الإهانة سلاحه؟.. تاريخ المناظرات الرئاسية الأميركية يعطي الأفضلية للكلام وليس القضايا.. وهذه نقطة قوة ترامب

تم النشر: تم التحديث:
AMYRKA
social media

منذ المناظرة المتلفزة بين جون كينيدي وريتشارد نيكسون عام 1960، والفائز في المناظرة الرئاسية يستولي على البيت الأبيض.

باستثناء بعض الأحداث غير المتوقعة مثل هجوم إرهابي خطير، فالحدث الذي سيحدد الفائز بالانتخابات الرئاسية 2016 هو سلسلة المناظرات الرئاسية التي سُتجرى بين هيلاري كلينتون ودونالد ترامب بداية من 26 سبتمبر/أيلول 2016 في جامعة هوفسترا بنيويورك، حسب تقرير لصحيفة الديلي بيست الأميركية .


نيكسون الواثق


منذ 1960، عندما التقى جون كينيدي وريتشارد نيكسون لأول مرة في شيكاغو، لم تكن هناك لحظة أخرى أكثر أهمية في التأثير على نتائج الانتخابات. لحسن الحظ أو لسوئه فالتلفاز يكشف ملاءمة المرشحين للرئاسة، معرفتهم بالسياسة الخارجية والداخلية، قدرتهم على الإجابة على أسئلة المراسلين الاستقصائية، هدوء أعصابهم تحت الضغط، الصورة التي يصدرونها كلها أشياء تخبر المُصوتين على اختيار أي الأشخاص استحقاقاً للجلوس على المكتب البيضاوي.

هكذا يخبرنا التاريخ. فنائب الرئيس ريتشارد نيكسون دخل استديوهات تليفزيون شيكاغو في 26 سبتمبر/أيلول 1960 واثقاً أن بإمكانه هزيمة السيناتور كينيدي. في النهاية، فقد أثبت نيكسون كونه سيد التلفاز، والذي ظهر بالفعل من خلال قدرته على التأثير على السياسة الأميركية.

فعندما كان مرشحاً لمنصب نائب الرئيس في 1952، أنقذ التلفاز مسيرته المهنية عندما كان يواجه فضيحة محتملة –وجود صناديق خاصة يمولها رجال أعمال لتغطية تكاليف سفره ونفقات أخرى- هددت منصبه في الحزب الجمهوري. أراد مسؤولو الحزب أن يترك نيكسون منصبه، وارتكن دوايت دايفيد آيزنهاور لهذا الاتجاه عندما قرر نيكسون أن يواجه مصيره.

وكانت النتيجة "خطاب الداما –التشكيرز-" الشهير عندما سرد نيكسون وزجته "بات" بشجاعة وبدهاء نصاً صدقه الأميركيون واحتفوا به. فعبر نيكسون عن الجميع، فهو محارب قديم في حرب المحيط الهادئ "لقد كنت هناك عندما كانت القنابل تتساقط"؛ وزوج مُتفان "لا تمتلك معطف فرو المنك.. ولكنك تبدو خلاباً في أي شيء"؛ وكأب محب لفتاتين وموظف حكومي يعيش بالكاد على راتبه الذي يتقاضاه من الحكومة. وباستعارة تكنيك فرانك روزفيلد، جعل خطابه الأشهر في أميركا. وفي الختام، حث الجمهوريون على الكتابة أو تفويض اللجنة الوطنية حول ما إذا كان يجب أن يبقى أو يترك منصبه.


ليس لديه ما يخشاه


كانت الاستجابة للخطاب إيجابية للغاية، ونيكسون في سن الـ39 وأخيرًا أصبح ثاني أصغر نائب للرئيس في التاريخ. فلم يكن لديه ما يخشاه عند مناظرته لجون كينيدي. ولسوء الحظ، لم يكن في أبهى صوره في تلك الليلة من سبتمبر/أيلول 1960.

فخلال حملة الدعاية في ولاية شمال كارولينا، كان نيكسون قد أصاب ركبته عندما اصطدمت بباب السيارة، تجاهل الحاجة للراحة إلى أن انتهى به الأمر مصاباً بعدوى في مشفى والتر رييد، أبعدته تلك الإصابة عن الحملة لعدة أسابيع. وبعد التعافي أسرع ليلحق بما فاته فأُصيب بدور برد وهو ما قام بإهماله أيضاً، ودخل إلى استديو التلفزيون وهو شاحب الوجه وفاقد للوزن ومصاب بالحمى. كان مظهره مروعاً خصوصاً عندما واجه كينيدي والذي كان يبدو مستريحاً ولونه يميل للسُمره. على الفور، اختفت أفضليته كنائب الرئيس صاحب الخبرة، وتبدلت برجل يبدو عصبياً، يتصبب عرقاً ويبدو غير مهيأ للرئاسة.

بعد أن هُزم على يد كينيدي، تعلم نيكسون من أخطائه. وكونه المرشح الرئاسي للجمهوريين في 1968، اختار نيكسون ألا يناظر منافسه الديمقراطي، نائب الرئيس هربيرت هامفري. عوضاً عن ذلك، وتحت وصاية المعلم الروحي للإعلام روجر ألايس، استخدم التلفزيون ببراعة، فظهر في سلسلة أُطلق عليها "رجل في الساحة"، حيث أجاب نيكسون على الأسئلة الناعمة التي يوجهها الجمهور الودود. وفاز. وبعد أربع أعوام، من الترشح لإعادة انتخابه، رفض طلب السيناتور جورج ماكوفيرن للمناظرة ولم يُعرض نفسه لهذا النوع من التنسيق مرة أخرى.

وبعد توليه المنصب بعد استقالة نيكسون قام جيرالد فورد –أول نائب رئيس غير منتخب ينجح في تولي الرئاسة- لم يستطع أن يتجنب المناظرة في أميركا ما بعد ووترجييت 1976، محملاً بأخطاء نيكسون ومواجهاً بالتضخم وضعف الاقتصاد، تعثّر فورد بشدة خلال مناظرته الثانية مع جيمي كارتر.

وخلال المناقشة حول العلاقات بين السوفييت والأميركان، أشار إلى أن روسيا لم تسيطر على شرقي أوروبا ولن تفعل "تحت إدارة فورد". على الفور متصيداً زلة فورد، قال كارتر مبتسماً مثل القط شيشاير أن بيان الرئيس سيفاجئ الأميركان التشيك والبولنديين الذين لديهم أقارب خلف الستار الحديدي. في الأيام التالية، حاول فورد توضيح تصريحاته لكن الضرر كان قد وقع. فكارتر كان في طريقه إلى البيت الأبيض.

وهكذا مضى في طريقه للفوز بالانتخابات، من يفز بالمناظرة يفز بالرئاسة. مدمنو السياسية سيتذكرون تلك اللحظات.

في عام 1988: في استجابة فاترة من قبل مايكل دوكاكيس عندما سُئل عما إذا كان "يفضل أن تكون عقوبة الإعدام غير قابلة للإلغاء" لرجل قام باغتصاب زوجته بوحشية وقتلها. "لا، لا أؤيد، يا برنارد" هكذا رد بهدوء على مذيع سي إن إن برنارد شو.

"وأنا أعتقد أنك تعرف أنني لطالما عارضت عقوبة الإعدام طوال حياتي".

استرجع الصحفي روجر سايمون ردود أفعال زملائه في غرفة الصحافة: "إنه يعبر" "هذا كل ما كتبته" "تخلص من الورطة" لقد كانوا على حق: دوكاكيس يظهر كتكنوقراط غير دموي، فخسر أمام جورج بوش الأب.


متي ينتهي هذا الهراء!؟


في عام 1992 كان دور بوش في التعثر، عندما ناظر بيل كلينتون وروس بيرو، بدا بوش غير مكترث بأسئلة الجمهور والذين تأذوا من الركود. لقطته الكاميرات ينظر إلى ساعته (اعترف فيما بعد أنه كان يفكر، "باقي فقط عشر دقائق من هذا الهراء").

شعر كلينتون على الفور بالفرصة وانتقل أقرب إلى المرأة، ساعياً للحصول على مزيد من المعلومات حول كيفية إدارتها عملها في الأوقات الصعبة. فاز كلينتون بالتعاطف تلك الليلة وبالرئاسة.

ولكن في حملة 1980 والتي تشبه السباق بين كلينتون وترامب. كان الرئيس جيمي كارتر موقفه ضعيف فقد كان منهكاً للغاية بسبب الأوضاع الاقتصادية وإخفاقه في إطلاق سراح الرهائن الأميركيين الذين ظلوا محتجزين لدى إيران لما يقرب من عام، وواجهه المحافظ رونالد ريغان، والذي ظن كثيرون أنه محافظ للغاية ومتشدد جداً ليصبح رئيساً.

كارتر ذهب أبعد من ذلك: فقلد هجمات ليندون جونسون في هجومه على منافسه باري جولدواتر في 1964، فصور أن ريغان متهور وخطير، وأن لديه هوس ضد روسيا، وأنه خطر على الأمن القومي و"سيجرنا للحرب"، هكذا زعمت حملة كارتر لإبعاده عن الفوز. خطاب كارتر اللاذع خلق مشكلة أخرى للرئيس المحاصر: بدأت الصحافة بمهاجمته باعتباره متطرف، وتجسيد حي للـ"خسة".

وجاءت نقطة التحول خلال مناظرة ريغان وكارتر في كليفلاند، أوهايو، في 28 أكتوبر 1980. عندما ذهب كلاهما لمنصة التتويج، كارتر ساعد فيرنون غوردن فأصبح متنبهاً في الحال وقد علق جوردن لاحقاً قائلاً "لم يعجبني ما رأيته". بدا ريجان هادئاً ومبتسماً وقوياً: الرئيس كان متصلباً، ضيق الشفاه.. بدا كملاكم تدرب أكثر من اللازم، وجاهز لمباراة".

في كل مرة يلقي كارتر تعليق لاذع، يصاب ريغان بالذهول، مع إيماءة لطيفة للرأس، معلقاً، "ها أنتَ تُعيد الكرّة" لم تناسب دماثة ريغان الصورة التي كان يحاول كارتر رسمها.


حفظ دوره


فيما بعد، اشتكى كارتر من أن ريغان، الممثل السابق في فيلم بي، أنه "حفظ" أفضل "أدواره"، وضغط على الزر لإخراجهم. كان واثقاً أن "القضايا أهم من الأداء". لقد كان مخطئاً، سقوطه أمام ريغان أثبت ذلك.

إذا كان تاريخ المناظرات الرئاسية يثبت أي شيء، فهو أن الأداء يتفوق على القضايا. مراراً وتكراراً، ينتخب الأميركيون الشخص الذي يُظهر ليس فقط الذكاء بل القوة، التوازن وبعض الجودة التي لا يمكن تعريفها والتعاطف وربما قليل من الإنسانية.

تواجه هيلاري كلينتون تحدياً فريداً في مواجهتها مع دونالد ترامب. فهذا المرشح فريد من نوعه، خلافاً لأي شخص سعى للرئاسة من قبل. لا يوجد لديه برامج يمكنها مهاجمتها، فقط تصريحات –حائط سيتم بناؤه، القانون والانضباط سيعود، وظائف جديدة ستظهر، الإرهاب سيندحر- وكل ذلك سيتحقق، كما لو كان سحراً، بعد حلفه لقسم الرئاسة. حتى الآن، نجحت هذه الاستراتيجية، على الأقل في بعض الدوائر الجمهورية.

هل مهاجمة مثل هذه الوعود الزائفة المعروضة من قبل منافس غير مؤهل وحتى خطر ستخلق تعاطف لترامب كما فعل هجوم كارتر مع ريغان في 1980؟ فقط إذا قام ترامب باستعارة صفحة من كتاب ريغان، ويجبر هيلاري على الفرار بابتسامة منه. لكن هل هو على الأرجح سيقوم بذلك؟ يقترح سلوكه في المناظرات الجمهورية، أنه لن يفعل لأنه غير قادر على التعامل بهدوء مع من يهاجمه أو يهاجم ما يدعو له، فيبدو أن عيبه أنه مصاب بالغرور. وإهانة معارضيه هو أسلوبه، "ماركو الصغير"، "تيد الكاذب"، "جيب الهزيل"، "هيلاري العوجاء".

ومن المعتقد إنه لا يمكن التنبؤ بفوز ترامب بالإشارة لأخطاء هيلاري كلينتون. كيف يمكن لشخص التحضير لمواجهة رجل كسر كل قواعد السياسة الأميركية؟ في الواقع، ترامب غير متوقع للغاية، فهو يمتلك رد فعل واحد "الإهانة". فهل يجب أن تحاكي هيلاري ريغان، أن تضحك على هجمات ترامب، وأن تُصر على أن برنامجها يمكن أن يحسن من حياة الأميركيين وليس وعود ترامب الفارغة.


هل تلغى المناظرات؟


بالطبع، هناك احتمالية أنه لن يكون هناك مناظرة هذا العام (2016). في مساء الجمعة الموافق 29 يوليو/تموز 2016، غرد ترامب "كالعادة، هيلاري والديمقراطيون يحاولون تزوير المناقشات حتى أن الإثنين ضد مباريات كرة القدم الكبرى. مثل آخر مرة مع بيرني (مرشح الحزب الديمقراطي في الانتخابات التمهيدية). غير مقبول!" .

في الواقع، جدول المناقشة أعدته لجنة حزبية ثنائية خاصة بالمناقشات الرئاسية أنشأت بالفعل منذ ما يقرب من عام. وفي وقت لاحق، نفى ترامب أنه كان يحاول أن يتفادى المناظرات، وأمس، رودي جولياني صرّح لكريس كومو مذيع السي إن إن، بأن "دونالد ترامب سيشارك في الثلاث مناظرات" وإنه تم إسناد مهمة الإشراف على الترتيبات له. ومع ذلك، فقد حذر ترامب من "بعض المشرفين لن يكونوا مقبولين، على الإطلاق.. سأطالب بمشرفين عادلين".

من غير المرجح أن ترامب سيتفادى المواجهة مع كلينتون، ولكن يمكن أن يكون قادراً على تقليص العدد إلى ميعاد واحد مساء الأربعاء الموافق 19 أكتوبر/تشرين الأول 2016، والذي لن يتعارض مع مباراة كرة القدم. حتى إن هناك سابقة لعقد مناظرة واحدة في 1980، عندما واجه كارتر ريغان. إلا أنه شبه مؤكد أن من يفوز بهذه المناظرة سيكون الرئيس القادم للولايات المتحدة الأميركية.

-هذا الموضوع مترجم عن صحيفة Daily Beast الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.