسة الجنس للأطفال دون سن الـ15 عاماً؟


قصة القانون


في مطلع 2016، قررت محكمة الجنايات والأشغال الشاقة التابعة لمدينة بفرا التركية (شمال البلاد) التقدم بطعن للمحكمة الدستورية ضد قانون العقوبات التركي الخاص بالاعتداء الجنسي على الأطفال والذي يجرم كل اعتداء على الأطفال دون سن 15 عاماً.

قرار الطعن تضمن نقاط ومبررات كثيرة لحث المحكمة الدستورية على تغيير المادة الأولى من القانون رقم 103K والتي تنص على "تجريم كل اعتداء جنسي يمارس ضد الأطفال دون سن الخامسة عشرة".

بعد أشهر طويلة حصل مقدمو الطعن على مبتغاهم، حينما أعلنت المحكمة الدستورية في منتصف شهر تموز/يوليو 2016، تغيير المادة الأولى لتصبح "ليس كل اعتداء على الأطفال دون سن الخامسة عشرة اعتداءً جنسياً".


سخط على القرار


وأثار قرار المحكمة بعد ذلك سخط جمعيات حقوق الانسان والطفل في تركيا، وندد الكثير منها بالقرار معربة عن قلقها من "آثاره السلبية التي قد تضر بحقوق الأطفال"، على حد تعبيرهم.

تزامُن قرار المحكمة الدستورية مع محاولة الانقلاب الفاشلة التي عاشتها تركيا خلال الشهر ذاته، ساهم في انحصار حالة الجدل التي خلقها آنذاك، لتعود القصة إلى الواجهة مجددا حينما نشرت النمسا شريطاً إخبارياً في مطارها الدولي "شفاشت" يتهم تركيا بالسماح بممارسة الجنس مع الأطفال دون سن 15 عاماً.

ودخلت النمسا على خط الانتقادات محذرة في الوقت ذاته من خطورة السفر لتركيا، وهو ما أدانته أنقرة بشدة بعد ذلك ووصفته "بأنها أخبار كاذبة هدفها النيل من تركيا وشعبها".

ورضخت حكومة النمسا لمطالب الحكومة التركية وأزالت الشريط الإخباري، لكن القصة لم تنتهِ عند هذا الحد، بعد أن دخلت وزيرة الخارجية السويدية، مارغوت فالستروم، على الخط بعدها بأيام وغردت عبر تويتر قائلة: "ينبغي على تركيا إلغاء القرار الذي يسمح للأطفال ما دون الـ 15 بإقامة علاقة جنسية؛ فالأطفال بحاجة ليس إلى القليل بل إلى المزيد من الحماية من العنف والاستغلال الجنسي".

تغريدة الوزيرة السويدية أثارت غضب الحكومة التركية مجدداً، ودفعتها لاستدعاء القائم بالأعمال السويدي على الفور لتعبر عن انزعاجها وشعورها بخيبة الأمل، حيال ادعاءات فالستروم بشأن سماح تركيا للأطفال ما دون الـ 15 عاما بإقامة علاقة جنسية".

"هافينغتون بوست عربي" قابلت خبير قانون العقوبات التركي والأستاذ في كلية الحقوق في جامعة البحر الأبيض المتوسط "أكدنيز" التركية، محمود كابلان، وأجرت معه حواراً مطولاً حول حيثيات قرار المحكمة الدستورية، وما الذي يعنيه تحديداً؟


موجات الدعاية الإعلامية


وأكد كابلان ضرورة التفريق وعدم الخلط بين قرار المحكمة وبين البروباغندا (الدعاية الإعلامية) التي تصر بعض الجهات على ترويجها هنا وهناك، على حد وصفه.

وفي شرحه لما حدث، قال إن ما جرى هو أن المحكمة الدستورية غيرت القانون، بما يضمن تحقيق العدالة، ولم تلغ العمل به كما روّجت بعض الجهات في أوروبا.

وأوضح أن القانون موضع الجدل كان يعاقب كل المعتدين جنسياً على الأطفال بالسجن من 8 إلى 15 عاماً، وفقاً لتقدير القضاة دون النظر في حيثيات كل قضية على حدة.

وأضاف أن الأطفال في عمر الخامسة عشرة لديهم القدرة على وصف وتمييز الحوادث التي ترتكب ضدهم، على عكس الأطفال في سن الرابعة مثلاً الذين لا يستطيعون التمييز بين ما هو جنسي وما هو ليس جنسياً، حسب تعبيره.

وبالتالي فإن المحكمة الدستورية لم تلغ القانون، لكنها لغت هذه الفقرة موضحة أنها بحاجة لتعديلات تخص شهادة الأطفال المعتدى عليهم.

وأضاف أن قانون العقوبات الساري في تركيا هو قانون العقوبات الألماني ذاته مع اختلاف بسيط في بعض التفاصيل الصغيرة.


تذكروا إيران


ويقول كابلان، رداً على بعض المؤسسات التي تطالب بضرورة تشديد العقاب على المعتدين جنسياً على الأطفال: "أذكرهم بأن عقوبة الزنا وتجارة المخدرات في إيران هي الإعدام، ومع ذلك تُشير التقارير الصادرة منها إلى ازدياد عدد حالات التحرش لا انخفاضها، وبالتالي فإن تطبيق العدالة والحد من ظاهرة معينة لا يشترط إيقاع العقوبة نفسها على كل المعتدين دون التمييز بين طبيعة جرائمهم".

كما أشار كابلان إلى أن القانون سيصبح ساري المفعول بعد مرور 6 أشهر على نشره في الصحف الرسمية، ما يعني ضرورة سنّ قانون مؤقت يسري خلال هذه الفترة لحين انتهاء فترة الستة شهور.

ويزيد في هذا الصدد يقول كابلان إن أكثر ما يثير الجدل هنا هو "السؤال عن كيفية التعامل مع القضايا الراهنة وتلك التي ستحدث خلال هذه الفترة".

وفي نهاية حديثه يؤكد كابلان أن ما حصل "لا يتجاوز سوء فهم لقرار المحكمة الدستورية، الذي لا يختلف عن كل القوانين السارية في معظم الدول الأوروبية، كما أن القرار صدر ولا يمكن التراجع عنه تحت أي ظرف من الظروف".