يؤيد قادة مستبدين ويجهل فصائل متنازعة.. خطاب ترامب عن الشرق الأوسط يعكس تجاهلاً لتطلعات الشعوب

تم النشر: تم التحديث:
TRUMP
Evan Vucci/AP

عاد دونالد ترامب للعزف على نفس الوتر في خطاب عن الأمن القومي في أوهايو أمس الاثنين. وصف المرشح الجمهوري ترشحه بأنه يمثل القوة والصلابة، كما تفاخر بنظرته الثاقبة في ما يخص المشكلات التي تعصف بالشرق الأوسط وتهدد أميركا، وحذر مرة أخرى من خطر الإسلام المتطرف.

رغم أن أغلب المنتمين لمؤسسة الأمن القومي في واشنطن، حتى الجمهوريين منهم، يرفضون فكرة أن ترامب يصلح لقيادة السفينة، إلا أن تلك المخاوف لم توقف حملته ولم تفُتُّ في عضُده، وفقاً لما نشرته صحيفة واشنطن بوست الأميركية.

ترامب وعد بالتمحيص الشديد في بيانات أي مسلم يهاجر إلى الولايات المتحدة. وذكر بضع الحلفاء المسلمين "المعتدلين" الذين يدورون في فلك واشنطن. بعد ذلك، اقترح هذه السياسة المسكنة: "إن سياستنا الجديدة، التي يجب أن يتبناها الحزبان في أميركا، وكذلك حلفاؤنا في الخارج، وأصدقاؤنا في الشرق الأوسط، هي وقف انتشار الإسلام المتطرف".

لم يلق بالاً لما قالته إدارة أوباما مراراً وتكراراً عن مواجهة التطرف الإسلامي، ولا لمحاولتها، بالتعاون مع شركاء في الشرق الأوسط، لمحاربة الأفكار المتطرفة. ولم يلق بالاً حتى لحقيقة أن معظم العنف الذي انتهجته الجماعات المتطرفة، كتنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) على سبيل المثال، وجه لمجتمعات ذات أغلبية مسلمة، تعيش على بعد آلاف الأميال من الحدود الأميركية.


فزاعة أيديولوجية


اختار دونالد ترامب أن يطلق لفظ "الإسلام المتطرف" كعنوانٍ عام وشامل، كفزاعة أيديولوجية تصوغ لنا التخلي عن اللاجئين وإغلاق الباب أمام المهاجرين المسلمين. يصنف خطاب ترامب المنطقة بأكملها تحت عنوان "الإسلام المتطرف"، فمن وجهة نظره هو "أساس جرائم الشرف في باكستان، وجرائم داعش والجماعات الجهادية الأخرى في سوريا وخارجها، والدافع وراء أجندة إيران"، التي نسي ترامب أن يذكر حربها ضد المقاتلين الإسلاميين من السنة.

يتساءل المرء، مع تعقيد الوضع في الشرق الأوسط، من هم الحلفاء والأعداء الذين يستطيع ترامب أن يذكرهم؟ هل يستطيع التفرقة بين الفصائل المتنازعة في سوريا؟ هل يهتم للصراعات التي تدور من أجل الحريات المدنية وتطوير أنظمة الحكم في الدول العربية؟ هل يعرف اسم فصيل كردي واحد؟

لقد عكس خطاب ترامب تجاهلاً مستمراً لحياة وتطلعات البشر الذين يعيشون في ذلك الجزء المظلم من العالم، الذي يعد له "خطة".

بدأ وصفه لكل ما تعانيه منطقة الشرق الأوسط بلمحة تاريخية عن الوقت الذي يفترض أنه كان أكثر سعادة. "دعونا نرجع إلى بداية عام 2009 في الشرق الأوسط، قبل تولي إدارة أوباما وكلينتون. كانت ليبيا مستقرة. وكانت سوريا تحت السيطرة ومصر كان يحكمها رئيس علماني وحليف للولايات المتحدة".

بعبارة أخرى، قبل ثورات الربيع العربي عام 2011، كان كل شيء على ما يرام. الخطيئة الكبرى هي - في رأي ترامب - أن البيت الأبيض سمح لانتفاضات شعبية بطرد القادة المستبدين. ليس من المستغرب أن يشيد ترامب وغيره من سياسيي الحزب الجمهوري بالرئيس المصري المستبد عبدالفتاح السيسي، الذي جاء إلى السلطة عن طريق انقلاب عسكري في عام 2013، وقاد حملة قمعية مروعة على المعارضة الإسلامية في البلاد وغيرهم من المعارضين وأعضاء المجتمع المدني.


تناقض


ها هو ترامب يعرب عن ازدرائه للياقة السياسية. ربما يعتقد أن العرب وسكان الشرق الأوسط لا يحق لهم المطالبة بالديمقراطية، بل ويجب أن يظلوا "تحت السيطرة". ولكن هذا لا يتفق مع أجزاء أخرى في خطابه، اتهم فيها أوباما بالتخاذل عن نصرة الأقليات المضطهدة في المنطقة.

لم يكن هذا التناقض الأكثر فجاجة في الخطاب، فقد أكد ترامب على معارضته لـ"بناء الدولة" وتغيير الأنظمة في الشرق الأوسط. بل أكثر من ذلك، شدد 3 مرات على أهمية احتفاظ الولايات المتحدة بالنفط العراقي بعد إرسال القوات إلى هناك. هذا ما قاله وقد ظهرت عليه علامات الحنين للماضي.

ما يعنيه هذا الاقتراح هو ترك القوات هناك لحراسة ممتلكاتنا. في الماضي، كان المنتصر في الحرب يحصل على الغنائم. ولكننا لم نحصل من مغامراتنا في العراق والشرق الأوسط سوى على الخراب والخسارة الاقتصادية الفادحة.

وبينما يعارض ترامب التدخل الأميركي الذي تسبب في زعزعة الأوضاع في العراق، فإنه لا يتورع عن تقديم اقتراح استعماري من القرن التاسع عشر باحتلال دولة الاستيلاء على مواردها، فهو يجمع بين الازدراء لسيادة الدول الشرق أوسطية وبين عدم الاكتراث لحقوق سكانها. وكما وصفت صحيفة "واشنطن بوست" نظرة ترامب للشرق الأوسط: "يرى الشرق الأوسط ساحةً للقناص الأميركي، أو مجموعةً من البلدات الكئيبة المغبرة التي تمتلئ بالأشرار، ليس أكثر".

لا يوجد علاج سريع للمشكلات المتشابكة والمعقدة في المنطقة، وهناك انتقادات مشروعة يمكن توجيهها للبيت الأبيض، خاصة لإدارة بوش السابقة، لشنها حرب لم يكن لها داعٍ، وتسببت في تقويض الاستقرار في العراق. يجب مناقشة حدود القوة الأميركية، كما يجب على العالم العربي نفسه مواجهة فشل سياساته.

ولكن خليط ترامب من الغطرسة واللامبالاة لا يمكن أن يكون نقطة انطلاقٍ سليمة للسياسة الخارجية.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة Washington Post الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.